"الدبلوماسية الأخيرة".. أوروبا تسابق الزمن لمنع الحرب في إيران
من أجل أميركا لا من أجل "إسرائيل"
لا ندري لماذا يفترض بسكان المنطقة أن يساقوا كما تساق الأحصنة الهرمة؟ هذا منطق الأمبراطوريات المجنونة، وقد وصلت الى الذروة ـ ذروة الجنون ـ مع الأمبراطورية الأميركية، التي طالما تفاعلنا مع أسلوب الحياة فيها، ومع كل ما فعلته، وأدى الى تغيير المسار الفلسفي والمسار التاريخي للأمم، ولكن لنصل الى هذا الخيار الغرائبي. لا مكان لأي دولة في الشرق الأوسط، الا اذا التحقت بقهرمانة في الهيكل .
النرجسية بلغت بدونالد ترامب حد التعامل البهلواني مع الوقائع التي على الأرض. قال ان قراره بعدم توجيه ضربة الى ايران "جاء بناء على اقتناع شخصي"، مضيفاً بأنه لم يتعرض لأي ضغوط أو لأي محاولات اقناع من قادة آخرين، بل اتخذ ذلك الموقف بعد تطورات وصفها بالمهمة في الداخل الايراني، لكأنه الضنين بالدم الايراني وغيره، بعدما بات جلياً أن ثمة أسباباً أخرى وراء تراجعه، لا سيما تقارير أجهزة الاستخبارات، التي حذرت من "فوضى أبوكاليبتية" لا بد أن تعصف بأرجاء الشرق الأوسط، ولا تهدد فقط المصالح الأميركية، بل وحتى الوجود الأميركي فيه .
مسؤولون في دول مجلس التعاون أبلغوا الأميركيين بأن أي حرب تعني الدخول، وربما الاقامة، في جهنم لسنوات وسنوات، وبعدما كان الجنرال ديفيد بترايوس قد وصف الخروج من أفغانستان بـ "الخروج الأبدي من استراتيجية المستنقعات"، وفي آسيا بالذات ، من فيتنام الى أفغانستان ثم العراق. الكاتب التركي كمال أوزتورك لم يستبعد أن يكون الهدف التالي تركيا، في اطار السيناريو الخاص بتعرية دول المنطقة حتى من أظافرها...
من هنا، مخاوف البنتاغون من "استراتيجية الأبواب المفتوحة بين أنقرة وطهران"، اذا اندلعت الحرب وشارك فيها "الاسرائيليون". وهذا ما يحمل المؤرخ الاسرائيلي ايلان بابيه، وهو استاذ الدراسات الدولية في جامعة اكستر البريطانية، على التساؤل كيف يمكن "لليهود" الاقامة داخل تلك المقبرة التي تدعى الشرق الأوسط، ساخراً من الثقافة التلمودية لأركان الائتلاف، وحيث "يهوه" يتخلى عن كونه الاله الى سائق الميركافا .
مثلما مشروع نتنياهو انشاء "اسرائيل العظمى" بازالة دول عربية من الخريطة، مشروع ترامب انشاء "أميركا العظمى" بازالة دول أميركية من الخريطة. ولكن ماذا حين يسأل الكاتب الأميركي ألكسندر وورد ذا كان ترامب قد تأثر في صياغة استراتيجيته حيال العالم، بقصيدة ت. س. اليوت الشهيرة "الأرض اليباب"، لنعود الى "نبوءة" هنري كيسنجر من المنطقة، التي شهدت بدايات الخليقة قد تكون المنطقة التي تشهد نهايات الخليقة ...
شبكة ABC نقلت عن مصدر مطلع، أنه تم ابلاغ ترامب بأن "توجيه ضربة عسكرية ضد ايران، قد يعرض حياة الجنود الأميركيين في المنطقة للخطر، لا سيما اذا شعرت حكومة طهران بأنها على وشك الانهيار". وهنا الحديث عن أن المعلومات الاسرائيلية لم تكن دقيقة، حين توقعت أن تصل التظاهرات الى طهران، وسيطرة المتظاهرين على مؤسسات السلطة، على أن تتخلل ذلك ضربات مؤثرة على مراكز الجيش، الذي لا بد أن يشهد انشقاقات واسعة النطاق، على غرار ما حدث لدى اندلاع الثورة ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي .
ليبقى السؤال "لماذا ذلك الجنون الأميركي في التعاطي مع العالم"...؟ من فنزويلا في أقاصي الغرب الى ايران في أقاصي الشرق. هل هو فقط الشبق الى المال؟ أم هو أيضاً الشبق الى العظمة ؟ المؤرخة الأميركية آفيفا تشومسكي توجهت الى دونالد ترامب بالقول "لعلك آخر الآلهة الذين سقطوا على تلك الأرض، التي طالما كانت وتبقى عالقة بين الأرض والسماء". لكن الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، يعتقد أنه يقوم بمهمة الهية لانقاذ العالم، وهذا ما حصل ان خلال الحرب العالمية الأولى، أو خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كان يمكن أن تكون نهاية البشرية لولا التدخل العسكري الأميركي .
حتى أن المؤرخ والفيلسوف الأميركي ليو شتراوس يعتبر أن كريستوف كولومبس "كبير الأنبياء، الذين بعث بهم الله لاحداث تغيير في مسار الخليقة، ولولا وصوله الى العالم الجديد، لأصيبت الكرة الأرضية بالتعفن ثم بالموت". أما المفكر السياسي الفرنسي ايمانويل تود، الذي تنبأ بتفكك الأمبراطورية السوفياتية، والذي شكك في مصير الأمبراطورية الأميركية في كتابه "ما بعد الأمبراطورية"، فيرى أن دونالد ترامب يقتفي اثر الأباطرة الآخرين لأخذه بايديولوجيا القوة (القوة العارية)، التي طالما دفعت باتجاه تلك اللحظة، وحيث لا أمبراطور ولا أمبراطورية.
أما وأن الرئيس الأميركي قد توقف عن "اخراج النار من أذنيه"، واستشعر ما يعنيه الغرق في "استراتيجية المستنقعات"، فقد أصيبت قوى لبنانية بالصدمة بعد الرهان على "اليوم الكبير"، بحسب وصف مراسل احدى القنوات التلفزيونية، وبعد ذلك الموقف الرائع للأمير محمد بن سلمان، الذي استشعر ما يعنيه اطلاق العنان لبنيامين نتنياهو، لتحويل الشرق الأوسط الى "مستودع للهياكل العظمية"، كما كان يحلم زئيف جابوتنسكي .
نتوقف مرة أخرى عند قول ايلان بابيه "ان ما يفعله دونالد ترامب، انما يفعله من أجل أميركا لا من أجل اسرائيل"، معتبراً أن ادارة الدولة العبرية من "غرفة المجانين"، كما ادارة أميركا من "غرفة المجانين"، تعني "أن نرى عربات الموتى تدق على أبوابنا"... !!
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|