عربي ودولي

من "أمريكا أولا" إلى "أمريكا وحيدة".. هكذا دفع ترامب بلاده نحو العزلة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

سلّط تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، الضوء على تراجع علاقة واشنطن مع حلفائها، وذلك بعد العام الأول المضطرب من الولاية الثانية لدونالد ترامب.

وبحسب التقرير، فإنه مع تحوّط الحلفاء ومراقبة الخصوم، يبرز خطر تحوّل شعار "أمريكا أولًا" إلى "أمريكا وحدها"، وهي نتيجة استراتيجية قد تكون أعلى كلفة وأصعب عكسًا من أي مكاسب قصيرة الأجل.

وعزّز خطاب ترامب، الذي غالبًا ما استهدف الحلفاء أكثر من الخصوم، انطباعات عن الولايات المتحدة بوصفها قوة متجاهلة، إن لم تكن معادية، لشراكات راسخة.

وخلال تصريحات في سويسرا الأسبوع الماضي، سخر الرئيس من الأوروبيين ملمّحًا إلى أنهم "كانوا سيتحدثون الألمانية" لولا التدخل الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، وهي عبارة لاقت صدى سلبيًا في عواصم باتت أصلًا قلقة من مسار السياسة الأمريكية.

ويعكس الرأي العام هذا القلق. ففي ألمانيا، تُظهر استطلاعات مؤسسة "فورسا" أن أغلبية حاسمة باتت تنظر إلى الولايات المتحدة كخصم، بينما تشير استطلاعات عبر أوروبا إلى تراجع الثقة بواشنطن بوصفها حليفًا يمكن الاعتماد عليه.

وتبرز أنماط مماثلة في ديمقراطيات متقدمة أخرى، حيث ارتفعت الآراء السلبية تجاه الولايات المتحدة بشكل حاد، وفق بحوث رأي حديثة.

الثقة الجماعية
ويتزامن تآكل "حسن النية" مع تحولات سياسية جوهرية. فخلال العام الماضي، قلّصت الإدارة معظم المساعدات الخارجية الأمريكية، وانسحبت من عدد كبير من المؤسسات متعددة الأطراف، وعلّقت المساعدات العسكرية المباشرة لأوكرانيا في خضم حربها مع روسيا، وهي خطوات ترى فيها حكومات أوروبية تقويضًا للأمن الجماعي.

كما لوّح ترامب باستخدام القوة لتحقيق أهداف إقليمية، من بينها غرينلاند، قبل أن يخفف لاحقًا من لهجته، وفرض حواجز تجارية جديدة على شركاء رئيسيين.

وفي المحافل الدولية، صعّد الرئيس انتقاداته. ففي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سخر من إيمانويل ماكرون، واتهم كندا بنكران الجميل، ووصف حلف شمال الأطلسي بأنه عبء مالي، وهي تصريحات عززت المخاوف بشأن التزام واشنطن بالتحالف.

ورغم اعتذاره لاحقًا عن ادعاء غير دقيق حول عدم نشر دول الحلف قوات إلى جانب القوات الأمريكية في أفغانستان، فقد سلّطت الواقعة الضوء على نمط أوسع من التوتر مع الشركاء.

ولا تقتصر الكلفة المعنوية على أوروبا. ففي كندا والمكسيك، تُظهر استطلاعات أن النظرة السلبية إلى الولايات المتحدة باتت تفوق الإيجابية بفوارق واسعة، مع تصنيف كثيرين لواشنطن كتهديد أكبر من الصين.

وفي آسيا، تراجعت التصورات أيضًا؛ إذ تشير استطلاعات في كوريا الجنوبية إلى أن نحو نصف السكان يرون الولايات المتحدة دولة مهدِّدة أو غير موثوقة، وهي مشاعر غذّتها نزاعات تجارية وإجراءات إنفاذ للهجرة طالت عمالًا كوريين.

"تصحيح الاختلالات"
ويرى ترامب أن نهجه يصحّح اختلالات تراكمت لعقود، ويُنهي ما يصفه بـ"الاعتماد المجاني" للحلفاء على الضمانات الأمنية الأمريكية والممارسات التجارية غير العادلة.

كما يقدّم سياساته على أنها حماية للشركاء من دعم مكلف للطاقة الخضراء وهجرة غير منضبطة، وهي انتقادات تلقى صدى لدى بعض الجمهوريات الأجنبية. ومع ذلك، يقر حتى المتعاطفون بأن الأسلوب والتنفيذ أجهدا العلاقات.

وتوجد استثناءات لافتة. فقد تحسّنت النظرة إلى الولايات المتحدة في إسرائيل عقب دعم واشنطن حربها على غزة، وارتفعت في الهند، وبقيت إيجابية في الأرجنتين في ظل الرئيس خافيير ميلي، المؤيد الصريح لترامب. وفي فنزويلا، ينسب البعض لحملة الضغط الأمريكية إضعاف قبضة نيكولاس مادورو.

غير أن محللين يحذّرون من أن هذه المكاسب المعزولة لا تعوّض التشكيك العالمي الأوسع.

وتتجاوز التداعيات بعيدة المدى الرأي العام. فمع تآكل الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية، يعيد الحلفاء تقييم تبعياتهم الاستراتيجية. وتسرّع حكومات أوروبية وآسيوية وتيرة الإنفاق الدفاعي، وتنويع الروابط التجارية، وتناقش ما إذا كانت قد تحتاج إلى قدر أكبر من الاستقلالية، بما في ذلك الردع النووي، في نظام أقل قابلية للتنبؤ.

ويحذّر وزير المالية والسفير البرازيلي السابق روبنس ريكوبيرو من أن تكرار الصدمات يجعل الفصل بين قادة الولايات المتحدة ومجتمعها أصعب مع مرور الوقت.

صورة أمريكا
ويشير التاريخ إلى أن صورة أمريكا قادرة على التعافي. فقد تحسّن موقعها بعد فيتنام، وحرب العراق، والولاية الأولى لترامب، مدعومًا بقوة اقتصادية ونفوذ ثقافي، بحسب ميتشل رايس من "المعهد الملكي للخدمات المتحدة".

لكن آخرين يرون أن اللحظة الراهنة مختلفة؛ إذ شكّك ترامب في قيمة المؤسسات والتحالفات نفسها التي شيّدتها واشنطن لترسيخ النظام الدولي بعد الحرب.

ويقول روبرت كاغان من معهد "بروكينغز"، إن هذا الشرخ قد يكون دائمًا. فعلى مدى عقود، أسندت القوة الأمريكية نظامًا استضاف فيه الحلفاء قواعد أمريكية، وتبادلوا الاستخبارات، وحافظوا على أسواق مفتوحة، بينما واجهوا معًا خصومًا مثل روسيا والصين.

وبمجرد كسر الثقة، يرى كاغان أن استعادتها لن تكون سهلة، بغض النظر عمّن يشغل البيت الأبيض لاحقًا.

أما الأثر الاقتصادي فقد بات ملموسًا. فقد تراجع عدد السياح الدوليين إلى الولايات المتحدة العام الماضي، تقوده انخفاضات من دول مجاورة.

وبدأ مصنعون في الخارج كانوا يعتمدون بكثافة على المشترين الأمريكيين بتنويع أسواقهم للتحوّط من تقلبات السياسة التجارية.

وفي الوقت نفسه، تعمّق حكومات حليفة، من أوروبا إلى آسيا، علاقاتها بهدوء مع بكين كوثيقة تأمين ضد عدم اليقين في واشنطن.

بديل واشنطن
لا يبدو التحوّل أكثر تأثيرًا من أوروبا، حيث أسندت الشراكة عبر الأطلسي الاستقرار منذ الحرب العالمية الثانية. ورغم محاولات استرضاء واشنطن عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وكبح الرد التجاري، لا يرى قادة أوروبيون عائدًا يُذكر.

كما أن ضغوط الولايات المتحدة لتسوية في أوكرانيا يُنظر إليها على أنها تصبّ في مصلحة موسكو، إلى جانب التهديدات بحق الدنمارك العضو في حلف الأطلسي بشأن غرينلاند، قد عززت المخاوف من أن التزامات الدفاع الجماعي لم تعد مضمونة.

ويقول رئيس الوزراء الدنماركي السابق أندرس فوغ راسموسن، الذي كان يومًا من أقرب حلفاء واشنطن في أوروبا، إن الضرر "ذاتي الصنع".

وأضاف: "سلوك ترامب يغذّي الحجة القائلة بأن أوروبا تحتاج إلى بديل عن الولايات المتحدة".
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا