لبنان على هامش نظام عالمي مُعاد تشكيله
يقف لبنان اليوم في قلب عاصفة مركّبة: انهيار اقتصادي غير مسبوق، شلل سياسي مزمن، وتحوّلات إقليمية ودولية تعيد رسم خرائط النفوذ والاهتمام. لفهم هذا المشهد المعقّد، لا يكفي الاكتفاء بالتحليل الداخلي أو الإقليمي الضيق. بل يصبح من الضروري النظر إلى الإطار الدولي الأشمل الذي يحدّد كيف تُدار الأزمات، وأي الدول تُنقذ، وأيها تُترك لتتدبّر أمرها.
اضغط هنا: للاطلاع على National Security Strategy
of the United States of America
في هذا السياق، تشكّل إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في نوفمبر 2025 وثيقة كاشفة. ليس لأنها لا تتحدث مباشرة عن لبنان، بل لأنها توضّح كيف باتت الولايات المتحدة ترى العالم، وأين تضع أولوياتها، وما الذي لم يعد ضمن اهتماماتها الأساسية. ومن خلال هذه العدسة، يمكن فهم كثير مما يجري في لبنان والمنطقة المحيطة به.
أولاً: نهاية مرحلة "الإدارة الأميركية للعالم"
تعلن إستراتيجية 2025 بوضوح نهاية الدور الأميركي الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة، حين نصّبت واشنطن نفسها مديراً للنظام الدولي، ومتدخلاً رئيسياً في أزمات العالم، وراعياً للاستقرار في مناطق متعددة، وفي مقدّمها الشرق الأوسط.
الوثيقة الجديدة تؤكد انتقال الولايات المتحدة إلى:
أ. التركيز على الداخل الأميركي بوصفه أساس الأمن القومي: الصناعة، سلاسل الإمداد، التكنولوجيا، والقدرة التنافسية الاقتصادية.
ب. الانخراط الخارجي الانتقائي، حيث تُقاس العلاقات والتحالفات بميزان الربح والخسارة المباشرة، لا بالالتزامات التاريخية أو الأيديولوجية.
ج. إعادة ترتيب الأولويات الجغرافية، مع تركيز أساسي على نصف الكرة الغربي، ثم شرق آسيا والمنافسة مع الصين، فيما يتراجع الشرق الأوسط إلى مرتبة ثانوية.
هذا التحول لا يعني انسحاباً أميركياً كاملاً من المنطقة، لكنه يعني ما هو أكثر دلالة: تراجع الاستعداد الأميركي لتحمّل كلفة إدارة الأزمات المزمنة، ومنها الأزمة اللبنانية.
ثانياً: لبنان خارج دائرة "القيمة الاستراتيجية"
في المنطق الجديد الذي تحكمه الإستراتيجية، لم يعد كافياً أن تكون دولة “صديقة” أو “مرتبطة تاريخيا” بالولايات المتحدة. المطلوب هو قيمة ملموسة: سوق، موقع اقتصادي، دور في سلاسل الإمداد، أو مساهمة مباشرة في التنافس مع القوى الكبرى.
من هذا المنظور، يظهر لبنان كدولة:
- منهارة اقتصادياً
- عاجزة عن تنفيذ إصلاحات بنيوي
- غارقة في انقسامات داخلية
- وغير قادرة على تقديم نفسها كشريك اقتصادي أو أمني موثوق
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: لبنان لم يعد يُنظر إليه كمشكلة استراتيجية كبرى، بل كملف هشّ يُدار بالحد الأدنى، أي عبر مساعدات إنسانية، ضغوط مالية، ومواقف دبلوماسية عامة، من دون استثمار سياسي جدي.
ثالثاً: الفراغ الاستراتيجي وتأثيره الأمني
حين تتراجع قوة دولية كبرى عن لعب دور الضابط الإقليمي، لا يختفي الصراع، بل يتغيّر شكله. وهذا ما نشهده اليوم في المشرق.
غير أن قراءة دقيقة لإستراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 تُظهر أن تراجع الاهتمام الأميركي بالصراعات التقليدية في الشرق الأوسط لم يؤدِّ إلى غياب أهداف أميركية واضحة في لبنان، بل إلى تقليصها وحصرها في أولويتين أساسيتين فقط.
الأولوية الأولى هي إنهاء ظاهرة الفاعلين المسلحين غير الحكوميين الذين يشنّون حروباً على إسرائيل انطلاقاً من أراضي دول هشة، ويقوّضون استقرار هذه الدول من الداخل، وفي مقدّمهم حزب الله. فمن وجهة النظر الأميركية، تمثّل هذه الظاهرة بديلاً بالغ الخطورة عن الحروب النظامية بين الجيوش، وهو بديل بدأ منذ انتهاء آخر مواجهة مباشرة بين دولة عربية وإسرائيل في حرب مصر عام 1973، حين انتقل الصراع تدريجياً من جبهات الدول إلى حروب بالوكالة تُدار من داخل كيانات ضعيفة.
الأولوية الثانية تتمثّل في تفكيك منظومة الرعاية والتمويل الإقليمي التي ساهمت في تعزيز هذه القوى غير الدولتية، ولا سيما التمويل القادم من إيران وغيرها من الأطراف الإقليمية. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى هذه التدفقات المالية كدعم سياسي يمكن غض الطرف عنه، بل كأدوات لإدامة عدم الاستقرار، وتآكل سيادة الدول، وتكريس اقتصاد الحرب.
في هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة، ومعها حلفاؤها، إلى استبدال الرعاية الإقليمية غير المنضبطة بمساعدات مالية وأمنية مشروطة ومراقَبة، تُقدَّم عبر قنوات رسمية، وتُربط ببناء قدرات مؤسسات الدولة، لا بتغذية قوى موازية لها. فالمساعدات، في المنطق الاستراتيجي الجديد، لم تعد أداة إنقاذ، بل وسيلة ضبط وتوجيه.
وبالنسبة للبنان، يعني ذلك أن استقراره لم يعد يُقاس بمدى ازدهاره، بل بمدى احتوائه للمخاطر الأمنية التي قد تمتد إلى خارج حدوده.
رابعاً: الاقتصاد كساحة صراع أساسية
تكشف إستراتيجية 2025 بوضوح أن الاقتصاد أصبح في صلب مفهوم الأمن القومي. الدول تُقاس اليوم بقدرتها على الإنتاج، والابتكار، والاندماج في الاقتصاد العالمي، والمساهمة في سلاسل القيمة.
من هذا المنظور، يُنظر إلى لبنان كحالة فشل اقتصادي، لا كفرصة. وهذا يفسّر:
- محدودية الدعم المالي
- ربط أي مساعدة بإصلاحات قاسية
- غياب أي خطة إنقاذ دولية شاملة
لكن هذا الواقع يحمل درساً أساسياً:
لا مكان للبنان في النظام العالمي الجديد من دون إعادة بناء اقتصاده كأولوية استراتيجية ربطا بسياق إستراتيجية الأمن القومي الأميركية ، لا كملف تقني مؤجّل.
خامساً: ماذا ينتظر لبنان؟ سيناريوهان محتملان
غير أن أي سيناريو مستقبلي للبنان، سواء كان سلبياً أو إيجابياً، يبقى محكوماً بحقيقة جوهرية لا يمكن تجاوزها: مشكلة لبنان الأساسية لا تزال في نظامه السياسي شديد العطب.
فمن منظور المصلحة اللبنانية الوطنية، إن النظام القائم على تقاسم السلطة والموارد على أسس طائفية لم يعد إطاراً لإدارة "التنوّع"، بل تحوّل إلى آلية لإدامة الشلل، وتعطيل القرار، وتكريس الزبائنية، ومنع نشوء دولة مدنية قادرة على احتكار القرار الأمني أو صياغة سياسة اقتصادية وطنية متماسكة. وهو بذلك لا يفسّر فقط فشل الإصلاح، بل يفسّر أيضاً لماذا يُنظر إلى لبنان في الإستراتيجيات الدولية كدولة هشّة غير قادرة على الشراكة طويلة الأمد.
انطلاقاً من ذلك، و مع استبعاد كسر الحلقة الطائفية التي تعيد إنتاج الفشل وإقامة نظام سياسي مدني فعال، على الأقل في المدى القريب، يمكن استشراف مسارين محتملين:
أ. استمرار التهميش
إذا استمر الانهيار من دون أي إصلاح بنيوي، سيبقى لبنان على هامش الاهتمام الدولي، تُدار أزمته بالحد الأدنى، دون استثمار سياسي أو اقتصادي جدي. كما أن الصراعات بالوكالة ستتعمق، الى حين فرض مظلة دولية ضابطة بشكل شبه كلي، والتفكك الداخلي البطيء سيتعاظم.
ب. فرصة مشروطة بإعادة التموضع
وهو السيناريو الأصعب لكنه الوحيد القابل للحياة في ضوء العوامل الحالية و المتغيرات الأخيرة: إعادة تقديم لبنان كدولة ذات قيمة اقتصادية، قادرة على جذب الاستثمار، والاستفادة من موقعها الجغرافي ورأسمالها البشري والاغترابي.
الخلاصة: العالم تغيّر… ولبنان لم يلحق بعد
لم تتسبب إستراتيجية الأمن القومي الأميركية بأزمة لبنان، لكنها تكشف البيئة الدولية التي تُدار فيها هذه الأزمة اليوم: عالم لا ينتظر المتعثرين، ولا يكافئ العجز، ولا يتدخل لإنقاذ من لا ينقذ نفسه.
الرسالة الأوضح التي يجب أن يلتقطها اللبنانيون، صُنّاع قرار ومواطنين، هي أن: الرهان على الخارج لم يكن و لن يكون في أي وقت من الأوقات استراتيجية.
في النظام العالمي الذي يتشكّل، لن يُسأل لبنان فقط عمّا يعانيه، بل عمّا يستطيع تقديمه. والفرق بين أن يكون بلداً على الهامش أو لاعباً، ولو محدوداً، يبدأ من الداخل، لا من الخارج.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|