الهجري يرفع راية الانفصال: مصيرنا رهنٌ بإسرائيل!
في تصريحات يمكن اعتبارها الأكثر تعبيراً عن الارتماء في أحضان إسرائيل، منذ إعلان الأخيرة دعمها إقامة «إدارة ذاتية» في السويداء، ربط شيخ عقل الطائفة الدرزية، والأب الروحي لـ«الإدارة الذاتية»، الشيخ حكمت الهجري، مصير السويداء بإسرائيل، التي وصفها بأنها «حامية للأقليات»، وذلك في محاولة لتعويم ذرائع تل أبيب في تدخّلها في سوريا، حيث تحتل مناطق عديدة جنوبي البلاد. وفي تصعيد جديد ضدّ السلطات التي يقودها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، أعاد الهجري تأكيد رغبته في الانفصال عن سوريا، واضعاً إسرائيل في موقع «الضامن» لإقامة دولة درزية في الجنوب.
وهاجم الهجري، في تصريحاته التي أدلى بها إلى صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، السلطات الانتقالية بشكل عنيف، واصفاً إياها بأنها «امتداد لداعش والقاعدة، وتسعى إلى التخلص من كل الأقليات في سوريا، وليس الدروز فقط»، معيداً التذكير بالمجازر التي ارتكبتها القوات التابعة لتلك السلطات في السويداء في أثناء شهر تموز الماضي، والتي أودت، وفق قوله، بحياة «أكثر من ألفي درزي».
وتأتي تصريحات الزعيم الدرزي، الذي سبق أن أطلق اسم «جبل الباشان» على جبل العرب، وأعلن رغبته في الانفصال عن سوريا، بعد أيام قليلة من الإعلان عن اتفاق بين حكومة الاحتلال والسلطات الانتقالية، برعاية أميركية، أفضت إليه اجتماعات امتدّت على مدار يومين (الإثنين والثلاثاء من الأسبوع الماضي)، وقضى بإنشاء «مجموعة عمل مشتركة» تديرها واشنطن من الأردن، وتتضمن أجندتها تبادلاً استخباراتياً ومشاريع اقتصادية وزراعية، وفق تسريبات نشرها موقع «أكسيوس» الأميركي.
وبينما لم تتطرق الورقة المشتركة التي نشرتها الولايات المتحدة بشكل مباشر إلى قضية السويداء، تبدو تصريحات الهجري محاولة عاجلة لقطع الطريق على الشرع الذي يأمل استتباب الأمور إليه، وذلك عبر المجاهرة بانتساب مشروعه بالكامل إلى الكيان، الذي أقرّ بوجود علاقات مباشرة معه تعود إلى سنوات خلت. إذ قال إن «العلاقات بين إسرائيل والدروز في سوريا ليست جديدة، بل تشكّلت قبل سقوط نظام الأسد بوقت طويل»، معتبراً أن «هناك روابط دم وعلاقات عائلية، وهي رابطة طبيعية»، وفق تعبيره.
وأعلن الهجري أنه يطالب «ليس فقط بالإدارة الذاتية، بل بإقليم درزي مستقل»، موضحاً أن «المطلب المركزي هو الاستقلال الكامل، مع إمكانية المرور بمرحلة انتقالية من الحكم الذاتي تحت إشراف طرف عربي خارجي». وإذ أعرب عن قناعته بأن «سوريا تتجه نحو التقسيم وإنشاء أقاليم مستقلة وذاتية الحكم»، فهو اعتبر أن ذلك «يمثل المستقبل الأفضل للأقليات وتحقيق الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط»، متابعاً أن «إسرائيل يمكن أن تؤدّي هذا الدور بالنسبة إلى الإقليم الدرزي (…) نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزّأ من الإطار الاستراتيجي لإسرائيل، وكذراع متحالفة معها».
على أن تصريحات الهجري الأخيرة تتعارض مع مواقف كان أدلى بها هو نفسه قبل نحو عام من الآن، نفى خلالها أي علاقة لإسرائيل بإقامة «مجلس عسكري»، تحوّل في ما بعد إلى نواة لبناء «الحرس الوطني»، الذي توحّدت في إطاره جميع الفصائل الدرزية في السويداء. وفيما تؤكّد هذه التصريحات وجود عمل إسرائيلي مستمر للتمدّد نحو الجنوب، منذ مدة النظام السابق، وربط ملف المحافظة الدرزية - التي تتعرض بشكل يومي إلى هجمات من الفصائل التابعة للسلطات الانتقالية - بتل أبيب، تبدو الأخيرة اليوم صاحبة الكلمة العليا في هذا الملف.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه السلطات الانتقالية انتهاج السياسة ذاتها - منذ تسلمها الحكم -، القائمة على دفع الأقليات إلى مناطق محددة (الدروز إلى الجنوب، الأكراد إلى الشمال الشرقي، والعلويين إلى الساحل)، وهو ما من شأنه تقديم خدمة كبيرة لإسرائيل، التي لا تخفي رغبتها في تقسيم سوريا. وفي أثناء حديثه، أعاد الهجري التذكير بالمشروع الإسرائيلي الرامي إلى فتح طرق بين الأراضي المحتلة والسويداء، بذريعة «إنشاء ممر إنساني»، معرباً عن أمله في تحقيق هذا المشروع. إذ قال إنه «في غياب هكذا ممر، فإن تلقّي المساعدات أمر بالغ الصعوبة، لكننا نشكر إسرائيل رغم ذلك». وأضاف: «ليس سرّاً أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تدخّلت عسكرياً وأنقذتنا من الإبادة الجماعية في ذلك الوقت. وقد تمّ ذلك عبر غارات جوية أوقفت المجزرة بالفعل».
ومنذ صعوده وتصدّره مشهد الزعامة الروحية في السويداء، التي كانت تضم زعيمَين آخرين تمّ تغييبهما عن الساحة، وهما الشيخ يوسف جربوع والشيخ حمود الحناوي، ارتبط الهجري بعلاقات متينة مع المرجع الدرزي في الأراضي المحتلة، موفق طريف. وكان هذا الأخير قد رسم، قبل بضع سنوات، ملامح خطة تهدف إلى ربط الدروز الموجودين في الأراضي المحتلة بدروز سوريا، وأجرى لذلك الغرض سلسلة لقاءات مع مسؤولين في روسيا والولايات المتحدة، من دون تحقيق استجابة واضحة داخل المجتمع الدرزي في سوريا.
غير أن مجازر تموز وفّرت للهجري، ومن خلفه طريف، «فرصة ذهبية» لاستدعاء تدخّل إسرائيل ومنح تل أبيب موطئ قدم، سرعان ما تمّ تجذيره مع استمرار الهجمات الطائفية ضد الدروز في سوريا. ويجعل ذلك من مسألة إقامة إقليم درزي، أو انفصال السويداء، جزءاً من ملف شديد التعقيد، تمتلك إسرائيل - التي باتت تتحكّم بجزء وازن من المسألة السورية - بجميع مفاتيحه، في مشهد يكشف، عند النظر إليه بصورة أشمل، عن تواطؤ جميع الأطراف الفاعلة على الوصول إلى ما آلت إليه الأمور.
عامر علي -الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|