المغرب والسنغال في صدام القمة… هل يكسر النهائي عقدة شحّ الأهداف؟
رسالة ترامب إلى السيسي: قراءة في التحولات الإقليمية وانعكاساتها على لبنان والشرق الأوسط
تُعدّ الرسالة التي وجّهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتاريخ 16 كانون الثاني 2026 إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وثيقة سياسية ذات دلالات استراتيجية تتجاوز طابعها الدبلوماسي المباشر، إذ تكشف عن تحولات بنيوية في طبيعة الصراع الإقليمي وآليات إدارته في الشرق الأوسط، الذي يشهد اليوم حالة غليان استراتيجي ناتجة عن تداخل النزاعات المسلحة مع صراعات الموارد، وتكثيف التنافس الجيوسياسي في بيئة إقليمية غير مستقرة.
تنطلق الرسالة من الإشادة بالدور المصري في الوساطة بين إسرائيل وحماس، بما يعكس استمرار اعتماد الولايات المتحدة على قوى إقليمية وسيطة لضبط النزاعات، وهو ما يتوافق مع أطروحات هنري كيسنجر حول مركزية «الفاعلين الإقليميين» في إدارة النظام الدولي المتعدد الأقطاب، حيث لم تعد القوى الكبرى قادرة على فرض الاستقرار دون شبكات تحالف محلية تمتلك شرعية سياسية وجغرافية.
غير أن البعد الأعمق في الرسالة يتمثل في ملف نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي، حيث يعرض ترامب استئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا والسودان بهدف التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة لمسألة تقاسم المياه. هذا الملف يمثل نموذجًا كلاسيكيًا لما يسميه توماس هومر-ديكسون «نزاعات الندرة» Scarcity Conflicts، حيث تتحول الموارد الطبيعية الحيوية، ولاسيما المياه، إلى محرّكات مركزية للصراع السياسي والأمني في القرن الحادي والعشرين، بما يهدد بتحويل الخلافات التقنية إلى أزمات سيادية وجودية.
ويكتسب نهر النيل في هذا السياق أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده الجغرافية، ليصبح عنصرًا بنيويًا في معادلة الأمن الإقليمي في شمال شرق أفريقيا والشرق الأوسط، بما ينسجم مع مقاربات «الهيدرولوجيا السياسية» Hydropolitics التي طرحها بيتر غليك، والتي ترى أن المياه لم تعد موردًا طبيعيًا محايدًا، بل أداة نفوذ ووسيلة ضغط ومكوّنًا أساسيًا في هندسة التوازنات الإقليمية.
اللافت في الرسالة هو الجهات التي أراد ترامب إبلاغها عبر خانة (CC)، والتي تضم قيادات من السعودية والإمارات وإثيوبيا والسودان، بما يعكس إدماج ملف النيل ضمن شبكة تحالفات أوسع تتقاطع فيها المصالح الخليجية والعربية والأفريقية. هذا التوجه ينسجم مع تحليلات فواز جرجس حول تحوّل مراكز الثقل في النظام الإقليمي العربي، وانتقالها من المشرق التقليدي إلى فضاءات أكثر اتساعًا تجمع الخليج بشمال أفريقيا وشرق القارة الأفريقية ضمن منظومة واحدة للأمن والتنمية والنفوذ.
أما انعكاسات هذه التحولات على لبنان، فهي عميقة وإن لم تُذكر صراحة في الرسالة. فلبنان، بوصفه دولة هشّة تعاني من انهيار اقتصادي وسياسي ومؤسساتي، يجد نفسه داخل بيئة إقليمية «تَغلي» بالصراعات، وفق توصيف برنارد لويس لطبيعة الشرق الأوسط بوصفه فضاءً تتكثف فيه تناقضات الهوية والسلطة والموارد. في مثل هذا السياق، تتحول الدول الضعيفة إلى ساحات نفوذ متنازع عليها أو إلى أوراق تفاوض ضمن صراعات إقليمية ودولية أوسع، كما بيّن غسان سلامة في تحليله للدول الهشّة والمنهارة في النظام الدولي.
إن الربط بين ملف سد النهضة، والوساطة في النزاعات المسلحة، وإشراك قوى الخليج في معادلات الأمن المائي، يشير إلى تحوّل نوعي في طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الحدود والأراضي وحدها محور النزاع، بل الموارد الحيوية، وفي مقدمتها المياه والطاقة والغذاء. وهذا التحول يتقاطع مع أطروحات صموئيل هنتنغتون حول صراعات ما بعد الأيديولوجيا، حيث تحل الهويات والموارد محل الأيديولوجيات الكبرى كمحركات رئيسية للنزاع.
وعليه، يمكن القول إن الرسالة تعكس محاولة أميركية لإدارة الغليان الإقليمي عبر أدوات الوساطة والتوازن والتفاهمات المرحلية بدل اللجوء إلى الحسم العسكري المباشر. غير أن هذه المقاربة، وإن ساهمت في احتواء بعض الأزمات، لا تعالج الجذور البنيوية للنزاعات، المرتبطة بعدم العدالة في توزيع الموارد، وغياب التنمية المتوازنة، واستمرار هشاشة الدولة الوطنية في عدد من بلدان المنطقة، وعلى رأسها لبنان.
في ضوء ذلك، يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب، متشابك الأزمات، تتقاطع فيه السياسة بالمياه، والأمن بالاقتصاد، والهوية بالموارد. ويجد لبنان نفسه في قلب هذا الغليان، ما يستدعي إعادة بناء دولته وموقعه الإقليمي إذا أراد الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الفاعل في الشرق الأوسط الجديد.
بولا أبي حنا - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|