تمديد هدنة الشرق السوري, "قسد" - دمشق: تحشيد لمعركة "وجوديــة"
في وقت كانت فيه وزارة الخارجية في الحكومة الانتقالية تنفي تمديد وقف إطلاق النار بين السلطات وبين «قوات سوريا الديمقراطية»، وبالتوازي مع حملة التصعيد الإعلامية التي أطلقتها «هيئة عمليات الجيش السوري»، أعلنت وزارة الدفاع تمديد الهدنة مع «قسد» لمدة 15 يوماً إضافياً. وجاء ذلك وسط تصاعد القلق حيال سجناء تنظيم «داعش»، وتبادل الاتهامات بين الطرفين في شأن حماية المدنيين وإدارة السجون، بعدما تبيّن وجود عدد من القُصّر في «سجن الأقطان» في الرقة، الذي كان خاضعاً لسيطرة «قسد»، ويوصف بأنه «أخطر سجون داعش».
وأتى الإعلان، الذي بدا مفاجئاً بالنسبة إلى بعض الجهات داخل السلطات الانتقالية، بالتزامن مع استمرار عمليات التحشيد المتبادل بين الطرفَين على تخوم الحسكة وعين العرب (كوباني)؛ كما أتى بعد نحو يوم على اللقاء الذي جمع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس برّاك، بقائد «قسد» مظلوم عبدي في إقليم كردستان العراق، حيث أكّد برّاك تمسّكه بتصريحاته السابقة الداعمة لعملية دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات السلطات الانتقالية.
وفي وقت تواصل فيه القوات الأميركية نقل نحو 7 آلاف من سجناء تنظيم «داعش» من سوريا إلى السجون العراقية، تتضاعف الشكوك حول هذه الخطوة التي تكشف عن حال قلق أميركية في شأن سيطرة السلطات الانتقالية على تلك السجون. وسبق أن تمّ، بوساطة أميركية أيضاً، نقل قوات «قسد» التي كانت تسيطر على «سجن الأقطان» إلى عين العرب، وذلك بعد حصار استمر خمسة أيام، أدى إلى قطع الإمدادات وتعرّض حراس السجن لضغوط أمنية ومعيشية وصحية. وإذ تسلّمت السلطات الانتقالية إدارة السجن، فهي أعلنت لاحقاً الإفراج عن 126 شخصاً قالت إنهم قُصّر (دون سن 18 عاماً). وجرت عملية الإفراج أمام حشد إعلامي واسع قام بالتقاط عشرات الصور لأطفال خرجوا إلى الحرية، في وقت أصدرت فيه «قسد» بياناً أكّدت فيه أن «قسماً مخصّصاً» في «الأقطان» كان «يضم عدداً من الأحداث، بعضهم كان قد تورط في جرائم متنوعة، رُفعت بشأنها شكاوى رسمية من المواطنين، فيما وقع آخرون ضحايا للتجنيد والاستغلال من قبل تنظيم داعش». وأضافت أنها نقلتهم قبل ثلاثة أشهر من سجن الأحداث إلى سجن الأقطان «بسبب الظروف الأمنية»، مشيرة إلى أنهم خضعوا في أثناء مدة احتجازهم «لمعاملة خاصة تتوافق مع المعايير الدولية، وتمّ توفير البرامح التأهيلية المتكاملة التي تهدف إلى إصلاح السلوك، وتأهيلهم نفسياً واجتماعياً، وضمان اندماجهم بشكل سليم في المجتمع بعد انتهاء مدد احتجازهم».
ورغم سريان وقف إطلاق النار، تؤكّد مصادر ميدانية، في حديثها إلى «الأخبار»، وقوع خرق لوقف إطلاق النار في محيط عين العرب (كوباني) على الحدود التركية، من دون تسجيل أي تغيير في خريطة السيطرة التي أفرزها التقدم الأخير لفصائل السلطات الانتقالية، وانسحاب القوات الكردية التي باتت تتركّز حالياً في الحسكة وعين العرب فقط، باعتبارهما منطقتَي وجود تاريخي للأكراد.
وفي خضم التصعيد السياسي المتبادل، اعتبرت «الإدارة الذاتية» الكردية أن إرجاع الحكومة الانتقالية، في بيانها، تمديد وقف إطلاق النار إلى استمرار نقل عناصر تنظيم «داعش»، يؤكد أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً وأن التهديد لا يزال قائماً. ودعت، في بيان، مواطني شمال شرقي سوريا إلى «الحذر واليقظة والبقاء في حالة تأهب دائم، وتعزيز التدابير الأمنية». كما ناشد البيان الأكراد في المنطقة والمهجر مواصلة المظاهرات والاحتجاجات «لأن مدينة عين العرب» لا تزال محاصرة، مشددةً على «وحدة الموقف الشعبي وتعزيز روح المقاومة لمواجهة التحديات»، وفق البيان.
بدروها، أصدرت «هيئة العمليات» في الجيش الجديد، بياناً اتهمت فيه «قسد» بأنها «خرقت اتفاق وقف إطلاق النار باستهداف مواقع انتشار الجيش في محيط منطقة عين العرب بأكثر من 25 مسيرة انتحارية». وأضافت أن «قسد استهدفت أيضاً طريق M4 والقرى المحيطة به عدة مرات ما أدى إلى إصابة عدد من المدنيين (...) وأقدمت على حصار بعض العائلات في محيط قرية الشيوخ بهدف اعتقال أبنائهم الأمر الذي تطور إلى اشتباكات مع بعض الأهالي». وختم البيان بالتأكيد أن «الجيش يدرس خياراته الميدانية حالياً رداً على استهداف الأهالي ومواقع انتشاره وسنقوم بما يلزم».
وفي غضون ذلك، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات التسجيلات المصورة التي ترصد عدداً من الانتهاكات من جانب الطرفين، سواء عمليات قتل أو اعتداء على أسرى، أو إعدامات جماعية انتشرت من بينها واحدة قام بتنفيذها مسلح من «قسد»، فيما أعلنت الأخيرة أنها عمدت على الفور إلى فتح تحقيق في الحادثة، وإحالة منفّذها إلى السلطات القضائية المتخصّصة.
وفي تعليقها على التطورات الأخيرة في سوريا، طالبت منظمة «هيومان رايتس ووتش» طرفي النزاع بـ«حماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان وضمان وصول المساعدات الإنسانية وعدم استخدام البنية التحتية لأغراض عسكرية». كما أصدرت 60 منظمة مدنية بياناً حذرت فيه من «تدهور إنساني غير مسبوق يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين»، مشيرة إلى «موجة نزوح واسعة شملت أكثر من 134 ألف شخص في أثناء مدة زمنية وجيزة، حيث تتدفق العائلات نحو مدن القامشلي والحسكة وكوباني (عين العرب) في ظلّ ظروف جوية قاسية ونقص حادّ في المأوى والغذاء». وطالبت بإجراء «تحقيق مستقلّ ومحايد في انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ارتكبتها أطراف النزاع مؤخراً، وملاحقة المتورطين في أعمال العقاب الجماعي التي طاولت المدنيين في حلب ومناطق شمال سوريا».
وفي محاولة لاحتواء الضغوط الدولية المتزايدة، جراء استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية سواء في الحسكة التي باتت مكتظة جراء استمرار النزوح، أو في عين العرب (كوباني)، أعلنت السلطات الانتقالية فتح ممرَّين إنسانيين نحو المنطقتين. ونقلت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) عن «هيئة العمليات» في الجيش الجديد أن الممر الأول سيكون على طريق الرقة - الحسكة قرب قرية تل بارود، بالتنسيق مع محافظة الحسكة. أما الممرّ الثاني، فسيكون عبر مفرق عين العرب على طريق «M4» قرب قرية نور علي، بالتنسيق مع محافظة حلب، على أن يُخصّص هذان الممرّان لإدخال المساعدات الإنسانية ونقل الحالات الطارئة.
في النتيجة، تمنح «الهدنة» الجديدة، التي فرضتها واشنطن لتسهيل نقل سجناء «داعش» إلى العراق، طرفي الصراع (السلطات الانتقالية و«قسد») فرصة لإعادة تنظيم صفوفهما. كما تفتح نافذة لإمكانية التوصل إلى حلول سياسية، في ظل التعنّت الواضح من الطرفين؛ إذ تسعى السلطات الانتقالية إلى فرض سيطرتها على كامل مناطق «قسد» بعد حلّ الأخيرة، مع منح الأكراد بعض المناصب الإدارية والقيادية، فيما تصرّ «قسد» على الإبقاء على «الإدارة الذاتية» رغم تقلص نفوذها، والحفاظ على القوات الكردية ككتلة عسكرية واحدة. ويُنذر هذا الواقع، في حال فشل المسار السياسي واستمرار التحشيد العسكري، باندلاع معارك عنيفة تبدو وجودية بالنسبة إلى الأكراد، وذلك على عكس المعارك الهامشية التي شهدتها الأيام الماضية، والتي ترافقت مع انسحابات متكرّرة لهم، تحت ضغط أميركي متواصل.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|