الصحافة

من بيروت إلى طهران: فليسقط الملالي!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تمثل الاحتجاجات القائمة في إيران أبرز فرصة لقيام مشروع دولة في لبنان منذ انقلاب النظام السوري المخلوع بالانقلاب على اتفاق الطائف، واستبداله عمليًا بالاتفاق الثلاثي السيئ الذكر، في العام 1991. فالنظام الخميني في إيران عمد إلى اتباع استراتيجية إقليمية منذ وصوله إلى السلطة في العام 1979 قوامها ثلاثة أعمدة: نشر الثورة الإسلامية بقيادة الولي الفقيه في منطقة الشرق الأوسط، زرع أذرع أيديولوجية - عسكرية ذات طابع مذهبي في البلدان العربية، وتعطيل أي إمكانية لإنهاء الصراع بين ما تبقى من العرب وإسرائيل، على اعتبار أن إنهاء هذا الصراع يعرّي المشروع الإيراني من الغطاء "النضالي" للرؤية المذهبية - الإمبريالية. أما اليوم فإن سقوط النظام في إيران ينهى العناوين الثلاثة، ويقضي تمامًا على أي وجود عسكري أو حتى سياسي لمنظمة "حزب الله"، كما يضع لبنان في قلب المشروع النهضوي العربي القائم على السلام والازدهار. هذا كلّه، من دون "ضربة كف" في الداخل اللبناني. بعد سقوط النظام البعثي في سوريا، لم يبقَ سوى سقوط الشريك في طهران حتى تكتمل مسيرة التحرّر اللبنانية من قبضة المشاريع الإقليمية العقائدية على حساب سيادته، استقراره وازدهاره.  

هذا لا ينطبق بطبيعة الحال على لبنان حصرًا. إن هذا المشروع صنع له أذرعًا في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، من العراق إلى اليمن وصولًا إلى عمق دول الخليج. وبذلك يكون سقوطه شبيهًا بسقوط نظام القومية الصربية في صربيا بقيادة سلوبودان ميلوسوفيتش، الذي كانت له تداعيات ليس فقط على صربيا بل أيضًا على مختلف أنحاء يوغوسلافيا (سابقًا) حيث تواجدت أقليّات صربية (البوسنة، كرواتيا)، استخدمها النظام الأم لخدمة أجندته التوسعية والعنصرية تحت شعارات مختلفة (منها طبعًا "محاربة الإمبريالية"). لكن سقوط النظام الإيراني ستكون له تداعيات أعمق من تلك التي نتجت عن سقوط ميلوسوفيتش: فالنظام السياسي الذي سيخلفه سيكون راديكاليًا في انتهاج سياسة مناقضة لسياسة الملالي، الأمر الذي لم يكن قائمًا في صربيا، مع أن الدولة الجديدة سعت إلى وضحّت من أجل الدخول إلى الاتحاد الأوروبي (سلّمت مثلًا مجرمي الحرب الصرب من البوسنة كثمن لبدء المفاوضات في العام 2008). لكن الفوارق أيضًا لافتة: عندما سقط ميلوسوفيتش كان قد تراجع بنسبة كبيرة عن سياساته التوسعية في الإقليم، خصوصًا بعد المواجهة مع الناتو في حرب كوسوفو (1998 - 1999). أما النظام الإيراني، فقد أصرّ على متابعة نهج العدوانية في المنطقة حتى بعد الهجوم الناجح الذي قام به تحالف أميركا وإسرائيل في ما سمي حرب الإثني عشر يومًا، وأدى إلى تدمير منهجي لبرنامجه النووي. ما عدا بعض التراجعات التكتيكية الاضطرارية، وقد بدا ذلك جليًا في لبنان والعراق واليمن. أضف إلى ذلك، فإن علاقة صربيا بوكلائها لم تكن ذات طبيعة "إلهية" التي تميّز ارتباط الولي الفقيه باتباعه: على سبيل المثال، رفضت قيادة الميليشيا الصربية في البوسنة عرض صربيا للسلام في منتصف الحرب، وهو ما مهّد لبقاء الحزب الديمقراطي الصربي (وريث الميليشيا) في السلطة حتى العام 2025. لكم أن تتخيلوا مصير "حزب الله" بعد سقوط النظام الإيراني، الذي على الأرجح سيشبه الحزب الشيوعي اللبناني بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، أي عشرات المناصرين هنا وهناك يتباكون على "أيام العز"، أي قبل نجاح المؤامرة الصهيو - إمبريالية.  

هل سيحلّ سقوط النظام في إيران المشكلة التأسيسية اللبنانية؟ بنسبة كبيرة جدًا الجواب هو نعم. وذلك ليس لأن النظام الإيراني هو مسبّب لكل أزمات لبنان منذ فجر الاستقلال، بل لأنه آخر بقايا الأزمة البنيوية: فقد سقط نظام القومية العربية البعثية في سوريا قبل عام، وانتهت موجة العقيدة السياسية بمعناها القومي في المنطقة العربية ككل، وتصالح معظم العرب مع إسرائيل، وخاض المسلمون في لبنان (خصوصًا السنة منهم) مسارًا طويلًا و شاقًا من "اللبننة القسرية"، وهو المسار الذي (لسخرية القدر) سيكون الشيعة أكثر قدرة على سلوكه بسرعة فائقة فور سقوط النظام الإيراني، خصوصًا بعدما تلقى "حزب الله" ضربات استثنائية في الحرب الأخيرة. يمكننا حتى تخيّل تخطّي الشيعة شعار "لبنان أولًا"، وعودة جزء منهم إلى أحد شعارات "الجبهة اللبنانية"  إبان الحرب: "إعرف عدوّك، السوري عدوّك". أما على مستوى المنطقة، فلا شك أن التعقيدات متشعبة وتتخطى إطار المشروع المذهبي - الإمبريالي الإيراني، إلا أنه لا يمكننا تجاهل تأثير سقوط النظام على الإسلام السياسي في الشرق الأوسط (المشكلة الاستراتيجية الثانية في المنطقة)، من الإخوان المسلمين إلى القاعدة وأخواتها، الذين استفادوا فكريًا وشعبيًا ولوجستيًا من وجود نظام "الجمهورية الإسلامية" في إيران، بشكل لا يتسع هذا المقال لتفنيدها.  

أسباب التفاؤل جديّة. فمع أن الانتفاضة الحالية في شوارع إيران هي الخامسة في فترة خمس سنوات، إلا أن هذه المرّة تختلف عن سابقاتها. فقد عدّد الخبير الأميركي الأبرز في الشؤون الإيرانية كريم سدجبتور في مقال في صحيفة "ذي اتلانتيك" خمسة شروط لنجاح الثورات في العالم، مؤكدًا أن هذه هي المرّة الأولى التي تمتلك فيها إيران الشروط الخمسة: أزمة مالية - نقدية، معارضة متنوّعة، انقسام في النخبة الحاكمة، ظروف دولية مؤاتية، وسردية مقنعة للمنتفضين. ولا شك أن جزءًا من هذه السردية سقوط المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، بفعل شبه - انهيار أذرعها الميليشياوية نتيجة "طوفان الأقصى"، ومن بعدها فشلها في الدفاع عن نفسها وحيدة عند تدمير برنامجها النووي. إنها لحظة احتمال سقوط "جدار برلين" الشرق أوسطي. نحن في لبنان ننتظرها بفارغ الصبر، منذ أن دخل ضباط الحرس الثوري منطقة البقاع اللبناني في العام 1981، مؤسسين لأربعة عقود من التخلّف والدمار والأصولية. سنزور نحن مدنهم هذه المرّة، ليس لزرع الميليشيات أو المذهبية أو التطرّف، بل لنغني سويًا "امرأة - حياة - حريّة". فقد غنى الفنان الإيراني شرفين هاجيبور أغنية رائعة في انتفاضة العام 2022، عنوانها "بارايي"، أي "من أجل". اليوم الانتفاضة ليست فقط لأجل "الرغبة بحياة طبعيية" في إيران، بل في لبنان أيضًا.  

صالح المشنوق -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا