أول وزير خارجية لبناني
منذ اتفاق الطائف، مرّ على الحكومات اللبنانية المتعاقبة عشرة وزراء خارجية أصيلين، بدءًا بفارس بويز وانتهاء بعبدالله بو حبيب. مرّت شخصيات محترمة بخلفيتها الأكاديمية، كالوزير ناصيف حتي، وأخرى سيّئة الذكر، كالوزير جبران باسيل. لكن ما يجمع بين كل هؤلاء الوزراء هو تعبيرهم الواضح والصريح عن ارتهان السياسة الخارجية اللبنانية لإرادات خارجية، تحديدًا السورية والإيرانية، ووضعها بشكل شبه كامل - مع بعض الاستثناءات الظرفية - في خدمة مشاريع أيديولوجية لا علاقة لها لا بالمصلحة اللبنانية ولا بالتوجهات العامة لأغلبية الشعب اللبناني. إذًا لم تكن هاتان الدولتان معنيتين بالسياسات اللبنانية المحليّة بالمعنى الضيّق للكلمة، بقدر ما كانتا معنيتين بعنوانين أساسيين: السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية. أما الباقي، أي إرضاء الحلفاء وفق معادلة المافيا والميليشيا، فوضع في خدمة الإمساك بما سمّي "الورقة اللبنانية" على المستوى الإقليمي. امتد ذلك من المعادلة التي أرستها سوريا مع رفيق الحريري - لك الاقتصاد ولنا الخارجية والدفاع - وصولًا إلى عزل لبنان بالكامل عن محيطه العربي والدولي عبر انضوائه في "محور الممانعة" في العقد الأخير. أما اليوم، فلدينا للمرّة الأولى وزير خارجية يعبّر عن إرادة لبنانية صرفة، بعمق استراتيجي وشجاعة استثنائية، ما يشكّل انقلابًا حقيقيًا على ثلاثة عقود من التبعية التي قضت على أي إمكانية لنهوض لبنان، وساهمت مساهمة أساسية بالانهيار الذي وصلنا إليه في العام 2019.
ما ورد أعلاه يفسّر تلقائيًا الحملة الشعواء والمسعورة التي تشن من قبل أبواق الممانعة على الوزير يوسف رجي. فكيف "لاستابليشمنت" اعتاد على الإمساك بمفاصل السياسة الخارجية للبنان، وربطها بمشاريع البعث (مسارًا ومصيرًا) وولاية الفقيه (وحدة الساحات) أن يتقبّل مسارًا لبنانيًا صرفًا يقوده دبلوماسي لبناني لبق وعتيق؟ هذا الوزير الذي استطاع بفترة وجيزة إعادة بوصلة السياسة الخارجية للبنان إلى مكانها الطبيعي، وذلك وفق عناوين أساسية ومحدّدة: عدم ارتباط مصير لبنان بالصراعات الإقليمية، اعتبار المشروع الإيراني خطرًا وجوديًا على الكيان اللبناني، الدفع باتجاه إنهاء الصراع مع إسرائيل بما يحفظ سيادة لبنان على كامل أراضيه، التزام لبنان باتفاق الطائف والقرارات الدولية، وانفتاحه الاستراتيجي على عمقه العربي.
لكن أهم مع فعله الوزير رجّي هو وضع حد فاصل نهائي بين "الدولة" و "الميليشيا"، بحيث أنه لا يتصرّف على قاعدة "التذاكي" اللبنانية التي تخلط الاثنين معًا تحت عنوان فضفاض ووهمي اسمه "الوحدة الوطنية". يتهمونه بأنه يتحدّث باسم حزب معيّن بدل التصريح باسم "كل اللبنانيين"، لكن الواقع هو أنه يتحدّث باسم الدولة ولو أن بعض اللبنانيين يعادون منطقها وأساساتها. الدولة هي الدولة والميليشيا هي الميليشيا، والباقي تفاصيل. كما طوّر الوزير رجّي بطريقة حادة "المنظومة اللغوية" شبه الأورويلية التي كانت مفروضة على المسؤولين اللبنانيين، خصوصًا وزراء الخارجية منهم، والتي كانت تبحث على الدوام عن فذلكات لغوية تتيح لهم التهرّب من مواجهة الواقع والتحديات. إذ كان الوزراء يتحججون بواجبات "الدبلوماسية"، لكن الواقع كان تعبيرًا عن محاولات لإرضاء الأوصياء الخارجيين والميليشيا المحلية. الصدمة التي أحدثها الوزير رجّي، ولو أنها ربما لا تصلح لكل الأزمنة، كانت ضرورة حتمية في مرحلة الانقلاب على عقود من الاستزلام المغلّف بفلسفات معجمية، على سبيل المثال لا الحصر "الخصوصية اللبنانية" و"التوازنات الدقيقة". تعابير صوّرت على أنها تعبّر عن "حكمة" ما، لكنها لم تمنع حربًا ولا أخرجت احتلالًا.
هذا لا يعني أن الوزير رجيّ قام بهذا الانقلاب وحده. فهو مدعوم من حزب أساسي، كما من رئيس وزراء استثنائي ورئيس جمهورية سيادي. وهو أتى إلى وزارته بعد هزيمة "حزب الله" في "حرب الإسناد" مع إسرائيل، ومع سقوط نظام الأسد في سوريا، وتغيُّر المشهد الإقليمي بشكل جذري. أتى رجي إلى وزارته محصنًا باتفاق الطائف، واتفاق وقف إطلاق النار. لكن شخصيّة الرجل كان لها دور أساس في إرساء معادلات جديدة في مقاربة السياسة الخارجية اللبنانية، إذ إن النفس "الانقلابي"، إذا صح التعبير، والخروج من الـ default الذي أرسي على مدى عقود، لا يكون فقط نتيجة الظروف اللبنانية والإقليمية المتغيّرة، بل يحتاج إلى مقوّمات شخصية: شجاعة، إقدام، رؤية وحضور. قدرة على تجاوز محاولات "أكل الراس" التي قامت عليها استراتيجية الممانعة، عبر حملات التخوين والشتيمة والصراخ. استعداد لقول الحقيقة "قد ما كانت صعبة"، فالمرحلة الراهنة لا تحتاج لا إلى "أناقة" فؤاد بطرس ولا إلى اتزان فيليب سالم، بل هي مرحلة انقلابية من جهة وتأسيسية من جهة أخرى، وبالتالي تحتاج إلى "رجّة" (disruption) تعيد الأمور إلى نصابها "الطبيعي".
لا عنوان في لبنان أهم من سياسته الخارجية. فهذا العنوان هو الذي أدخله في صراع 1958، وحرب 1975، والاحتلال السوري - البعثي لأراضيه، والإمساك الإيراني بدولته وإشراكه عنوة عنه بحروب "وحدة الساحات". ولهذا قال ثيودور هانف في كتابه الشهير "التعايش في زمن الحرب في لبنان" إن لبنان لم يمت، بل "قتل" بفعل انهيار سياسته الخارجية. فعندما تحل أزمة السياسة الخارجية للبنان، تعطّل أي قدرة على إنتاج أزمات وجودية أو عنفية، ويعود تلقائيًا إلى "زمنه الجميل"، حيث أتاحت سياسة الحياد التام عن صراعات المنطقة (لبنان لم يشارك لا بحرب 1967 ولا بحرب 1973) إنتاج وطن مزدهر كان عنوانًا للتألق والنجاح في منطقة الشرق الأوسط. هذه أهمية ما يقوم به الوزير رجي اليوم. ولهذا طالب الأمين العام لـ "حزب الله" نعيم قاسم "الدولة" باستبداله أو إسكاته أو إلزامه بـ "التوجهات" (عجيب أن يطالب قائد ميليشيا وزيرًا بالالتزام بتوجّهات "الدولة"). لكن الوزير رجّي لن يُستبدل، ولن يسكت، بل سيظلّ كما كان ملتزمًا – بل قياديًا – في توجهات الدولة الحقيقية، مهما علا صراخكم. ألف تحية لأول وزير خارجية "لبناني".
صالح المشنوق- نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|