الصحافة

وضع لبنان أمام مسؤوليّاته… في مواجهة إسرائيل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا معنى للقرار الذي اتّخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة بالتمديد للقوّة الدوليّة في جنوب لبنان مرّة أخيرة، سوى وضع لبنان في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. سيكون سؤال المرحلة المقبلة، مرحلة الإعداد لانسحاب القوّة الدولية من جنوب لبنان: ما طبيعة العلاقة التي ستربط لبنان بإسرائيل في غياب القوّة الدولية التي كانت بمنزلة وسيط بين البلدين وذريعة لتفادي المفاوضات المباشرة؟

كان مفروضاً على لبنان تفادي مثل هذه المفاوضات المباشرة، وذلك كي يكون هناك من يتفاوض باسمه. مَن تفاوض مِن أجل رسم الحدود البحريّة مع إسرائيل، على حساب لبنان كان إيران. كان عهد ميشال عون – جبران باسيل بمنزلة عهد “الحزب”.

هرب لبنان طويلاً من هذا الاستحقاق، استحقاق التعاطي بطريقة أو بأخرى مع إسرائيل.  سيتوجّب عليه التعاطي مع هذا الاستحقاق القديم – الجديد عاجلاً أم آجلاً في حال كانت لديه رغبة في استعادة قراره السياسي المستقلّ. هذا القرار الذي فقده تدريجاً، انطلاقاً من الجنوب، عندما أُجبر البلد على توقيع اتّفاق القاهرة المشؤوم في تشرين الثاني من عام 1969. وقتذاك، تخلّى لبنان، بموجب الاتّفاق، عن سيادته على جزء من أرضه من أجل تمكين “الفدائيّين” الفلسطينيّين من شنّ هجمات على إسرائيل.

تحمّل المسؤوليّة بدل الهرب

لم تستطِع القوّة الدوليّة (UNIFIL) تجاوز دور الوسيط بعدما عمل المسلّحون الفلسطينيون حتّى عام 1982 كلّ ما في قدرتهم عمله من أجل منعها من تأدية المهمّة التي جاءت من أجلها. في مرحلة لاحقة، جاء دور “الحزب” الذي قيّد تحرّكات الجنود الدوليّين. لا يزال “الحزب”، إلى يومنا هذا، يفعل ذلك عن طريق “الأهالي” بغية تأكيد أنّ جنوب لبنان، بل لبنان كلّه لا يزال ورقة إيرانيّة لا أكثر.

لم تؤدِّ هذه القوّة المهمّة التي وُجدت من أجلها، لا في المرحلة التي انتشرت فيها في جنوب لبنان في عام  1978 ولا في مرحلة ما بعد تعزيزها في ضوء صدور القرار الرقم 1701 إثر حرب صيف 2006.

كلّ ما في الأمر أنّه بات على لبنان تحمّل مسؤوليّاته بدل الهرب منها وبدل أن يكون الجنوب صندوق بريد بين منظّمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ثمّ بين سوريا وإسرائيل… ثمّ بين إيران وإسرائيل كما كانت عليه الحال قبل شنّ “الحزب”، بصفة كونه أداة إيرانيّة معتمَدة، “حرب إسناد غزّة” في الثامن من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023.

وضعت إدارة دونالد ترامب، التي أصرّت على إنهاء مهمّة القوّة الدوليّة ابتداء من نهاية 2026، لبنان أمام مسؤوليّاته. لم يعُد لبنان يستطيع الهرب من هذه المسؤوليّات طويلاً، خصوصاً أنّ الأحداث كشفت أن لا فائدة تُذكر من استمرار وجود القوّة الدوليّة معزّزةً أو غير معزّزة ما دامت هناك قوى أمر واقع على أرض الجنوب.

كانت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، في عام 1983، المحاولة الوحيدة التي بذلها لبنان من أجل استعادة المبادرة في الجنوب من جهة، وعلى الصعيد الوطنيّ من جهة أخرى. تُوّجت هذه المحاولة بالتوصّل إلى اتّفاق 17 أيّار في عهد الرئيس أمين الجميّل. سقط الاتّفاق، الذي سيندم اللبنانيون عليه طويلاً، تحت ضغط الشارع والسلاح على الرغم من موافقة مجلس النوّاب عليه. لن  يتمكّن لبنان يوماً من الحصول على أفضل من اتّفاق 17 أيّار. في الواقع، كانت هناك حرب سوريّة على الاتّفاق بدعم من الاتّحاد السوفيتي، وكانت هناك لامبالاة إسرائيلية ببقاء الاتّفاق أو سقوطه. يؤكّد ذلك ربط الدولة العبريّة الانسحاب من جنوب لبنان عسكريّاً بالانسحاب السوريّ من الأراضي اللبنانيّة. عمليّاً، كان هناك تفاهم في العمق بين إسرائيل وحافظ الأسد في ما يخصّ أيّ اتّفاق يتعلّق بلبنان وجنوبه.

مرحلة التّذاكي انتهت

الأهمّ من ذلك كلّه، كانت هناك سياسة أميركيّة متذبذبة لم تأخذ في الاعتبار غير ما تريده إسرائيل التي تخلّت عن أهدافها في لبنان في ضوء اغتيال رئيس الجمهوريّة بشير الجميّل في 14 أيلول 1982. ركّزت إدارة دونالد ريغان في عام 1982 على إعادة الحياة إلى لبنان. ما لبثت أن انسحبت منه ولم تعُد لديها سياسة لبنانيّة، خصوصاً مع نسف سفارتها في بيروت في نيسان 1983 ثمّ تفجير مقرّ المارينز حيث قُتل 245 عسكريّاً أميركيّاً قرب مطار بيروت في 23 تشرين الأول  من تلك السنة.

واهم من يعتقد في النصف الثاني من 2025 أنّ في استطاعة الإدارة الأميركيّة الضغط على إسرائيل. إذا أكّدت حرب غزّة شيئاً، فهو أنّ مثل هذا الضغط غير وارد. كان المبعوث الأميركي توم بارّاك صادقاً في كلّ كلمة قالها عندما كشف أن لا انسحاب إسرائيليّاً من جنوب لبنان، ولا شيء آخر، قبل الانتهاء من نزع سلاح “الحزب”. هذا ما أكّده أيضاً السناتور النافذ ليندسي غراهام الذي كان في بيروت مع الوفد الأميركي الذي زار لبنان أخيراً. لم يكذب بارّاك على اللبنانيّين الذين كانوا يتوهّمون أن لا ثمن يتوجّب دفعه في ضوء هزيمة “الحزب” أمام إسرائيل والتغيير الذي شهدته سوريا. على العكس من ذلك، حاول بارّاك مع السناتور ليندسي ومورغان أورتاغوس إفهام اللبنانيّين من كبيرهم إلى صغيرهم أنّ مرحلة التذاكي انتهت إلى غير رجعة مثل مرحلة سيطرة العلويّين على سوريا.

ليس قرار سحب القوّة الدولية من جنوب لبنان سوى عنوان لمرحلة جديدة على الصعيدين اللبناني والإقليمي. تحتاج هذه المرحلة إلى التخلّي عن سياسة التذاكي من جهة، وفهم حقيقة الموقف الأميركي من جهة أخرى. أقصى ما تستطيع أميركا عمله هو مساعدة اللبنانيّين في حال قرّر هؤلاء مساعدة أنفسهم أوّلاً. يبدأ ذلك بالاعتراف بأنّ 17 أيّار يمثّل الاتّفاق الذي يُفترض أن يحلم به البلد مجدّداً في حال كان يريد انسحاباً إسرائيليّاً مشروطاً… في طبيعة الحال!

خير الله خير الله - أساس

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا