لماذا تُرك مفتي الجمهورية وحيدًا؟
لم يكن الصمت النيابي السنّي في مواجهة الحملات التي طاولت دار الفتوى ومفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان امراً عاديًا، بل لحظة كشفت خللاً بنيوياً في إدارة الموقع السنّي في واحدة من أدق مراحله. إذ لم يكن الخلاف على المرجعية، ولا الاعتراض على دور المفتي فقط، بل التردّد في تحمّل كلفة الدفاع عنه في مناخ بات فيه الموقف السياسي أثقل من الصمت.
فالاستهداف لم يأتِ معزولًا، بل في توقيت شديد الحساسية، تزامن مع تصاعد التداول بفضيحة "أبو عمر" وتحويله إلى عدسة سياسية وإعلامية يُعاد من خلالها فحص كل خطاب أو حركة أو تضامن داخل البيئة السنّية. في هذا المناخ، عاد منطق الاتهام الجماعي إلى الواجهة، وبات أي موقف داعم لدار الفتوى قابلًا لأن يُقرأ خارج سياقه المؤسساتي، ويُدرج قسرًا في سرديّات جاهزة، لا علاقة لها بالموقف نفسه.
هنا تحديدًا، تغيّرت معايير القرار النيابي. لم يعد السؤال، هل من الصواب الدفاع عن المرجعية؟ بل كهل يمكن تحمّل كلفة هذا الدفاع الآن؟" وهكذا، لم يعد الصمت تعبيرًا عن حياد، بل تحوّل إلى خيار وقائي مقصود، هدفه تجنّب الدخول في دائرة الاستهداف، لا سيما في ظل مناخ إعلامي وسياسي يبحث عن أي ذريعة للاشتباك.
أمام هذه المعادلة، مال معظم النواب إلى منطق الوقاية السياسية. لم يكن الصمت وليد قناعة لديهم، بل نتيجة حساب يوازن بين خسائر محتملة لموقف معلن وفوائد صمت مؤقّت. الحياد هنا لم يكن موقفًا متزنًا، بل آلية تفادٍ، والغياب لم يكن سهوًا، بل قرارًا محسوبًا في لحظة اختبار.
زاد هذا الميل تعقيدًا عاملٌ داخلي لا يقلّ تأثيرًا، تمثّل في تصاعد التصدّعات داخل الحقل الديني نفسه. فقد أدّى صعود مجموعات دينية متقاطعة مع شخصيات قضائية، واعتمادها خطابًا تصعيديًا دائمًا ضد المفتي ودار الفتوى، إلى إدخال المرجعية في اشتباك مفتوح. هذا الاشتباك أربك الحسابات السياسية، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات انتخابية، حيث أصبحت العلاقة مع المزاج الديني المحلي وقواعده عنصرًا حساسًا في القرار، وغالبًا ما تقدّم على الاعتبارات المؤسساتية الأوسع.
وسط هذا الصمت، سُجّلت محاولات محدودة لكسر الجدار، مقاربةً القضية من زاوية مؤسساتية لا سجالية. غير أنّ هذه المحاولات، على محدوديتها، كانت كافية لاستدعاء ردود فعل قاسية تمثّلت في حملات تشويه واستهداف سياسي وإعلامي، أعادت تثبيت مناخ ردع غير معلن، من يتقدّم خطوة يدفع الثمن. عند هذه النقطة، لم يعد الصمت تردّدًا، بل تحوّل إلى قناعة مفروضة بحكم التجربة.
ما تكشفه هذه اللحظة يتجاوز شخص المفتي أو سياق الحملات. نحن أمام أزمة تمثيل سياسي سنّي، حيث تتقدّم الحسابات الفردية على منطق حماية المرجعيات الجامعة. وعندما تُترك دار الفتوى وحيدة في مواجهة الاستهداف، فإنّ الضرر لا يطالها وحدها، بل يصيب الموقع السنّي في عمقه ودوره في معادلات التوازن الوطني.
ورغم كل ما سبق، لا يمكن القفز فوق حقيقة أنّ تعاطي مفتي الجمهورية مع فضيحة الشيخ خلدون عريمط و"أبو عمر" لم يكن على مستوى الحدث ولا بحجم ما فرضته خطورته وتعقيداته.
فغياب موقف حاسم وواضح، أو مبادرة استباقية تقطع الشك باليقين، ترك باب دار الفتوى مفتوحًا على مصراعيه أمام التأويلات والتحليلات والتساؤلات المشروعة. هذا الفراغ في المعالجة لم يخفّف من وطأة الاستهداف، بل ساهم في توسيع هامش الالتباس، وأتاح للخصوم والمرتابين على السواء الاستثمار في الصمت، ما جعل الأزمة تتجاوز بعدها العابر لتتحوّل إلى اختبار قاسٍ لهيبة المرجعية وقدرتها على إدارة الأزمات في لحظات مفصلية.
محمد المدني-ليبانون ديبايت
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|