"منازلة حلب"... اتفاق يترنح وهُوّة تتسع
نجحت قوات الحكومة السورية في بسط سيطرتها الأمنية على مدينة حلب، بعد منازلة عسكرية دامية مع "قوات سوريا الديمقراطية"، التي انتهى بها المطاف بالانسحاب من المدينة، ولا سيما من مواقعها في حيّيْ الشيخ مقصود والأشرفية، في اتجاه مناطق سيطرتها في شمال وشرق البلاد.
انسحاب "قسد" من حلب لم يكن ليتم لولا الجهود الأميركية المضنية التي قادها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك. وهنا يسلَّط الضوء على الدور الذي يمكن أن تضطلع به واشنطن لردم الهُوّة الآخذة في الاتساع بين حكومة دمشق من جهة، التي أخفقت في طمأنة الأقليات في سوريا ومن بينهم الكرد، و"قسد" من جهة ثانية، التي لن تتخلّى عن البندقية ما لم تتحقق مطالبها الفدرالية، خصوصًا أن حوادث العنف الطائفي في الساحل والسويداء لا تزال ماثلة أمام أعين السوريين، المتوجّسين من خلفية الشرع الجهادية وتجاوزات بعض قواته بحق السوريين العُزل. والجهود الأميركية تنصب على محاولة إقناع طرفي النزاع بتنفيذ كافة بنود اتفاق 10 آذار عام 2025، والتي ينص أبرزها على اندماج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية وأجهزتها العسكرية.
تنحي سلطات دمشق باللائمة على "قسد"، وتعتبر أنها خرجت عن بنود "اتفاق آذار" المترنح من خلال زجّها بمطالب جديدة، لم تكن مدرجة في الاتفاق، أبرزها شكل الدولة اللامركزية والضمانات الدستورية، وتردّ أحد أسباب الاشتباكات إلى رغبة تيار متشدد داخل تلك "القوات" في لفت الأنظار، واستدراج عطف أممي، واستعادة غطاء دولي لم يعد متوفرًا. من ناحية ثانية، ترى سلطات الشرع جانبًا مضيئًا في تعاطي الإدارة الأميركية معها، لناحية عدم توجيهها انتقادات للتدابير التي اتخذتها السلطات الرسمية في حلب، واكتفائها بالدعوة إلى خفض التصعيد وضبط النفس والحوار، وتُعدّ دمشق ذلك تغيرًا في ميزان الموقف الأميركي وترجيحًا لكفتها على كفة "قسد".
بينما تجزم سلطات الشرع بأنها تتمسك بمنطق الدولة، وبأن القوى الأمنية تجهد لحماية المدنيين بكافة أطيافهم في مدينة حلب، بالتوازي مع إصرارها على تنفيذ الاتفاقات المبرمة سابقًا من دون تعديل من طرف واحد، يتهم خصوم دمشق القوى الأمنية بتهجير الكرد من المدينة، وتنظيم "ترانسفير" بكل ما للكلمة من معنى، سينتهي بعدم عودة المهجّرين الكرد إلى ديارهم في حيّيْ الشيخ مقصود والأشرفية، فضلًا عن ارتكاب قوات النظام، المدجّجة بالعناصر المتطرفة، جرائم منظمة بحق المدنيين الكرد.
يعتبر المراقبون أن الولايات المتحدة تدرك خير إدراك، أن هناك مطالب لحلفائها الكرد وحقوقًا تصفها بالمنطقية، بيد أنها تصب تركيزها في الوقت عينه على جهود توحيد سوريا، وعلى وضع حد لأي اقتتال داخلي، تمهيدًا للمضي قدمًا في مسار سياسي يخلو من عناصر عدم الاستقرار.
لا ريب في أن ضراوة اشتباكات حلب الأخيرة بين قوات دمشق و"قسد"، تقوّض الاتفاقات الهشة بينهما، وتعقد مسألة اندماج "قسد"، ذات الغالبية الكردية، في نسيج الدولة السورية، كما وتزيد من حدة الحقد الطائفي والانقسامات داخل المجتمع السوري، وهي أمور تسرّ كثيرًا أطرافًا خارجية عدة ودولًا على رأسها إسرائيل، التي يطيب لها رؤية جارتها السورية مفتتة إلى دويلات صغيرة، خارجة عن سيطرة دمشق، كما ورؤية الرئيس السوري أحمد الشرع رئيسًا على بعض سوريا وليس كلّها. لذلك، فإن أي صراع سوري داخلي من شأنه إضعاف الدولة المركزية، وهذا الإضعاف يدخل البهجة إلى نفوس صناع القرار في تل أبيب، الذين يرون في الانقسامات السورية الحادة، أداة فعالة لاستمرار حال عدم الاستقرار، ويجهدون لمنع تكوّن جيش سوري قوي ومتماسك ومستقر.
لا شك أيضًا في أن غاية الدولة العبرية تكمن في إبعاد الدولة السورية قدر المستطاع عن لعب أي دور فعال في المنظومة الأمنية في المنطقة. لذلك، فإن استمرار التوتر في مدينة حلب أو في غيرها من المناطق على امتداد الجغرافيا السورية، يصب في خدمة العقيدة الأمنية الإسرائيلية، القائمة على تفتيت دول المنطقة إلى دويلات طائفية صغيرة متناحرة، لا تشكل خطرًا على الدولة اليهودية، التي خُدش كبرياؤها الأمني واهتز جبروتها العسكري في 7 أكتوبر عام 2023.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|