الصحافة

شرق الفرات بعد حلب: هل دخلنا زمن ما بعد التفاهمات المؤقتة؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

من الصعب النظر إلى الأحداث التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بحلب ما بين 7 - 9 كانون ثاني الجاري على أنها تكرار لتلك التي شهدتها تلك الأحياء خلال أشهر أيلول وتشرين الأول وكانون الأول، الفائتة، وما يلاحظ على تلك الجولات الحاصلة في هذه الأشهر الأخيرة هو أن «مراكز الإطفاء» كانت حاضرة على الدوام للقيام بمهام إهماد الحريق حال اندلاعه، ولذا فإن تلك الاشتباكات لم تكن تستمر لأكثر من بضع ساعات قبيل أن تنتهي «الجولة» بتفاهمات محددة، غالبا ما كانت تجري بوساطات عبر أطراف «سريين»، وعليه فإن تلك الجولات لم تكن تؤدي إلى حصول تغييرات تذكر في المعادلات القائمة، ولا في خرائط السيطرة، الأمر الذي كان يشير إلى وجود قرار خارجي يقضي بتبيث خطوط التماس، لكن جولة 7 - 9 كانون الفائتة كانت مختلفة تماما عن سابقاتها، ومن الممكن توصيفها بأنها كانت أقرب إلى كسر نمطية الجولات السابقة، وصولا إلى إيجاد نمطية خاصة بها قد تشكل فاتحة أمام تغيير كبير في طريقة تعاطي الداخل والخارج مع «ملف شرق الفرات»، الذي بات يمثل عقبة هي الأهم، من بين مجموعة من العقبات، أمام استعادة البلاد لوحدتها، ولتوازنها، من جديد، ولعل السؤال الذي يطرح هنا .

كان توقيع اتفاق «10 آذار» قد جرى في لحظة داخلية، ودولية ، بالغة الحساسية، ومن خلاله عملت واشنطن على إنقاذ سلطة <هيئة تحرير الشام» التي كادت أن تغرقها أحداث الساحل، التي جاءت في لحظة لم تكن تحظى فيها تلك السلطة بأي نوع من المشروعية، ولذا يمكن القول ان ذلك الاتفاق كان نوعا من الإملاء الخارجي الذي اضطرت السلطة إلى قبوله على وقع الإهتزازات الحاصلة في دعائمها، والتي كادت أن تطيح كل شيء، ومع تغير المعطيات، بدءا من التقارب الحاصل ما بين الغرب والسلطات السورية الجديدة، ثم وصولا إلى مد الأول لجسوره العريضة تجاه هذه الأخيرة فيما بعد، شعرت دمشق بأن اتفاق 10 آذار كان فيه الكثير من «الإجحاف»، ولعله كان في الأمر الكثير مما يدعو إليه، فالاتفاق كان قد منح «القامشلي» وضعية «الندية» لدمشق، ولعل ما زاد من تأثيرات ذلك سوءا هو أن التركيبة المجتمعية للبلاد كانت لا تزال تحت تأثير <الهزات الإرتدادية»، التي أعقبت زلزال 8 كانون أول 2024، ومع ذلك فقد تعاطت الأخيرة مع الفعل كأمر واقع، ثم راحت تطالب بتطبيقه، بعد تحديد نهاية العام 2025، كمهلة قصوى لوضعه قيد التنفيذ.

بدورها، كانت «قوات سوريا الديموقراطية - قسد» ترى أن الإعلان عن التزامها الدائم بذلك الاتفاق أمر له موجباته، وحسناته، من حيث ان الفعل هو أشبه بـ<صمام أمان» يمكن له أن يحول دون الانفجار، فيما الحسابات تقول : إن الرمال السورية المتحركة لن تستقر عما قريب، ولعل رياح الخارج تأتي بما يحسن شروط ومقومات «المشروع» ، وما جرى هو أن «الرياح» جرت على عكس ما تشتهيه» السفن»، حتى إذا كانت «محطة باريس» 6 كانون الجاري، بدا وكأن «الأشرعة» قد دخلت مرحلة اختبارها الأول في سياق يبدو أنه سيطول.

كانت الخطوات التي تعاطت دمشق من خلالها مع ملف «الأحياء الثلاثة» الخارجة عن سيطرتها وسط مدينة حلب، بدءا من منح مهلة لإخلاء المدنيين، وفرض حظر تجول، ثم القرار بإخلاء قوات» الأسايش»، إنما تعكس قرارا سياسيا حاسما، وهو يقضي بإعادة ضبط المشهد الأمني في المدينة برمتها، انطلاقا من التوازنات الدولية الداعمة لوحدة الدولة وسيادتها أولا، واستثمارا في هامش المناورة الذي أضحى في حدوده الدنيا عند «قسد» ثانيا، ولعل كلا الأمرين هما اللذان فرضا حسما سريعا، فما جرى قد لا يصح توصيفه بـ«المعارك «العسكرية، بل هو أقرب للاستثمار في <التوازنات» و«ضيق هامش المناورة»، سابقي الذكر، لفرض وقائع ميدانية جديدة، وإلغاء الواقع» الهجين» الذي يجعل من أي حدث أمني صغير كما «الشرارة» التي يمكن لها سريعا أن تتسع، وتمتد لتحرق <الأخضر» قبل «اليابس».

بعد حلب، 7 - 9 كانون الجاري، بات اتفاق «10 آذار» بحكم «الميت سريريا»، أو هو فقد الكثير من موجبات بقائه على قيد الحياة، ومع ذلك فإن مسألة «تعديله»، أو حتى «حياكة» بديل آخر له، يمكن أن يكون أكثر تناغما مع الوقائع والمعطيات المستجدة، قد تبدو بعيدة نسبية لاعتبارات تتعلق بالموقفين الإميركي والإسرائيلي أولا وأخيرا، فواشنطن، إلى الآن، لم يصدر عنها أي إشارة توحي بإمكان تخليها عن «قسد»، وإن كانت تصريحات دونالد ترامب الأخيرة تحمل «نفحة>غير معتادة، فهو لم يقل ان على الأكراد الاندماج مع الدولة السورية، بل قال «أريد أن أرى السلام بين الأكراد والحكومة»، ومع ذلك لا تزال العديد من التقارير تشير إلى أن «قسد» قد تلقت تطمينات ببقاء الدعم الأميركي لسلطاتها في مناطق شرق الفرات، أما تل أبيب فهي تنظر إلى هذا الأمر من زاوية أمنية صرفة، وعلى الرغم من تفاهماتها الحاصلة مؤخرا مع دمشق في باريس، إلا إنها تفضل الإبقاء على «الالغام الموقوتة» قيد التفعيل، لاستخدامها كأوراق ضغط على الحكومة السورية كلما لزم الأمر، ولعل من المؤكد أن تكون ورقة» قسد» آخر الأوراق التي يمكن لها التخلي عنها.

في مطلق الأحوال، وسوريا على الأقل، بات اتفاق 10 آذار عند منعطف هام، فهو إما أن يعاد انتاجه، أو تعديله،لكي يصبح أكثر تعبيرا عن الوقائع، أو أن تقرر دمشق «نسفه» عبر الميدان، ومن المؤكد أن هذا الخيار الأخير سيكون كارثيا انطلاقا من المعطيين الأميركي والإسرائيلي السابقين، أما الخيار الأول، الذي يجب أن يكون ترجمة للوقائع المستجدة، فمن الممكن له أن يفتح الباب سريعا أمام سقوط تلقائي لـ«ثمرة» لم تعد عالقة بالغصن سوى باليسير من الأنسجة .

عبد المنعم علي عيسى -الديار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا