الخطيب: خطوات الحكومة دون مستوى التحديات
ادى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة جماعة ظهر اليوم في مسجد الامام الصادق ع - مستديرة شاتيلا، بعد ان القى خطبة الجمعة التي قال فيها :
"في البداية ولمناسبة الخامس عشر من شهر شعبان المعظم وولادة امام العصر والزمان سيدنا ومولانا المهدي المنتظر، نتقدم بالتهنئة والتبريك من جميع المؤمنين والمؤمنات بهاتين المناسبتين المباركتين، ونسأل الله سبحانه ان يتقبل منا ومنكم صالح الاعمال وان يجعلنا من المقبولين لديه وممن اعدوا انفسهم ليكونوا في عداد اعوانه وانصاره في القيام بمهمته الالهية الكبرى، في تحقيق دولة العدل الإلهي، حلم الانبياء وتخليص البشرية من انظمة الكفر والظلم، وهو وعد غير مكذوب، كما ورد في زيارة الامام المهدي المأثورة عن الامام الصادق ع :
وعد الله الذي ضمنه ، السلام عليك أيها العلم المنصوب ، والعلم المصبوب ، والغوث والرحمة الواسعة وعداً غير مكذوب.
ابارك لكم هذه المناسبة العظيمة والجليلة لارتباطها اولا بليلة الخامس عشر من شهر شعبان المعظم التي توازي في اهميتها ليلة القدر، اضافة الى الاهمية التي تكتسبها من كونها من شهر شعبان وما له من القدسية.
وثانيا من اكتسابها هذه الخصوصية، وهي ولادة امل البشرية ومنقذها، املها الضائع في تحقيق ما لم تستطع تحقيقه في كدحها الشاق عبر العصور المتطاولة في العدالة، ومنقذها من الظلم المتمادي عبر الازمان، وهو كما ورد في الروايات المتواترة والصحيحة انه يملأ الارض قسطا وعدلا بعدما مُلئت ظلما وجورا، حيث تنتهي معه رحلة الاختبار الالهي للبشرية جماعة وفرادى، وبعد مرور الفرص التي منحها الله لها فاختارت بديلا لما اختاره الله لها، وجرّبت حظها بعيدا عنه اعتمادا على فهمها وتفكيرها القاصرين، فلم تكن النتائج لتجاربها المتعددة الا مزيدا من الاخفاقات التي ارتدت عليها بمزيد من الويلات كانت بغنى عنها لو انها اتبعت هدى الله وما اختاره لها من منهاج النبوة والامامة الذي وصفه الله تعالى بقوله (بقية الله خير لكم ) وبقوله:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
لأن اخضاع النظام الاجتماعي للتجارب البشرية لا ينسجم مع العدالة الإلهية، وهو يبتني ابتداء على الالحاد ونفي الالوهية وتاليا الكفر بالدين وتعاليمه، وما ادعاء النظام الرأسمالي الغربي انه غير معاد وان وظيفته تنحصر بالمعابد وانه يختلف عن النظام الاشتراكي القائم على خلفية فكرية إلحادية، ليس الا تأكيدا لفكرة اخراج الدين من الحياة، فهو ايمان شكلي طقوسي مزيف وظيفته خداع البسطاء من الناس، او لإشباع حاجة نفسية فطرية بهذا الخداع المزيف.
ولذا فان الايمان الحقيقي بالله تعالى وبعدالته وحكمته وانه الرحمن الرحيم بعباده، يقتضي ان يرشدهم الى ما يحقق لهم السعادة والعدالة ويؤمن لهم النظام الاجتماعي الذي يحقق لهم هذا الهدف، لا ان يتركهم يخوضون في التجارب التي لا تنتهي وما تجره عليهم من الآلام والشقاء ويحول حياتهم الى حروب دائمة تسفك فيها الدماء وتعيش البشرية فيها الأهوال، كما بينت لنا تجاربها بشكل لا يشوبه شك، وفي الوقت نفسه تأبى العودة الى الله ولو على سبيل التجربة لتسلك منهاجه في الحياة ولترى النتائج ولتجعلها واحدة من التجارب التي خاضتها مع الانظمة الاجتماعية المتعددة.
ولكنه التمرد والانكار والإطاعة للشيطان الذي قال متحديا لله تعالى لاقعدن لهم صراطك ) وقال ( فبعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين ) فقال تعالى ردا عليه ( ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين )، وللاسف فان المستثنى عادة هو الاقل ولكنه في هذه الآية هو الأكثر".
أضاف : "إن اكثر الناس ممن اغواهم الشيطان. وفي ايات اخرى اكثرهم لا يعقلون وما اكثرهم ولو حرصت بمؤمنين، ولكن في حقيقة الامر ان اية الاغواء لم يقصد فيها استثناء الاكثرية من الأقلية، وانما بيان ان الاغواء ليس باجبار لهم من ابليس، وانما باختيار منهم، وانه كما يتحمل مسؤولية الإغواء يتحمل الغاوون مسؤولية اختيارهم له، الا ان لهذه المهمة مهمة الإغواء التي اخذها ابليس على مسؤوليته في تحد للارادة التشريعية الالهية ومهمة اختبار البشر في عدم الوقوع في الفخ الذي نصبه لهم الشيطان والتزام الطاعة لله تعالى لما فيه خيرهم ، ان لهاتين المهمتين نهاية وهي ليست مفتوحة وبلا حدود، هذه النهاية محددة بظهور صاحب العصر والزمان الذي تنتهي معه عصور التمرد الشيطاني وانفلاته ويبدأ معه عصر العدل الالهي الموعود.
لقد ورد في الحديث عن الفائدة عن هذه الغيبة الطويلة والتي لم يحدد لها تاريخ معين، انه كفائدة الشمس تحجبها الغيوم يعطي المؤمنين الامل ويمنع عنهم اليأس في التمسك بايمانهم والصبر عليه، والا ينهاروا تحت وطأة الظلم المتمادي. فعن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله ( صلي الله عليه وآله ) : (يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر ).
وما كان للمؤمنين ان يكون لهم هذا الصبر في التمسك بدينهم الذي هو كالقبض على الجمر، لولا هذا الامل ولولا هذا الايمان بالاحساس بهذه الرعاية وهذه النظارة من ولي الامر المهدي المنتظر(عج) الذي نستمد منه اليوم هذه القوة وهذا الجلد في مواجهة التحديات الكبرى التي واجهت الامة في وجودها ودينها واهدافها على مدى العصور الماضية، وما زالت حيث بلغت الذروة في هذه الايام بالعدوان الغربي والامريكي المسلح والمباشر على الجمهورية الاسلامية الايرانية وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين واليمن، بعد فشلها في تحقيق اهدافها في الحرب الثقافية والفكرية الايديولوجية وانفضاح اهدافها التوسعية وكذب شعاراتها المزيفة وضعف وكيلها الصهيوني عن المواجهة بمفرده".
وتابع :"لذلك، فإن الحرب التي تقرع الولايات المتحدة اليوم طبولها بتحشيد قواتها من كل الأصناف، بَحرية وجوية، في محاولة لاخضاع الجمهورية الاسلامية واستسلامها، ان هذه الحرب لن تحصد منها الا الفشل إن شاء الله. وبهذه المناسبة نحيي مواقف الدول العربية والاسلامية التي رفضت هذه الحرب ومنعت الولايات المتحدة من استخدام اراضيها واجوائها لهذه الغاية، وما زلنا عند دعوتنا لهذه الدول بالتعاون معا على وضع استراتيجية لمواجهة التغول الاسرائيلي الذي يهدد الجميع، وان يقفوا عند المثل القائل "أكلت يوم اكل الثور الأبيض". فالكل بحاجة الى الكل والامة ترى نفسها اليوم مكشوفة امام هذا العدو وامام الولايات المتحدة والعدو الصهيوني بدون هذا التعاون بينكم، وانتم جميعا تتحملون المسؤولية امام شعوب امتكم وامام التاريخ في هذه المرحلة المصيرية، وآن لكم ان تتعالوا عن الحسابات الصغيرة والخاطئة امام الاخطار التي لن تتخطى احدا منكم".
وتوجه الخطيب للجمهورية الاسلامية الايرانية و"لقيادتها الرشيدة والشجاعة والمسؤولة، بالتحية وبالتهنئة في ذكرى ثورتها السابعة والاربعين المجيدة بقيادة الإمام الخميني ، ونحن على يقين انها ستخرج من هذا التحدي مع الولايات المتحدة أشد قوة وبأسا وعزيمة وستفشل اهدافها الخبيثة باذن الله تعالى، وتعيد اساطيلها وجيوشها مكللة بالعار والخزي باذن الله تعالى كما فعلت دائما في المرات السابقة ان شاء الله".
وداخليا، قال العلامة الخطيب :"اما في لبنان حيث يمر اليوم في واحدة من أدقّ مراحله الوطنية والسياسية، في ظلّ أزمات متراكمة، وعدوان إسرائيلي متواصل، وبيئة إقليمية مفتوحة على احتمالات التفاوض كما على مخاطر الانفجار الكبير،فإننا نرحّب بزيارة دولة رئيس الحكومة المقرّرة إلى الجنوب غدا وبعد غد، لما تحمله من دلالة سياسية ووطنية مطلوبة، خصوصا في هذه المرحلة الحسّاسة التي يتعرّض فيها الجنوب والبقاع لاعتداءات إسرائيلية متكرّرة، وانتهاكات يومية للسيادة، وتهديد مباشر لأمن المواطنين وأرزاقهم".
وأكمل :" غير أنّ الترحيب بهذه الزيارة لا يغني عن طرح بعض الأسئلة الجوهرية، ولا يعفينا من توجيه النقد المسؤول لأداء الحكومة، التي لا تزال خطواتها دون مستوى التحديات، ودون حجم الوعود التي أطلقتها في بيانها الوزاري.
لقد التزمت الحكومة، نصاً وروحاً، ببذل أقصى الجهود الديبلوماسية والسياسية لإلزام العدو الإسرائيلي بوقف إطلاق النار، إلا أنّ الواقع يُظهر أنّ إسرائيل لم تلتزم حتى الساعة بأي تهدئة ، بل تواصل اعتداءاتها، وتوسّع رقعة استهدافها، وتُمعن في خرق القرار الدولي 1701، الذي ينص بوضوح على "وقف الأعمال العدائية" والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة".
وطالب الخطيب، الحكومة ب"إلانتقال من المواقف الكلامية إلى خطوات عملية وضاغطة على المستويين الدولي والأممي، والعمل الجدي لإلزام إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي لا تزال تحتلها في الجنوب، تنفيذاً للقرار 1701 دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير، مؤكدا على الحكومة "معالجة شؤون المواطنين الذين دفعوا ثمن العدوان من أمنهم واستقرارهم وبيوتهم وأرزاقهم، عبر خطط إغاثة واضحة وتعويضات عادلة ورعاية مستدامة تحفظ كرامتهم واعتماد المعاينة اليومية والدورية والمباشرة لواقع الجنوب، وسائر المناطق اللبنانية التي تتعرض للاعتداءات الإسرائيلية، لأن إدارة الأزمات لا تكون من خلف المكاتب، بل من قلب الميدان. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على الحكومة أن تلتزم كل واجباتها ومسؤولياتها، وأن تفي بالتزاماتها، وأن تتعامل مع الجنوب لا كملف طارىء اوعابر، بل كعنوان للسيادة والكرامة الوطنية".
وأكد ان "ان لبنان يستحق دولة حاضرة، وسياسة واضحة، ومواقف بحجم تضحيات شعبه".
وإقليميا، قال :" تبرز المفاوضات التي بدأت في سلطنة عُمان بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية كعامل مفصلي قد يعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء أفضت إلى تسوية أو انزلقت إلى مواجهة. وفي هذا الإطار، نؤكد أن أي مسار تفاوضي جدي يفترض وقف سياسة التهديد والوعيد بحق إيران، لأن منطق القوة لم يثبت يوماً أنه يؤدّي إلى حلول مستدامة. كما يفترض الذهاب إلى مفاوضات غير مشروطة إذا كانت واشنطن حريصة فعلاً على حماية مصالحها، من دون المسّ بالمصالح الإيرانية أو سيادة إيران وحق شعبها في التنمية ورفع العقوبات الجائرة عنها لما تسببه من أضرار إنسانية واقتصادية لا يمكن تبريرها تحت أي عنوان".
أضاف :"اما على مستوى انعكاسات التفاوض أو الحرب على لبنان والمنطقة فنقول إن لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وهشاشة وضعه الداخلي، سيكون من أكثر الدول تأثراً بنتائج أي مفاوضات كبرى أو، لا سمح الله، بأي حرب إقليمية شاملة. ففي حال نجاح المفاوضات، قد تُفتح نافذة تهدئة نسبية تنعكس إيجابا على الاستقرار في الجنوب ولبنان عموما، وتخفّف منسوب التوترالعالي في المنطقة. أما في حال فشلها أو الذهاب الى الحرب لا سمح الله ، فإن لبنان سيكون في قلب التداعيات، أمنيا واقتصادياً واجتماعيا، كما ستكون المنطقة برمّتها أمام مرحلة شديدة الخطورة، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الدول المعنية مباشرة. لذلك فإن المطلوب من اللبنانيين تدارك الاخطار القادمة والعمل على تمتين وحدة الموقف السياسي والوطني".
وأمل الخطيب "من المراهنين على سقوط الجمهورية الإسلامية عندنا "، "المزيد من التروي والحكمة والإعتبار من المواقف العربية والدولية التي تسعى بكل طاقتها لمنع هذه الحرب التي لن تكون نزهة أميركية إسرائيلية في هذه المنطقة .فالجمهورية الإسلامية لن تكون لقمة سائغة في فم أعدائها ، تؤكد ذلك حالة الإرتباك الأميركية الناجمة عن حسابات دقيقة جدا لنتائج هذه الحرب التي نأمل ألا تقع ،حرصا على استقرار هذه المنطقة التي قدمت الكثير خلال السنوات الماضية".
وختم الخطيب :" إننا مؤمنون، بأن قوة الحق لن تُهزَم أمام حق القوة التي تمارس على أمتنا وشعوبنا ،وإن النصر لصبر ساعة ،وإن ينصركم الله فلا غالب لكم".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|