الصحافة

الدولة الدرزية بين الوهم والواقع.. قراءة في التاريخ والتجاذبات الراهنة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن الحديث عن «الدولة الدرزية» يومًا نتاج ظرف عابر أو وليد لحظة سياسية آنية، بل هو مشروع قديم متجدّد، يُستدعى كلّما دخلت المنطقة مرحلة اهتزاز كبرى، وكلّما فُتحت أبواب التفتيت وإعادة رسم الخرائط على أسس طائفية وإثنية. وبين الماضي والحاضر، تتكرّر المحاولات وتتبدّل الأدوات، فيما يبقى الموقف الدرزي التاريخي ثابتًا في جوهره: رفض الانعزال، والتمسّك بالانتماء العربي الوطني.

جذور المشروع: حين يعيد التاريخ طرح الأسئلة نفسها

منذ الحملة النابليونية على المشرق، طُرحت أفكار عن كيان درزي منفصل، لكنها قوبلت برفض واضح من القيادات الدرزية التي أدركت مبكرًا أن أي كيان معزول سيكون ضعيفًا، قابلًا للاستخدام، ومجرّد أداة في مشاريع الآخرين.

وتكرّر المشهد خلال الانتداب الفرنسي مع إنشاء «دولة جبل الدروز» عام 1921، في سياق سياسة التفتيت التي اعتمدها الانتداب، غير أنّ هذه التجربة لم تصمد طويلًا، وسقطت عمليًا مع اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، وانتهت رسميًا عام 1936، لتؤكّد مجددًا أن الجبل لم يكن يومًا قابلًا للعزل أو الانفصال.

كمال جنبلاط: إسقاط المشروع في لحظته الأخطر

المحطة الأخطر في تاريخ هذا المشروع جاءت بعد حرب عام 1967، حين طُرح بجدّية مشروع إقامة «دولة درزية» برعاية إسرائيلية – أميركية، تضمّ دروز السويداء والجولان ولبنان، وتُقدَّم كحزام أمني يخدم المصالح الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة.

في تلك اللحظة المفصلية، برز الدور التاريخي للمعلم الشهيد كمال جنبلاط، الذي لم يتعامل مع المشروع كقضية درزية فحسب، بل كخطر استراتيجي على وحدة المشرق وعلى مستقبل العروبة. واجه جنبلاط المشروع سياسيًا وفكريًا، وفضح أبعاده التقسيمية، ورفض تحويل الدروز إلى «أقلية وظيفية» تُستَخدم عند الحاجة. وقد دفع ثمن هذا الموقف اغتيالًا، لكن فكره أسّس لقاعدة راسخة في الوعي الدرزي:

الانتماء الوطني هو الضمانة الوحيدة، أما الكيانات الطائفية فطريقها مسدود.

وليد جنبلاط: الاستمرارية في مواجهة التفتيت

لم يكن اغتيال كمال جنبلاط نهاية لهذا النهج، بل استمرّ عبر الزعيم الوطني وليد جنبلاط، الذي واجه في ثمانينات القرن الماضي محاولات إعادة إحياء المشروع نفسه بصيغ مختلفة، مستفيدًا من الحرب الأهلية اللبنانية والفوضى الإقليمية.

في تلك المرحلة، كان الموقف واضحًا وحاسمًا: إسقاط أي محاولة لعزل الدروز أو زجّهم في تحالفات مشبوهة، والتأكيد على أن أمن الطائفة لا يكون بالانفصال، بل بالاندماج في محيطها الوطني والعربي. وقد شكّل هذا الموقف عامل إحباط أساسي لأي تفكير جدّي بإحياء «الدولة الدرزية» آنذاك.

الموحدون الدروز في بلاد الشام: وعي جمعي راسخ

لم يكن إفشال هذه المشاريع حكرًا على القيادات السياسية وحدها، بل كان ثمرة وعي تاريخي جمعي لدى الموحدين المسلمين الدروز في بلاد الشام، الذين أدركوا عبر التجربة أن كل مشروع انعزالي يبدأ بشعار الحماية وينتهي بالعزلة والارتهان.

من جبل العرب إلى لبنان وفلسطين، حافظ الدروز على موقعهم الطبيعي كجزء أصيل من النسيج العربي، ورفضوا أن يكونوا ورقة تفاوض أو أداة في مشاريع خارجية، مهما كانت العناوين مغرية أو الظروف ضاغطة.

اليوم: إعادة إنتاج المشروع بأدوات جديدة

اليوم، يعود الحديث عن «حماية الدروز» و«الخصوصية الدرزية» في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تختلط المخاوف المشروعة بمشاريع سياسية خطرة، وتُستثمر الأزمات الداخلية لإعادة طرح أفكار قديمة بثوب جديد.

ومن دون الدخول في الاتهامات المباشرة، يمكن القول إن بعض الخطابات والممارسات الراهنة تسير، عن قصد أو عن غير قصد، في الاتجاه الذي لطالما سعت إليه إسرائيل: تفكيك المجتمعات من الداخل، ودفع الأقليات نحو خيارات تبدو إنقاذية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج العزلة وربط المصير بالخارج.

خاتمة: بين الوهم والواقع

لم يكن الدروز يومًا مشروع دولة، بل كانوا دائمًا جزءًا من مشروع وطن.

وفي كل محطة تاريخية، سقطت الدويلات وبقي الجبل، وسقطت الإغراءات وبقي الانتماء.

ما يُطرَح اليوم، تحت عناوين الحماية أو الخصوصية، ليس جديدًا في جوهره، بل هو إعادة تدوير لأفكار قديمة لفظها التاريخ مرارًا. والتجربة تقول إن العزلة لا تحمي، وإن الكيانات الصغيرة لا تصمد، وإن من يراهن على الخارج يخسر الداخل.

بين الخوف والوعي، يبقى الخيار أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا:

إما أن نكون جزءًا من أوطاننا، أو أوراقًا على طاولات الآخرين.

والتاريخ، لمن أراد أن يتعلّم، لا يرحم من يكرّر أخطاءه.

سليمان شيا- الأنباء

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا