"سرّ" شمال الليطاني... مركز القيادة البديلة لدى "حزب الله"
تعد منطقة شمال الليطاني اليوم العقدة المركزية في مسار المفاوضات والترتيبات الأمنية، حيث تتجاوز أهميتها بالنسبة لـ "حزب الله" كونها مجرد جغرافيا، لتشكل "الرئة العسكرية" والعمق الاستراتيجي البديل بعد إخلاء المنطقة الواقعة جنوب النهر، بحسب المعطيات. فـ "الحزب" يرى في هذه المنطقة مقر القيادة والسيطرة الحقيقي، ومستودعًا أساسيًا للصواريخ البعيدة والدقيقة ومنصات الإطلاق الثقيلة التي قد تحفظ ماء وجهه.
من المنظور الإسرائيلي، ينبع الإصرار على تسليم السلاح شمال الليطاني من قناعة أمنية بأن حصر الترتيبات في جنوب النهر لم يعد كافيًا لتأمين مستوطنات الشمال، بخاصة في ظل تطور تكنولوجيا المسيرات والصواريخ الدقيقة التي يمكن إطلاقها بفاعلية من ضفة النهر الشمالية. وترى تل أبيب أن بقاء البنية التحتية العسكرية وقوات النخبة في هذه المنطقة يبقي التهديد قائمًا.
"إسرائيل قد تتولى التنفيذ"
في هذا الإطار، وفي ظل التصعيد العسكري الذي يشهده لبنان في الأسابيع الأخيرة، بموازاة انتهاء المرحلة الأولى من تسليم السلاح، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد يعرب صخر أن "الاستهدافات للمنطقة بين الأولي والليطاني، بالتزامن مع استهداف البقاع الشمالي وخط القلمون وهي منطقة كانت تعج بالمخابئ والأنفاق والصواريخ البالستية والاستراتيجية، هذه الاستهدافات تحديداً لشمال الليطاني حتى الأولي، هي بمثابة تذكير للسلطة اللبنانية بواجباتها، وبأنها كلما تلكأت سوف تتولى إسرائيل الأمر، لذلك يبدو أن المرحلة الثانية، إسرائيل هي التي ستقوم بتطبيقها".
ويعتبر في حديثه لـ "نداء الوطن" أن "الإصرار الإسرائيلي والدولي على شمال الليطاني ينبع من اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي حدد في مواده الـ 13 الشروط الأولى لعملية نزع السلاح من كل الأراضي اللبنانية"، مشددًا على أن الإصرار ليس دوليًا وحسب، بل هو قبل كل شيء لبناني وهذا ما نصت عليه قرارات الحكومة اللبنانية.
مركز القيادة البديلة
تتمتع منطقة شمال الليطاني في جنوب لبنان، بخصوصية جغرافية واستراتيجية فريدة، إذ تمتد من المجرى المتعرج للنهر صعودًا نحو تلال إقليم التفاح ومرتفعات جزين، وصولًا إلى الساحل عند صيدا والزهراني غربًا، وإلى مشغرة وسحمر في البقاع الغربي شرقًا. وتكمن أهمية المنطقة في كونها "القلب النابض" والعمق اللوجستي لـ "حزب الله"، حيث تضم مدنًا كبرى مثل مدينة النبطية وقرى استراتيجية مثل جباع وعربصاليم، التي تمثل خزانًا بشريًا هائلاً وبيئة حاضنة تمنح "الحزب" شرعيته الشعبية ونفوذه السياسي. وعسكريًا، تعتبر "خط الدفاع الثاني"، إذ تستفيد الوحدات العسكرية من التضاريس الجبلية الوعرة والأودية السحيقة لإقامة مراكز القيادة والسيطرة البديلة، وتخزين المنظومات الصاروخية النوعية والبعيدة المدى التي تخرج عن نطاق الرقابة الدولية المفروضة جنوب النهر، بحسب مصادر متابعة.
شمال الليطاني يعني البلد كله
يوضح العميد صخر، أنه "عندما نقول شمال الليطاني، نعني كل ما تبقى من لبنان، عدا جنوب الليطاني، الذي شكل المرحلة الأولى، والتي وفق تقرير الجيش في 7 كانون الثاني، قد انتهت، والآن أتى دور المرحلة الثانية، وفق الخطة التي وضعت في أيلول الماضي لحصر السلاح، وحدد خلالها الجيش 5 مراحل، انتهت تقريبًا المرحلة الأولى، والآن جاء دور المرحلة الثانية علمًا أن المنطقة بين شمال الليطاني والأولي هي الخطوة الأولى من المرحلة الثانية التي تشمل كل لبنان، بما فيه بيروت وجبل لبنان والشمال...".
ويضيف: "علينا ألا ننسى القرار السيادي الأساسي المهم، هو قرار الحكومة في 5 آب الماضي، والذي حدد مهلة نزع السلاح مع نهاية السنة الماضية، ورئيس الجمهورية قال بلسانه، إن نهاية 2025 ستكون نهاية كل سلاح غير شرعي، لكن وتحت ضغط الطرف الممانع على السلطة اللبنانية، رضخت السلطة وقامت بتمييع قرار 5 آب". ويقول: "لو كانت الدولة اللبنانية جريئة لفرضت إرادتها على الميليشيات، ولم تسمح بأن يحصل العكس، لكننا نرى تشتتًا سياسيًا، بين الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة، بمقابل تأثير الرئيس بري على عون وفرضه لما يريد".
"المرحلة التي كان يجب المباشرة بها منذ كانون الثاني، لم يؤت الذكر عليها وتم تأجيلها إلى شهر شباط، وهو شهر ينعقد فيه مؤتمر دولي لمساعدة الجيش من خلال تقديم العتاد والتجهيزات اللازمة، لكن هذه المساعدة مشروطة بعملية نزع السلاح، هذا التأخير المتعمد، قد ينسف مؤتمر شباط"، بحسب صخر.
في المقابل، ترى مصادر مطلعة أن "الضغط الإسرائيلي والدولي في مسألة شمال الليطاني، يهدف إلى وضع السلطة اللبنانية أمام اختبار السيادة الفعلي، عبر المطالبة بآليات رقابة وتفتيش تضمن خلو هذه المربعات الأمنية من السلاح غير الشرعي". علمًا أنه بحسب المصادر "يثير بقاء الوضع على ما هو عليه مخاوف داخلية من تحوّل النهر إلى خط فاصل بين شرعية الجيش في الجنوب وسلطة الأمر في الشمال".
صواريخ "نقطوية"
من الناحية التقنية، تتيح المسافة الجغرافية لهذه المنطقة استخدام الصواريخ قصيرة المدى مثل "غراد" و"كاتيوشا" المعدلة بمدى يصل إلى 40 كلم، بحسب بيانات نشرها مشروع الدفاع الصاروخي التابع لمركز (CSIS) الأميركي عام 2021، ما يعني بقاء الجليل الأعلى وصفد ونهاريا تحت رحمة الرشقات الصاروخية التقليدية، وهو ما تعتبره إسرائيل عائقًا أساسيًا أمام عودة مستوطنيها. وتحدث التقرير عن صواريخ أخرى بالإمكان أن تصل إلأى تل أبيب ومطار بن غوريون وحيفا، إلا أن هذه المعطيات تغيرت بطبيعة الحال بعد الحرب الأخيرة والخسائر التي تكبدها "حزب الله" والتي تثبت عجزه عن قتال إسرائيل مرة أخرى. إنما تحاول الأخيرة بحسب المصادر أن تجعل من تلك الحرب معركة حاسمة تؤمن أمانًا مستدامًا لسكان الشمال.
وبحسب تقرير حديث لمعهد دراسات الأمن القومي (INSS) فالهدوء على الحدود يخفي وراءه عملية "إعادة بناء" واسعة النطاق يقوم بها "الحزب". ويعتبر التقرير أن شمال الليطاني هو "الرئة العسكرية" البديلة و"المخزن الاستراتيجي" للقوة الصاروخية للحزب، فقد انتقلت ورش تجميع وتخزين الصواريخ الدقيقة (النقطوية) إلى هذه المنطقة لتكون خارج الرقابة المباشرة. وتعتبر إسرائيل أن بقاء هذه الصواريخ شمال الليطاني يفرغ اتفاق وقف إطلاق النار من قيمته الأمنية.
باسكال صوما - نداء الوطن -
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|