هل يمتلك لبنان جرأة الإلتحاق الحقيقي بالإقليم؟
بدا للعديد من أصحاب القرار في لبنان أن اتّفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر /تشرين الثاتي 2024 لن يكون سوى نسخة جديدة من القرار 1701 الذي تم تجاوزه واستبداله بمعادلة حدودية تنهل منها كل من إسرائيل وإيران عبر حزب الله مبررات استمرارهما في القبض على مصير الإقليم. الإصرار المتكرّر للحزب على التمسك بسلاحه بالرغم من فداحة خسائرة والدفع الإيراني المستمر بهذا الإتجاه لم يكونا سوى انعكاساً لقناعة راسخة أن التعايش الدولي مع جدلية رتيبة تُبقي على سلاح حزب الله قد أضحى قدراً لا بد منه.
بدت القناعة المشار اليها واقعية بعد الإتّفاق بالرغم من سقوط النظام السوري وفرار رئيسه بشار الأسد في 8/ديسمبر، وبصورة خاصة في لبنان وطهران أن سوريا مقبلة لا محال على التحول من دولة تقودها ميليشيات طهران وعصابات المخدرات وتهريب الأموال، إلى دولة فاشلة خارجة عن السيطرة تتقاتل فيها الإثنيات والطوائف على أنواعها إلى ما لا نهاية، مما سيوفر الظروف لعودة الحزب إلى المشهد ودائماً من بوابة الحدود التي ستستعيد دورها. وقد يكون في ذلك ما تمّ الإستناد إليه لإتخاذ المواقف المحلية التي حاولت الإلتفاف على الإتفاق وتمرير الوقت. لكن تطور الموقف في سوريا بسرعة غير متوقعة وتمكن الإدارة السورية الجديدة من تجاوز السقوط في اقتتال داخلي في الجنوب والشمال والساحل هو ما استلزم إعادة الحسابات. وقد يكون في استعادة الحكومة السورية المبادرة بسرعة لافتة بعد إشتباكات دامية مع قوات سوريا الديمقراطية، والتوصل إلى اتفاق أساسه الإعتراف بالمواطنية الكاملة للأكراد ما يكفي لإقناع طهران بأنها فقدت أحد آخر رهاناتها في الإقليم.
قرأت طهران التحولات بصورة خاطئة وذهبت حتى النهاية في المواجهة. تساقطت مواقعها في غزة وسوريا وترنحت في اليمن فيما يحظر على حلفائها في العراق تشكيل سلطة متعاونة معها. بعد سقوط حليفها «نيكولاس مادورو» وتداعي مصالحها في فنزويللا وسائر دول أميركا اللاتينية انتقلت الأساطيل الأميركية إلى شواطئها وتراوحت الخيارات المتاحة أمامها بين الرضوخ لدبلوماسية التهديد أو المواجهة العسكرية في ظل وضع إقتصادي متردٍ إلى أبعد الحدود ومعارضة شعبية عارمة. بموازاة كل ذلك يبحث لبنان عن سبيل لوقف الهجمات الإسرائيلية، ويزور قائد الجيش العماد رودولف هيكل واشنطن في الثالث من شهر شباط المقبل، ويُعقد مؤتمر دعم الجيش في باريس في 15 آذار بمشاركة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر، فما هي فرص النجاح المتاحة بعد إنقطاع التواصل شبه الكلي بين بيروت وواشنطن وبعد تعليق إجتماعات الميكانيزم؟.
قد يكون أهم ما يحمله قائد الجيش إلى واشنطن هو إعلان الحكومة أن قطاع جنوب الليطاني أصبح تحت سيطرتها بقواها العسكرية الشرعية، هذا يعني أن هناك اعترافاً حكومياً أمام المجتمع الدولي وأمام اللبنانيين بعدم شرعية أي سلاح في القطاع المذكور والتزاماً بإزالته. لكن المأزق يكمن في عدم توصل الحكومة إلى إقرار خطة لحصرية السلاح في شمال الليطاني يحملها هيكل إلى واشنطن، مما سيضعف الموقف اللبناني. لن تقتصر إجتماعات واشنطن على المجال العسكري البحت بل سيشارك فيها مجلس الأمن القومي وربما لجان ذات صلة من الكونغرس.كما أن ما سيبحث في واشنطن لن يقتصر على الإطلاع على ما أنجز في جنوب الليطاني، بل سيتطرق الى مناقشة الإجراءات التي ستتخذ في شمال الليطاني والمهل الزمنية المتاحة والتداعيات الأمنية والسياسية لكل ذلك، والموقف من حزب الله في حال تدخله في الحرب المرتقبة مع طهران، وهو ما يتجاوز حدود المستوى العسكري ويتطلب قرارات سياسية تتخذ من قبل الحكومة.
تكمن حساسية اجتماعات واشنطن في تأثيرها المباشر على صياغة الموقف الأميركي، بما يحمله ذلك من إنعكاسات حتمية على مواقف الأطراف المشاركة في الإجتماع التحضيري الذي يسبق مؤتمر باريس، والمقرر عقده في الدوحة في 15 شباط/فبراير، وكذلك على مسار مؤتمر دعم الجيش المزمع انعقاده في باريس في 15 آذار/مارس.
تقتضي حراجة الموقف امتلاك الشجاعة اللازمة للقفز فوق الجغرافيا اللبنانية بمعناها الكياني والسياسي الضيق والإلتحاق الحقيقي بالإقليم كجزء من أمنه وإقتصاده ومستقبله. إن بديهيات تقدير المخاطر تفترض عدم المضي في تصنيف لبنان أو جزءاً منه في الموقع المقابل لميزان القوى الذي يتم تشكيله في المنطقة. إن ما يشهده لبنان من هجمات يومية لم يعد نتاجاً لما انتهت اليه المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل، بل امتداداً لما آلت اليه الأمور في سوريا وفنزويللا ولما ستؤول اليه الحروب المرتقبة في المنطقة على طهران وحلفائها. فهل يمتلك لبنان جرأة الالتحاق الحقيقي بالإقليم؟
العميد الركن خالد حماده - اللواء
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|