من "أمريكا أولا" إلى "أمريكا وحيدة".. هكذا دفع ترامب بلاده نحو العزلة
موازنة 2026 تمرّ بأكثريّة هزيلة.. هل باتت الحكومة بلا غطاء؟
لم تخرج حكومة الرئيس نواف سلام من "معركة" موازنة 2026 منتصرةً بقدر ما خرجت مُحرَجة، فما حدث في مجلس النواب لم يكن على قدر التوقّعات والآمال، في ضوء
المعارضة التي اصطدمت بها داخل مجلس النواب، ولو اختلط فيها السياسي بالانتخابي، أو في الخارج، حيث حرص الشارع أن يذكّر الحكومة بأنّ "الإنجازات الورقية" لا تطعم ولا تنصف.
في الشكل، وبعيدًا عن حجم التصدّع السياسي الذي كشفته الجلسة النيابية المطوّلة، التي حرص فيها النواب من مختلف الكتل على الإدلاء بدلوهم في سياق ما يحلو للبعض وصفه بـ"سوق عكاظ"، يمكن القول إنّ الموازنة "مرّت"، لكن بأكثرية أقلّ ما يقال عنها إنّها "هزيلة"، إذ لم يتجاوز تأييدها 59 نائبًا، شكّلوا أكثر من نصف النواب الحاضرين، بعدما تحوّل النقاش إلى شدّ حبالٍ سياسي وانتخابي أكثر منه تفكيكًا للأرقام والبنود.
أما في المضمون، فالإقرار لا يبدو "حلًا" بقدر ما يُشبه تأجيلًا منظّمًا للانفجار الاجتماعي، وهو ما تجلّى أصلاً في "حرارة الشارع" التي ارتفعت في الساعات الأخيرة، مع تصعيد العسكريين المتقاعدين، الذي أدّى إلى قطع النقل المباشر في بعض المحطات، ليعود السؤال المركزي: ماذا بعد التصويت؟ هل تستطيع الدولة تحويل الموازنة إلى مسار عمل.. أم تتحوّل إلى ورقة إضافية في سجلّ المراوحة؟
أكثريّة على الحافّة… ما هي الدلالات؟
في الظاهر، ربحت الحكومة معركة التصويت، لكن في العمق، قد يجوز القول إنّها ربحت "الوقت" لا الثقة، لأنّ الأكثرية الهزيلة التي حصدتها تبدو مؤشّرًا سياسيًا واضح الدلالات. صحيح أنّ الموازنة "مرّت"، لكنّها لم تُنتج غطاءً وطنيًا كافيًا، ولا حتى توافقًا داخل كتل يفترض أنها شريكة في إدارة المرحلة. وهذا يعني ببساطة أنّ الحكومة ليست "محصّنة سياسيًا"، خصوصًا على أبواب الانتخابات، وإن كانت "غير قابلة للإسقاط بسهولة".
وإذا كان ما حصل في مجلس النواب يمكن أن يُعتبر "بروفا" لاستحقاقات مقبلة، من الإصلاحات المطلوبة دوليًا إلى المسار المالي الذي سيُفرَض لاحقًا، حيث ستظهر سريعًا حدود قدرة الحكومة على جمع أكثرية متماسكة حول قرارات موجعة، فإنّ ما ينبغي على الحكومة الوقوف عنده ليس فقط "مزايدات" النواب التي يمكن أن تندرج في خانة "انتخابية"، ولكن المشهد خارج البرلمان، حيث بدت واضحة "نقمة" الناس، التي تطلب "حدًا أدنى" من العدالة.
اللافت هنا أن الحكومة تعاملت مع موجة الضغط بمنطق "الترحيل" لا "المعالجة"، وفق منطق مألوف في إدارة الأزمات، فوزير المال ربط أي زيادات برواتب غير مدروسة بخطر إغراق البلد، وبموعد "استحقاق" صندوق النقد، فيما نُقل عن نائب رئيس المجلس أن رئيس الحكومة جدّد التزام حلّ عادل للمتقاعدين قبل نهاية شباط. وبين "لا أتعهد بشيء غير مدروس" و"التزام قبل نهاية شباط"، تتسع المساحة الرمادية التي تُغذّي الشكوك: هل نحن أمام خطة واضحة أم شراء وقت؟
في جلسة مجلس النواب، وعلى مدى ثلاثة أيام، كان واضحًا أنّ النقاش السياسي خطف الأضواء، وتقدّم على "محور" الجلسة، وهو الموازنة. قد يكون ذلك مفهومًا، من قبل نواب يصرّون على الكلام، ويعترضون على "تقصير" مدّته، ويشكون "قلّة عدالة" في "توزيع الوقت"، وكأنّ البلاد في أحسن الأحوال. لكن ثمّة أسئلة "تقنية" طُرِحت، وتُطرَح مع كلّ موازنة، فكيف ستنفذ الحكومة ما تتعهد به، وكيف سيُدار الاحتياطي، ومن يراقب؟
هنا يشير المتابعون للملف المالي إلى ثغرة بنيوية أكثر خطورة تتكرّر مرّة أخرى، فالموازنة أقرّت من دون "قطع حساب"، وهذا الأمر وإن بات "مألوفًا"، ليس كذلك قانونًا، في ظلّ قراءات قانونية تعتبر أن غياب قطع الحساب يبقي الإنفاق والتقديرات في منطقة رمادية ويمنح أي طعن محتمل مادة دسمة، حتى لو كان المجلس الدستوري في تجارب سابقة يقرّ بالمخالفة ولا يذهب إلى الإبطال.
ويلفت هؤلاء مشكلة ثانية لا تقل ثِقَلًا: الموازنات في لبنان غالبًا ما تُقدَّم كـ"أفضل الممكن" بدل أن تكون أداة تغيير. وهنا، يسجّل اعتراض واضح على غياب الرؤية الاقتصادية الاجتماعية في الموازنة، وعلى ضعف تمويل أجهزة الرقابة، في مقابل ضرائب ورسوم تثقل كاهل المواطنين، وإصلاحات "ترحَّل" إلى مشاريع مستقلة قد لا ترى النور قريبًا، في وقت بات واضحًا أنّ "طيف" التفاوض مع صندوق النقد حاضر بين سطورها، وربما في "خباياها".
في المحصّلة، أُقرّت موازنة 2026، ولو بأكثرية "هزيلة" كشفت "هشاشة" الحكومة، حتى لو أخذت النقاشات طابع "البازار الانتخابي" المألوف. لكنّ "الإنجاز"، إن صحّ وصفه "إنجازًا"، لا يقفل الملف، بل يفتحه على أسئلة أكبر، باعتبار أنّ "الامتحان الحقيقي" يبدأ الآن، فهل سيشعر الناس بأنّ شيئًا تغيّر فعلاً على الأرض، وهل تُدار المالية العامة كمسار إصلاحي قابل للقياس.. أم كـ"تسوية" تمرّر الوقت حتى إشعار آخر؟!
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|