نموذج "الجيش الجمهوري الإيرلندي".. مسار دولي جديد لتفكيك سلاح الحزب
كشفت مصادر سياسية وأمنية لبنانية مطلعة لـ"إرم نيوز" أن نقاشا دوليا عاد ليتقدم في الكواليس حول إعادة طرح "المقترح البريطاني" الخاص بسلاح حزب الله، والقائم على نقل نموذج تفكيك ترسانة "الجيش الجمهوري الإيرلندي" وتطبيقها على حزب الله، ضمن مسار سياسي تدرّجي يمتد لأربع سنوات، وسط قناعة خارجية بأن الحل في لبنان لم يعد ممكنا عبر الضغوط المباشرة أو الصدام المفتوح، بل عبر "احتواء السلاح" بخطة قابلة للتنفيذ وبحد أدنى من الاستفزاز.
وبحسب المصادر، فإن هذا النقاش يتزامن مع تعثر عملي لمسار "الميكانيزم" وتعليق اجتماعاته، وسط قناعة لبنانية وإسرائيلية مشتركة بأن اللجنة لم تعد تؤدي الدور الذي أنشئت لأجله، إذ يعتبر لبنان أنها لم تمنع الضربات، فيما ترى إسرائيل أنها لم تنتج أثرا ملموسا في ملف سلاح الحزب شمال الليطاني.
في المقابل - تفيد المصادر الأمنية - أنه يجري العمل على صيغة مؤقتة "تضمن الحد الأدنى من الاستقرار" عبر تقسيم منطقة شمال الليطاني إلى مسارين؛ منطقة أولى ملاصقة للنهر تُعتبر مكشوفة ومعلومة لإسرائيل وتشكل "خط النار المفتوح"، يبدأ الجيش اللبناني العمل فيها تدريجيا، فيما تُترك المنطقة الأوسع ما بين الليطاني والأولي إلى مرحلة لاحقة، ضمن تفاهمات غير معلنة هدفها منع أي انفجار ميداني قبل نضوج تسوية سياسية.
الميكانيزم مجمّد.. وخطة للجيش
وفق مصادر لبنانية مطلعة، فإن اجتماعات "الميكانيزم" باتت بحكم المجمدة، أو أقله مؤجلة إلى ما بعد زيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة، وما سيتبعها من عرض رسمي لخطة الجيش حول "آلية الانتشار والتعامل مع شمال الليطاني" أمام الحكومة خلال الشهر المقبل.
المصادر تقول إن هذه الخطة ستكون معيارا عمليا لتحديد مستقبل لجنة الميكانيزم؛ إما تعديل آليتها، أو تطويرها، أو الانتقال إلى مستوى جديد من التفاوض يتجاوز شكل اللجنة الحالي.
وتشير المعلومات إلى أن هناك توجها لإعادة إحياء "الميكانيزم" لكن على مستوى عسكري حصرا، بما يتيح تنسيقا محدودا حول النقاط الساخنة، بعيدا عن الاشتباك السياسي الذي عطّل اجتماعاتها في المرحلة الماضية.
وفي هذا السياق، تلفت مصادر أمنية لبنانية إلى أن "العقدة الفعلية ليست انتشار الجيش"، بل إمكانية موافقة حزب الله على تسليم مواقع أو تقديم خرائط أو السماح بسحب معدات من مناطق محددة. وحتى الآن، الإجابة غير مشجعة، ما يدفع نحو حلول هندسية مؤقتة بدل حلول جذرية كاملة.
المقترح البريطاني.. احتواء لا نزع
بحسب تسريبات متقاطعة، فإن المقترح البريطاني الذي عاد إلى التداول لا يقوم على سيناريو "نزع سلاح بالقوة" أو فرض مهلة قصيرة، بل على نموذج تفاوضي شبيه بتجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي.
جوهر الفكرة يقوم على تحويل السلاح من "قضية سيادية انفجارية" إلى "ملف سياسي قابل للإدارة"، عبر مسار طويل متعدد المراحل، يتضمن تثبيت تهدئة، ثم خطوات تدريجية للحد من انتشار الترسانة وتجميد استخدامها، وصولا إلى صيغة نهائية تُنهي الدور العسكري المستقل للحزب.
مصادر سياسية لبنانية تشرح أن المقاربة البريطانية ترتكز على قاعدة بسيطة، مفادها أن الأطراف التي تملك قوة عسكرية عميقة الجذور لا تتخلى عنها دفعة واحدة تحت الضغط، بل وفق ضمانات سياسية وأمنية، ومسار طويل يسمح لها بحفظ ماء الوجه وإعادة التموضع.
وفي بيروت، يجري تسويق هذا المسار على أنه "الحل الوحيد القابل للتطبيق" إذا كان الهدف الحقيقي هو منع حرب جديدة، لا إطلاق شعارات لا يمكن تنفيذها.
ماذا يقول حزب الله في الغرف المغلقة؟
تؤكد مصادر قريبة من أوساط الحزب لـ"إرم نيوز" أن حزب الله لا يتعامل مع المقترح البريطاني كـ"خيار واقعي قابل للنقاش" بالمعنى الكامل، بل كفكرة تُستخدم دوليا لتخفيف سقف التوتر ومنح الدولة اللبنانية مساحة تفاوضية أمام الغرب وإسرائيل.
لكن في العمق، تبدو قراءة الحزب مختلفة؛ فأي نموذج شبيه بتجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي ( IRA ) يعني عمليا نهاية الدور العسكري للحزب، وتحويله إلى طرف سياسي داخلي كامل، وهو ما تعتبره القيادة، وفقا لمصادر سياسية، "تحولا خطيرا"، لأن البيئة الإقليمية لم تعد تمنح ضمانات ثابتة، ولأن إسرائيل - وفق مقاربة الحزب - لا تنتظر تسوية بل تبحث عن فرصة لتصفية ما تبقى من قدراته.
وبحسب المعلومات، فإن الحزب يعتبر أن تسليم مواقع أو مخازن أو خرائط شمال الليطاني سيُقرأ كـ"تنازل أحادي"، خاصةً إذا لم يترافق مع وقف كامل للضربات. لذلك يتمسك بمنطق "خطوتان بخطوتين"، فلا تسليم ولا انسحاب كامل بلا ضمانة أمنية واضحة، ولا تقدم حقيقيا بلا مسار سياسي شامل لا يضعه خارج اللعبة.
مصادر أخرى تشير إلى أن الحزب قد يقبل بـ"تخفيف الظهور الميداني" في بعض النقاط المكشوفة، أو "إعادة توزيع" شكل الحضور، لكن دون الانتقال إلى مرحلة تسليم سلاح أو فصل القرار العسكري عن بنيته التنظيمية.
من يدعم الطرح.. ومن يرفضه؟
على المستوى اللبناني الداخلي، تقول مصادر متابعة إن هناك تيارين يتصارعان تحت السقف نفسه. التيار الأول يدعم "المقترح البريطاني" بوصفه "الحد الأقصى الممكن" حاليا، ويعتبر أن لبنان لا يحتمل صداما داخليا ولا يملك القدرة على فرض نزع السلاح بالقوة، وأن الطريق الواقعي هو احتواء السلاح تدريجيا ضمن تفاهم سياسي وأمني يفتح الباب لاستعادة الدولة دورها خطوة خطوة.
هذا التيار يضم شخصيات سياسية ودوائر دبلوماسية تعمل على تسويق فكرة أن "الحل ليس كسر حزب الله بل تحويله"، وأن المسار الطويل قد يمنع حربا مدمرة ويعطي الدولة مساحة للتنفس اقتصاديا وأمنيا.
أما التيار الثاني، فيرفض المقاربة من أساسها، ويرى أنها تمنح الحزب وقتا لإعادة التموضع وإعادة بناء قدراته، وتحويل السنوات المقبلة إلى مرحلة "تبريد" بلا نتائج، بينما تبقى إسرائيل قادرة على الضرب متى شاءت، ويبقى لبنان عالقا بين ضغط خارجي وعجز داخلي.
وفي الخارج، يبدو أن هناك تفهما دوليا للموقف اللبناني التقليدي القائم على تجنب الانفجار، مع تشديد واضح على أن ملف السلاح يجب أن ينتهي في نهاية المطاف، لكن ضمن مسار واقعي لا يجرّ البلاد إلى حرب أهلية مقنّعة.
هل تنجح "وصفة IRA" في لبنان؟
تقول مصادر لبنانية إن السؤال لم يعد إن كان هل نزع السلاح ممكن؛ بل بأي كلفة وبأي توقيت وبأي ضمانات؟
الفارق الأساسي بين تجربة إيرلندا ولبنان، وفق تقدير هذه المصادر، أن حزب الله ليس تنظيما محليا فقط، بل جزء من معادلة إقليمية، ويمتلك شبكة أمنية وعسكرية ونفوذا سياسيا واجتماعيا يجعل تفكيكه أصعب بكثير من مجرد اتفاق سياسي.
ومع ذلك - ترى المصادر - أن عودة النموذج البريطاني إلى الطاولة تكشف حقيقة واحدة، هي أن المجتمع الدولي لم يعد يبحث عن "حل مثالي"، بل عن "حل قابل للحياة"، يخفف احتمالات الحرب ويمنع التصعيد الإسرائيلي، ويمنح لبنان فرصة لترميم الدولة قبل أن يتحول الملف إلى انفجار أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليه.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|