إقتصاد

الترسيم البحري اللبناني والثروات النفطية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب العميد الدكتور غازي محمود:

أعاد منح لبنان تحالف شركات توتال إنرجيز وقطر للطاقة وإيني الإيطالية ترخيصًا للاكتشاف والإنتاج في الرقعة رقم 8، ملف التنقيب عن النفط والغاز إلى واجهة الاهتمامات مجددًا، خاصة وأنه يأتي بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص. وعلى أهمية الاتفاقين ودورهما في تمكين لبنان من دخول مسار التنقيب عن الغاز والنفط وصولاً إلى الاستخراج والاستثمار، إلا أن ما سبق الاتفاقين وما رافقهما من استعجال لتوقيعهما، يسترعي الانتباه ويدعو إلى التساؤل عما إذا تم فعلاً "الإفراج" عن الغاز والنفط اللبنانيين.

ذلك أنه، ومما لا شك فيه، أن ترسيم الحدود البحرية للمنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان والدول المجاورة، وخاصة قبرص وسوريا، أمر لا بد منه ليتمكن لبنان من إطلاق دورات التراخيص للشركات الراغبة في التنقيب والاستثمار فيها. فلقد آن الأوان للبنان أن يضع التنقيب عن ثروته من الغاز والنفط في طليعة أولوياته، بعد الاكتشافات التي توالت في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، من قبل الدول المجاورة ولا سيما قبرص وإسرائيل، والتي كشفت عن احتياطات ضخمة من الغاز بالإضافة إلى النفط. 

وليس من المستغرب ألا يُسفر حفر البئرين اليتيمين في كل من الرقعتين 4 و9 عن آبار منتجة، خاصة إذا علمنا أن معدل العثور على آبار منتجة هو 5/1، أي من بين كل خمسة آبار استكشافية يتم حفرها، قد تقتصر الآبار المنتجة على بئر واحد. وبالتالي، إن حفر بئر واحدة في كل رُقعة من رقع المياه الاقتصادية الخالصة، لا يُمكن أن يُشكِل مؤشراً يُعتد به على توافر موارد الغاز والنفط في الرقع المستكشفة من عدمه. 

مع العلم أن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) أصدرت تقريرًا محدثًا في عام 2021، حول الموارد الهيدروكربونية غير المكتشفة في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسطـ، والقابلة للاستخراج تقنيًا، قدرت فيه متوسط الموارد من الغاز الطبيعي بحوالي 286.2 تريليون قدم مكعب، وبنحو 879 مليون برميل من النفط التقليدي، بالإضافة إلى حوالي 2.2 مليار برميل من سوائل الغاز الطبيعي (NGL). 

ومن اللافت أنه كان ثمة إصرار على الإسراع في توقيع اتفاقية الترسيم مع قبرص دون تعديل، وأن اللجنة التي تم تشكيلها برئاسة وزير الأشغال لدراسة الاتفاقية، ضمت ستة أعضاء، ثلاثة منهم من غير ذوي الاختصاص. أما باقي الأعضاء فهم رئيس هيئة قطاع البترول، والعميد الركن البحري مازن بصبوص، بالإضافة إلى الخبير في الترسيم المحامي نجيب مسيحي، الذي يتبنى مقولة وجوب السير باتفاقية عام 2007 من دون تعديل لا لخط الوسط ولا في الإحداثيات، باستثناء النقاط المتعلقة بنقاط الانطلاق، وتجنب أي تحكيم. 

الأمر الذي لا يمكن إدراجه إلا في خانة الرضوخ للضغوط القبرصية وربما غير القبرصية، من دون الالتفات إلى وجوب تطبيق مبادئ الإنصاف والتناسب وظروف السواحل الخاصة، والتي كانت ستعيد للبنان مساحة تتراوح بين 2600 و5000 كيلومتر مربع إلى منطقته الاقتصادية الخالصة، بشهادة خبراء في هذا المجال. وهو ما لا يمكن تبريره في أن التحكيم سيؤجل استثمار لبنان لأربع بلوكات (1–3–5–8) المحاذية للحدود القبرصية، بل هو تفريط واضح بحقوق لبنان، لا سيما حقوقه الاقتصادية.

ولا تقتصر تبعات اتفاقية الترسيم مع قبرص على الجانب الاقتصادي، بل تتعداها إلى علاقات لبنان مع دول الجوار، خاصةً علاقته مع تركيا التي سبق أن تدخلت عسكريًا لوقف أنشطة التنقيب في مناطق تعتبرها ضمن مياهها الإقليمية، وترفض الاتفاقيات البحرية التي أبرمتها قبرص مع دول أخرى باعتبارها غير قانونية. والحال ينطبق على علاقة لبنان بسوريا، سيما وأن الاتفاق مع قبرص حدد نقطة ثلاثية مع سوريا من دون الرجوع إليها أو التفاوض معها، في حين أن الأولوية للبنان في هذه الحالة هي تثبيت حدوده مع سوريا، كونهما يتقاسمان الجرف القاري نفسه.

ويأتي توقيع اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في الرقعة رقم 8، ليؤكد رضوخ الدولة لشروط تحالف الشركات التي حظيت بالترخيص، وإتاحتها الفرصة لها للاستفادة من قانون تعليق المهل رقم 328/2024، مما أبقى عرض التحالف لهذه الرقعة والمجحف من الناحيتين المالية والتقنية بحق لبنان، صالحًا. خاصةً وأن الاتفاقية تمنح التحالف مهلة ثلاث سنوات لإنجاز مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد للرقعة، وسنتين للاستكشاف يحفر خلالها بئر واحدة فيها، في تكرار لمغالطات اتفاقيات الاستكشاف السابقة. الأمر الذي سيترك لبنان أسيرًا للتحالف لخمس سنوات قادمة، ويُبعد الآمال في أي إنتاج محتمل في حال تم اكتشاف كميات تجارية إلى سبع أو حتى عشر سنين قادمة. 

وتجدر الإشارة إلى أن الرقعة رقم 8 كانت منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، موضع ترخيص لشركة TGS للقيام بمسوحات جيوفيزيائية، وعلى مساحة تمتد لقُرابة الـ 1300 كيلومتر مربع، خلال فترة 6 أشهر إلى سنة كحدٍ أقصى. إلا أنه وفي إجراء مفاجئ وغير مبرر، طلبت وزارة الطاقة والمياه من الشركة وقف جميع أنشطتها ومغادرة المياه اللبنانية، وتأجيل المسح إلى تاريخ يُحدّد لاحقاً. 

ليعود لبنان ويمنح تحالف شركات توتال إنرجيز وقطر للطاقة وإيني الإيطالية، وبصورة مفاجئة أيضاً، ترخيص الاستكشاف والإنتاج في الرقعة نفسها، مع تمديد مهلة المسح الزلزالي ثلاث سنوات. وهكذا يكون لبنان قد رهن نفسه لتحالف توتال إنرجيز الذي تعود عدم التقيد بشروط اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج. في وقت جاءت الشروط المالية ونسب تقاسم الإنتاج بين الدولة وتحالف الشركات في الاتفاقية الجديدة أقل مما كانت عليه في اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في الرقعتين 4 و9، ما يعكس ضعف الوضع التفاوضي للدولة. 

فعلى الرغم من أن استثمار الثروة الهيدروكربونية يُعد فرصة تاريخية للبنان للخروج من أزمته المالية والاقتصادية، غير أنه من غير الوارد مقاربته بمعزل عن احترام وحماية البُعد السيادي الذي يجب أن يحكم إدارة الموارد الطبيعية. الأمر الذي يتطلب بلورة رؤية وطنية إستراتيجية تقوم على الشفافية، وتعزيز الكفاءة التفاوضية والمؤسساتية للدولة، والتحرر من منطق الاستعجال والرضوخ للضغوط الخارجية. 

فمن غير ذلك، تبقى المخاطر قائمة في أن تتحوّل هذه الثروة من رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني إلى مصدرٍ إضافي للهدر واستنزاف مقدّرات الوطن. وإنّ أي تهاون في حمايتها والحفاظ عليها أو سوء إدارتها لا يفضي فقط إلى التفريط بموارد يُفترض أن تشكّل أساسًا للنهوض الاقتصادي، بل يمثّل إفتئاتًا على حقوق اللبنانيين، ولا سيما الاجيال القادمة، واستخفافًا بمبدأ العدالة بين الأجيال.

 

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا