أميركا ـ سوريا ومن العشق ما قتل
ذاك العشق الأميركي لسوريا. الرئيس دونالد ترامب وصف نظيره السوري أحمد الشرع بـ"سوبرمان الشرق الأوسط". بعده توم براك "ان سوريا تبهرنا بقيادة أحمد الشرع". مثل هذا الكلام لم يصدر عن أي رئيس أو مسؤول أميركي، حتى ببنيامين نتنياهو الذي فرش بالجثث الطريق أمام الرئيس الأميركي الحالي، للدخول الى المنطقة كأي اله اغريقي، ودون أن يعلم أن الجثث هنا تتكدس في الذاكرة (ذاكرة النار)، ولا تنتقل الى العالم الآخر الى بعد أن تدق ساعة الزلزال...
واذا قيل "من الحب ما قتل"، نقول "ومن العشق ما قتل". هنا يقتل الشرع اذا مضى بعيداً في الطريق الأميركي ، الذي غالباً ما كان الطريق الى الجحيم، كما يقتل سوريا التي تبقى رغم كل شيء، ملاذ القلب لكل عربي يريد أن يستذكر دوي التاريخ، وكبرياء التاريخ. المفكر المصري الفذ جمال حمدان قال "لا تجعلوا من التاريخ غرفة العار"...
لا بد أن الأميركيين يريدون من سوريا الاضطلاع بدور الخنجر، في صدر كل من يحاول أن يقف ضد المشيئة الأميركية، وهي مشيئة الآلهة، أو ضد "المشيئة الاسرائيلية". حتماً لن يقبلوا بأن تتحول سوريا الى "نمر غرب آسيا"، كما توقعت "الفايننشال تايمز" بعد جولة على مصانع حلب، قبل أن تغزوها على طريقة ياجوج وماجوج النيوانكشارية لحساب النيوعثمانية.
منطق الأشياء كان يشي بضرورة ـ أو حتمية ـ حصول التغيير في سوريا. واذا كانت القيادة السابقة قد حققت الكثير، فان اطلاق العنان لأجهزة الاستخبارات، وبذلك النوع من الرعاع ولبارونات الفساد من كل الطوائف، أدى الى التآكل الداخلي المروع، والذي بلغ حدود الموت السريري للدولة، اذا أخذنا بالاعتبار العقوبات الأميركية فقط، بسبب مساندتها للمقاومة اللبنانية وللمقاومة الفلسطينية. التغيير ولكن ليس على يد حملة السواطير، بتلك الايديولوجيا الرثة التي ترعرعت، كما الطحالب البشرية، في المستنقعات.
هذه مسألة تعني وبالدرجة الأولى السوريين. تعنينا أيضاً كلبنانيين بالنظر للترابط العضوي بين البلدين (التاريخي والجغرافي والسوسيولوجي). المشكلة أن العلاقة بينهما لم تنتظم الا في أوقات قليلة. ولكن ألم يصف سعيد تقي الدين "الواو" بين لبنان وسوريا بـ"الواو الكافرة". ومتى كانت هناك حدود بين العائلات اللبنانية والعائلات السورية؟ يعنينا كثيراً أن تتوحد الخارطة السورية، بعدما طرحت أفكار كثيرة وسيناريوات كثيرة، حول الدمج بين الخارطة السورية والخارطة اللبنانية، ومن ثم اعادة صياغة الخرائط تبعاً لأصحاب الأمر.
المنطقة الآن، وحين تكون بين احتمال الحرب الكبرى ـ التي لا يستبعد أن تشهد ما هو أشد هولاً من ليلة هيروشيما ـ واحتمال التسوية الكبرى، لا بد أن تكون أمام تحولات تاريخية بنيوية. أين سوريا في هذه الحال؟ يفترض أن يتركز نشاط السلطة على معالجة المشكلات الداخلية، وبأجهزة ادارية وأمنية تفتقد الخبرة، في دولة تحكمها الحساسيات الطائفية أو الاثنية أو المناطقية، في حين تمضي "اسرائيل" في لعبة الدم الى حدودها القصوى. ولكن الا تتحدث التقارير الديبلوماسية عن ذلك السيناريو الخطير، الذي يتلخص على النحو التالي: اتفاق بين واشنطن ودمشق. اذا اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وايران، وشارك حزب الله بتوجيه صواريخه الباليستية نحو "اسرائيل" أو نحو أهداف أميركية، على أن تبادر الفصائل السورية الى اختراق البقاع اللبناني من الشمال والشرق، لاستيعاب المنطقة التي تتواجد فيها "البيئة الحاضنة" لحزب الله، وللسيطرة على صوامع الصواريخ فيها.
أما "اسرائيل" فتتقدم عبر الخاصرة الرخوة في منطقة العرقوب وصولاً الى طريق بيروت ـ دمشق، لينشأ شيء ما يشبه الكوندومينيوم السوري ـ "الاسرائيلي"، لاعادة تركيب لبنان وفقاً لمصالح الطرفين، وتحت المظلة الأميركية. ولكن ألا يشتبه السعوديون والأتراك، في أن مفاعيل الضربات الاسرائيلية على ايران وتقويض النظام، ستنعكس على مستقبل البلدين. الائتلاف اليميني في "تل أبيب" يرى في المملكة عدواً، لأنها تدفع في النجاه اقامة الدولة الفلسطينية، كما يرى في تركيا عدواً بسبب تسارع ايقاع التكنولوجيا العسكرية فيها، وهي التي تشاطئ أربعة بحار (المتوسط والأسود وايجه ومرمره).
التدخلات على قدم وساق للحيلولة دون انفجار الجبهة الأميركية ـ الايرانية، وحدها "اسرائيل" تدفع في اتجاه آخر لتقويض النظام الايراني، كحجر عثرة في تحقيق "الهدف التوراتي المقدس" "اسرائيل الكبرى".
اذ نسال أركان النظام في سوريا "أين مصلحتكم في شن حرب ضد فئة من اللبنانيين يلاحقها "الاسرائيليون"، من أجل عيني دونالد ترامب، الذي يعمل لمصلحة "اسرائيل"، أكثر مما يعمل أميركا"؟
هذا ، لنتوقف عند تصريح هام لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن "الوضع بشأن ايران ينذر بانفجار، قد يطاول الشرق الأوسط بأكمله"، ليضيف "أن طهران شريك وثيق لموسكو، التي لن تقف مكتوفة الأيدي حيال تطور التعقيدات الحالية في المنطقة".
بالطبع نستبعد مشاركة روسيا في الحرب. ولكن ماذا لو زوّدت الايرانيين بطائرات متطورة، وكذلك بمنظومات للدفاع الجوي؟ رأينا... قلما نثق بالدببة القطبية!!
نبيه البرجي - الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|