تتحرّك داخليًا رهن إشارة “الحزب”… ما هو دور “سرايا المقاومة” اليوم؟
هي “سرايا المقاومة”، التي تُطفئ – إذا أعطتها التطورات العُمر – شمعتها الثلاثين بعد سنتَيْن. عُمْر. أرادها سيّد حزب الله حسن نصر الله أن تكون حيث يُريد “الحزب” أن تكون. كانت في السابع من أيار 2008 في بيروت، وكانت في حزيران عام 2013 في أحداث عبرا، وحضرت في أحداث جبل محسن والتبّانة في طرابلس، ورأيناها في الجرود، في القاع وراس بعلبك… هي قِنَاعُ الحزب في كل مكان. هي في كل مكان يريد أن يتغلغل فيه “الحزب” ويضرب “عدوّه” باسم الطوائف الأخرى. فما حال سرايا المقاومة اليوم؟ هل ما زالت حاضرة، مستعدّة، متهيئة، متأهبة؟ هل صحيح أن “الحزب” أعاد هيكلتها لتؤدي دورها ويصبح الدفاع عن سلاحه “مُحلّلًا” في كل المناطق بحجّة أنه سلاح السنّة والمسيحيين والدروز والشيعة، أم أن الأصحّ هو ما مازحنا به وزير سابق قائلًا: بلا سرايا بلا بطيخ؟
حرب أو لا حرب؟ اغتيال؟ توتّرات؟ المشهد الأمني في البلاد ملبّد بسوادٍ، والتحليلات تكاد لا تتوقف، يدخل على خطّها كل العرّافين والبصّارين في البلد. لكن، لأن ليس كل ما يُقال يُصدّق، والتحذير من “معركة كربلائية” جديدة في خطابٍ غير عقلاني دفع الكثيرين إلى السؤال: ماذا يُخبئ “الحزب”؟ وهل الكلام عن إعادة هيكلة سرايا المقاومة يدخل في تكتيكه الكربلائي ليشمل حراك “الحزب” – إن تحرّك – كل لبنان بكل طوائفه؟
يوم أطلق السيّد حسن “السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال” أراد بها أن تلعب دور “الصيغة المتطوّرة للمقاومة الإسلامية”. أراد يومها أنّ يستخدمها في توسيع نطاق عمل المقاومة، معتبرًا “أن حزبه سيستفيد من إلحاح الكثير من الشباب اللبناني، من مختلف الطوائف والانتماءات والتيارات للمشاركة في أعمال المقاومة، وسنحاول الاستفادة من هؤلاء الشرفاء المقاومين في الأماكن والمواقع المناسبة”. قال يومها السيد حسن ما قال. تبدّلت مسائل كثيرة في ثلاثين عامًا. وها هو “الحزب” المستوحد اليوم في أمَس الحاجة إلى القول: أنا لست وحيدًا. بيتي شيعية و… سنية ومسيحية ودرزية. فهل هو قادر على ترجمة نظريته من “سرايا المقاومة” في هذه اللحظات الحاسمة؟
فلنذهب إلى طرابلس. هناك، حصّن الحزب نفسه من خلال ما سمّي بسرايا المقاومة. أشرف ريفي الذي أعلن ذات يوم “أنّ حزب الله يُنشئ جيشًا مؤلّفًا من 80 في المئة من السنّة و20 في المئة من المسيحيين، يدرّبهم في إيران لا في معسكراته في البقاع، لإسقاط مناطقنا”. فهل حان أوان أن يُترجم الحزب اليوم ما استعدّ له “أيام الشدّة”؟ يجيب ريفي بحسم: “سرايا المقاومة، أيام الزخم المعطى لها والسلاح والمال، لم تتمكّن من تنفيذ مآربها في المناطق السنيّة ولا الدرزية ولا المسيحية. هؤلاء، من انضووا في سرايا المقاومة، مرتزقة وليسوا مقاومين. انخرطوا من أجل المال، والتمويل اليوم تراجع. المشروع الإيراني ضُرب. وما حصل في سوريا جعلهم يعيدون حساباتهم. هم يختبئون اليوم، والجيش يتنبّه لأي محاولة تخريب يقومون بها. وهو داهمهم منذ يومين في طرابلس. هؤلاء شبه انتهوا. حتى أنّهم باتوا يخجلون من التعريف عن أنفسهم. أيام عزّهم فشلوا وكسرناهم، وبيئتهم تنبذهم”.
لكن، أليس في كلام أشرف ريفي الكثير من التفاؤل؟ ألم يلعب هؤلاء الدور المطلوب في اللحظات الحرجة التي احتاج فيها الحزب ذراعًا؟ واليوم، قد يُكرّرون ذلك على قاعدة: “يا قاتل يا مقتول، تحت مسمّيات مختلفة؟”، يجيب ريفي: “في ذروة قوة حزب الله لم تستطع سراياه خرق بيئتنا، وأي صيغة سيعتمدونها اليوم ستكون مرفوضة ويسهل علينا السيطرة عليها”. لكن، هناك من يتحدّث عن إمكانية تحريك الشارع وتنفيذ اغتيالات و… يقاطعنا ريفي بالقول: “هؤلاء ليسوا “مؤهلين” لتنفيذ اغتيالات، غير مهيئين لذلك، بل دورهم القيام بـ”بزعرنات” وتشويش. وهم ‘لا يخيفوننا'”.
ممتاز. طرابلس لا تخاف من أي تحركات قد يقوم بها عند حاجة “ذراع” ما. لكن، هل حزب التحرير واثق أيضًا من ذلك؟ يجيب المسؤول فيه الشيخ محمد ابراهيم: “صحيح خفّ زخم سرايا المقاومة كثيرًا، وفقد عناصرها أي تعاطف أو قبول في البيئة السنّية، لكن هذا ليس معناه أنّهم انتهوا. ما زالوا حاضرين لأن ما بقي من الدولة العميقة التي شُكّلت على مدار عقود في لبنان ما زالت بحاجة إليهم. ويمكنهم القيام بخللٍ أمنيّ بسهولة، لكنّهم، أجزم، في وضع غير مرتاح أبدًا. حتّى الشيخ بلال الشعبان أصبح في وضع حرج لأن الناس تعرف ولاءه وأعماله ولن يتجرّأ على القيام بأي حراك إذا صدر أمر إيراني بذلك. لكن، تبقى الخشية من مجموعاتٍ معروفةٍ لدينا يمكنها أن توتّر الأجواء، بينها شبيحة بيت الموري وبيت حسون وبيت كمال الخير… كلّها مجموعات نعرفها وعيون الجميع عليها “عشرة عشرة” كي لا تتخيّل أنّها قادرة على ارتكاب حوادث أمنية أو اغتيالات. نحن نضع في حسابنا أنّ “الحزب” قد يخطر في باله في لحظة ما محاولة إسقاط الحكومة، عمدًا إلى تشغيل المناطق الأخرى المختلفة بأناس منضوين في السرايا ومحسوبين عليه. هذا مستبعد، لكن كل الاحتمالات تبقى واردة. وأعتقد ما ينتظرنا يتعلق بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية وليس بإرادة حزب الله”.
هناك همس كثير عن لحظة قد يتناول فيها حزب الله السلاح (بأمر إيراني) مقابل المثالثة في السلطة. ولعلّ سرايا المقاومة ستبقى – حتى إشعار آخر – الذراع، لكن المعطّلة. إنّها القناع، لكن غير الشفّاف. وهي ستظلّ على مقعد الاحتياط إلى أن تصدر الكلمة الفصل من إيران.
كل شيء مرجّح حتى إشعار آخر. والثابت بين كلّ الترجيحات أنّ أي ضوء أخضر يُحّرك الأدوات في الداخل اللبناني تجاه الجيش اللبناني أو الحكومة والدولة اللبنانية معناه الانفجار وخربان البلد.
بعيدًا عن الشارع الطرابلسي، ماذا عن حال “سرايا المقاومة” في بلدات مسمّاة درزية أو مسيحيّة أو حتى بين البيارتة أنفسهم من كل الطوائف؟
لا شكّ أن “الحزب” يضع أمامه، على الطاولة، وهو يراجع خططه “بالنسبة لبكرا شو”، ورقة “سرايا المقاومة”. لهذا، يُبقي مسيحيًا على تودّده تجاه التيار الوطني الحرّ، حتى ولو سمع من جبران باسيل كلامًا من نوع: أنّ وظيفة سلاح حزب الله الردعية سقطت. يسمع “الحزب” ويطنّش. يسمع ما لا يعجبه من شريكه المسيحي فيزور الرابية ساعيًا لإبقاء تفاهمٍ يتضاءل. هو يحاول لدى بعض المسيحيين، لكن الأكيد ألا خبز لا للحزب ولا لسرايا الحزب في المنطقة المسيحية. تبدّلت أمور كثيرة “على الأرض”، وما عادت سيمفونية المقاومة تُدغدغ أهل بيئة المقاومة نفسها. فكيف ببيئاتٍ أخرى؟
سرايا المقاومة، التي حُدّدت مهامّها في نشأتها واسمها بـ”سرايا المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي”، لم تُطبّق “المفهوم” المعطى لها علنًا حتى في عزّ المواجهة مع إسرائيل. دورها استمرّ داخليًا، بين لبنانيين ولبنانيين، في مواجهة الشيخ أحمد الأسير مثلًا في عبرا، وفي الجرود، قبالة القاع وراس بعلبك، يوم أعلنت الأحزاب المسيحية أنّ رأسمالها هو الجيش اللبناني وحده، قام حزب الله بتجنيد شباب مسيحي تحت مسمّى “سرايا المقاومة”، مزوّدًا إيّاهم بالسلاح والمال: كلاشينكوفات وأم4 وكلاشينات. حصل ذلك في وقتٍ كان شباب البلدتين المسيحيتين المنتمين إلى من يثقون بالدولة وبمؤسّساتها العسكرية مؤمنين جدًا بأنهم سيبقون خاصرة الجيش القوية. هذا كان الصراع دائمًا بين مَن قرروا الانتماء إلى مفهوم الدولة وبين سواهم.
ماذا نفهم من كل هذا؟ سرايا المقاومة تبقى اليوم مشروع “الحزب” في تحريك البيئات اللبنانية كلها، لكنّ السؤال، هل ما زال هؤلاء الشبان رهن إشارة الحزب في كلّ مرة يحتاج إلى غطاء داخلي؟ الأيام المقبلة ستفشي طبيعة الأرض.
نوال نصر -”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|