"توقف عن التهديد".. رئيسة وزراء الدنمارك ترد على تصريحات ترامب حول غرينلاند
"لحظة الانكشاف التاريخي".. ما السيناريوهات لفنزويلا بعد مادورو؟
منذ إعلان مبدأ مونرو عام 1823، إعتبرت الولايات المتحدة أميركا اللاتينية مجالًا حيويًا لأمنها القومي، ورفضت أي نفوذ خارجي منافس لها داخل هذه الجغرافيا.
وفي هذا الإطار، احتلت فنزويلا موقعًا خاصًا في الحسابات الأميركية، ليس فقط لقربها الجغرافي من منطقة الكاريبي، بل أيضًا لامتلاكها أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، ما يجعلها عنصرًا مؤثرًا في معادلات الطاقة العالمية.
غير أن فنزويلا، خلال العقدين الأخيرين، تحولت من دولة نفطية مؤثرة إلى ساحة صراع جيوسياسي تعكس مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين وإيران من جهة أخرى.
وعليه، فإن ما جرى مع إعلان اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جوا خارج البلاد لا يمكن قراءته كحدث داخلي فقط، بل كلحظة انفجار لتراكمات سياسية واقتصادية واستراتيجية طويلة.
فنزويلا في الاستراتيجية الدولية: أكثر من نفط
بالنسبة لواشنطن، تمثل فنزويلا نموذجًا واضحًا لما تعتبره نظام معادٍ متحالف مع خصوم استراتيجيين، ويمتلك موارد طاقة هائلة خارج السيطرة الغربية.
لذلك، لم يكن الصراع الأميركي مع كراكاس محصورًا بإسقاط النظام، بل ارتبط بإعادة إدماج فنزويلا ضمن النظام الإقليمي الذي تقوده أميركا سياسيًا واقتصاديًا.
في المقابل، تعتبر روسيا إلى فنزويلا فرصة نادرة لكسر الاحتكار الأميركي لأميركا اللاتينية، وإرسال رسالة واضحة مفادها أن لواشنطن "حدودًا" في قدرتها على منع النفوذ الروسي عالميًا.
أما الصين، فقد تعاملت مع فنزويلا ببراغماتية: نفط مقابل قروض، واستثمارات مقابل نفوذ طويل الأمد بعيدًا عن الخطاب الأيديولوجي، لكن ضمن رؤية استراتيجية أوسع تتعلق بأمن الطاقة وتوسيع الحضور الصيني في الجنوب العالمي.
إيران، من جهتها، رأت في فنزويلا شريكًا سياسيًا واقتصاديًا في مواجهة العقوبات الغربية، ومنفذًا لتبادل الخبرات في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والصناعة، بما يخدم استراتيجية "كسر العزلة" المفروضة عليها.
ما بعد مادورو: الفراغ الخطر
داخليًا، يشكل اعتقال مادورو نقطة انكسار في بنية النظام السياسي الفنزويلي. فالسلطة التي تركزت لسنوات حول شخص الرئيس وشبكة معقدة من المصالح الحزبية والعسكرية والاقتصادية، تواجه الآن فراغًا مفاجئًا لا تملكه اي جهة بمفردها.
المعارضة، رغم حصولها على دعم دولي واسع، لا تزال تعاني من انقسامات بنيوية وضعف في القدرة التنظيمية، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على إدارة مرحلة انتقالية معقدة.
وفي المقابل، يبقى الجيش اللاعب الحاسم: فإذا ما اختار دعم انتقال سياسي منظم، يمكن تجنب الفوضى، أما إذا انقسم أو دخل في صراع داخلي، فالبلاد قد تنزلق بسرعة إلى سيناريو عدم الاستقرار الشامل.
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تفكك السلطة المركزية، حيث تتنافس مراكز قوة سياسية وعسكرية على إدارة الدولة، في ظل اقتصاد منهك ومجتمع يعاني من أزمات معيشية خانقة. عندها، قد تتحول الاحتجاجات الاجتماعية إلى مواجهات مفتوحة، وتتوسع رقعة العنف، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق الحدودية.
وفي هذا السياق، يبرز خطر موجات نزوح جديدة نحو دول الجوار وباتجاه الولايات المتحدة نفسها ما سيحوّل الأزمة الفنزويلية إلى عبء إقليمي ودولي.
البعد الدولي: إدارة الأزمة لا حلّها
على المستوى الدولي، ستسعى الولايات المتحدة إلى توظيف اللحظة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في فنزويلا بما ينسجم مع رؤيتها، سواء عبر دعم حكومة انتقالية أو عبر إعادة هندسة قطاع الطاقة.
في المقابل، ستعمل روسيا والصين على حماية مصالحهما الاقتصادية ومنع خسارة استثمارات ضخمة، ما قد يفرض نوعًا من التوازن القلق داخل المرحلة الانتقالية.
أما دول أميركا اللاتينية، فهي تنظر إلى المشهد من زاوية الاستقرار الإقليمي، وتخشى أن يؤدي أي تصعيد إلى فوضى ممتدة عبر الحدود. لذلك، قد تدفع باتجاه تسوية سياسية تُدار جزئيًا من الخارج، وتضمن حدًا أدنى من الاستقرار، حتى وإن كان هشًا.
النفط وأسواق الطاقة: العامل الحاسم
إعتقال مادورو قد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في أسعار النفط نتيجة، لكن على المدى المتوسط، قد تتجه الحكومة الانتقالية إلى فتح قطاع الطاقة أمام الشركات الأجنبية، ما يعيد تدريجيًا الإنتاج الفنزويلي إلى الأسواق العالمية، ويخفف الضغط عن الأسعار.
غير أن هذا السيناريو مشروط بوجود استقرار سياسي وأمني، وبقدرة الدولة على إعادة تأهيل بنيتها النفطية المتدهورة، وهو أمر لن يتحقق بسرعة.
ختامًا، فنزويلا أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تدخل مسارًا انتقاليًا معقدًا، أو أن تنزلق إلى فوضى طويلة الأمد تُفقد الدولة قدرتها على التعافي وبين هذين الخيارين تتقاطع حسابات الجيش والمعارضة والشعب، مع رهانات القوى الدولية الكبرى.
وما سيحدث في فنزويلا لن يحدد مصير دولة نفطية فحسب، بل سيعكس أيضًا شكل النظام الدولي المتشكل، وحدود القوة الأميركية، وقدرة الخصوم على فرض حضورهم داخل أكثر مناطق النفوذ حساسية في العالم.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|