مع اقتراب الشتاء... أوكرانيا تحذّر من ضربات روسية جديدة على قطاع الطاقة
من يقوم بترهيب المطارات الأوروبية؟
تشهد دول القارة الأوروبية اليوم، بينها فرنسا وتشيكيا وبولندا… كما شهدت البارحة موجات متكررة من الاستنفار الأمني المربك، تمثلت في بلاغات وإنذارات بوجود قنابل استهدفت عشرات الطائرات المدنية والمطارات الحيوية، بينها 27 انذاراً لطائرة بالأمس وحده!
وهو ما أدى ويؤدي إلى إغلاق مؤقت لمرافق جوية وتحويل مسارات رحلات ونشر طائرات مقاتلة للمواكبة!
هذه الهزات الأمنية المتتالية أعادت طرح السؤال على طاولة الأجهزة الأمنية والتحليلات السياسية: من يقف خلف هذه العمليات؟
هل هي خلايا إرهابية تقليدية عابرة للحدود، أم تقف خلفها دول بعينها مثل إيران في صراعها المفتوح مع العواصم الأوروبية؟ أو دولة أخرى؟
*أولاً: فرضية المجموعات الإرهابية: تهديد تقليدي أو فاعلون جدد*
تتوجه الأذهان للوهلة الأولى عند سماع بلاغات القنابل وتعطيل المطارات تلقائياً نحو التنظيمات الإرهابية الكلاسيكية، مثل تنظيم القاعدة أو داعش وفروعهما و”أخواتهما”!
أو حتى نحو جماعات التطرف المحلية الإسلامية، أو اليمين المتطرف الأوروبي الساعي لإشاعة الفوضى.
ويبرز أيضاً اسم منظمة “دولة الذكور” الروسية في إطار هذه التهديدات مع رسائل تهديد موقعة من “مقاتلي دولة الذكور”!
وقد يكون في طبيعة التكتيك إرسال الإنذارات الكاذبة أو التهديدات عبر البريد الإلكتروني أو الاتصالات الهاتفية المجهولة.
وهو أسلوب رخيص التكلفة، ولكنه باهظ الأثر اقتصادياً ونفسياً!
ويستنزف هذا النوع من التهديدات الموارد الأمنية الأوروبية. وهويضرب قطاع الطيران في مقتل، من دون الحاجة لتنفيذ عملية إرهابية فعلية!
وعلى الرغم من قدرة هذه الجماعات على إثارة الفوضى، إلا أن التوقيت المتزامن، والتنسيق الواسع، واستهداف شبكات طيران معقدة ومتعددة الجنسيات في توقيتات دقيقة، يوحي أحياناً بوجود “عقل مبرمج” أو استخبارات دولة تمتلك قدرات حرب نفسية وسيبرانية متطورة تتجاوز إمكانيات الخلايا الإرهابية التقليدية المعزولة.
*ثانياً: فرضية الدولة الإيرانية*
في مقابل المنظمات الإرهابية، يتصاعد اسم إيران بشكل متكرر في كواليس الاستخبارات الغربية عند الحديث عن العمليات الهجينة وأمن البنى التحتية الأوروبية.
وقد بلغ التوتر الدبلوماسي والأمني ذروته إثر إقرار الاتحاد الأوروبي خطوات متتالية لتصنيف “الحرس الثوري الإيراني” كمنظمة إرهابية، وما قابله من ردود فعل تصعيدية إيرانية شملت تصنيف الجيوش الأوروبية كجهات إرهابية متبادلة.
وتتهم تقارير استخباراتية غربية طهران بالاعتماد على شبكات استخباراتية أو مجموعات موالية لها لتنفيذ عمليات هجينة في عمق القارة الأوروبية، تهدف إلى الرد على العقوبات الأوروبية القاسية والضغوط الدبلوماسية.
وتعود الذاكرة الى محاولة القيام بعملية ضد قاعدة فيرفود البريطانية، والى تهديد القواعد الأميركية في ألمانيا مؤخراً!
إن إرباك المطارات الأوروبية يمكن أن يمثل ورقة ضغط سياسية واقتصادية غير مباشرة؛
إذ يمكن أن يهدف إلى إيصال رسالة واضحة للعواصم الأوروبية مفادها أن أمنها القومي، واقتصادها المرتبط بحركة الملاحة الجوية، ليسا بمنأى عن التداعيات، في حال استمرار سياسة المواجهة وتضييق الخناق على طهران.
*ثالثاً: ما هي الغاية من وراء هذه العمليات؟*
سواء كانت الجهة المنفذة مجموعة إرهابية راديكالية أم أذرع تابعة لدول إقليمية، فإن الأهداف الاستراتيجية لترهيب مطارات أوروبا تتلخص في النقاط التالية:
*1 – الاستنزاف الاقتصادي والنفسي للأوروبيين!*
إن قطاع الطيران الأوروبي حساس للغاية؛
فأي شلل مؤقت أو إنذار كاذب يكبد شركات الطيران والمطارات خسائر مادية طائلة، ويبث حالة من الهلع والتوتر في الشارع الأوروبي.
*2 – الرسائل السياسية المبطنة*
في خضم المعارك الدبلوماسية والقرارات العقوباتية المتبادلة، مثل ملف الحرس الثوري الإيراني والملف النووي، تُستخدم هذه الأوراق لخلط الأوراق وإجبار الحكومات الأوروبية على إعادة حساباتها الأمنية وتخفيف حدة الضغط.
*3 – اختبار الجاهزية الأمنية*
تسعى الجهات التخريبية أو المعادية باستمرار إلى قياس سرعة استجابة الأنظمة الأمنية الأوروبية، وتحديد الثغرات في منظومات التفتيش وحماية الطيران المدني.
*رابعاً: من له مصلحة بذلك؟*
*1 – المصلحة الإرهابية المتطرفة*
تسعى التنظيمات المتشددة دائماً لإثبات حضورها، وإحراج الأنظمة الغربية، وإثبات أن الحدود والأجهزة الأمنية الأوروبية عاجزة عن حماية مواطنيها حتى في أكثر الأماكن تحصيناً.
*2 – مصلحة “الردع” الإيرانية*
لم تخف إيران إرادتها الى نقل الحرب مع الأميركيين والاسرائيليين الى ما بعد بعد المنطقة، و”بلا حدود جغرافية”، مع استهداف للقواعد العسكرية الأميركية والحليفة لها!
فإذا ثبت تورط أطراف مرتبطة بطهران أو وكلائها، فإن مصلحتها تكمن في تطبيق عقيدة “الردع غير المباشر”، ونقل ساحة الضغط إلى العقر الأوروبي، لإثناء حكومات الاتحاد عن المضي قدماً في سياسات العزل والملاحقة والدعم لأميركا!
*أطراف ثالثة مستفيدة مع نظرية الفوضى الخلاقة*
لا يمكن استبعاد وجود جهات أو أطراف إقليمية أخرى تسعى لتأجيج الصراع الأوروبي – الإيراني عبر تنفيذ عمليات تحت “راية زائفة” لتورط أطراف معينة وتأليب الرأي العام العالمي ضدها.
ولا يمكن أيضاً استبعاد الحرب الروسية – الأوروبية غير المباشرة، مع مشاركة الأوروبيين في الحرب ضد روسيا، الى جانب أوكرانيا!
*لغز من بين ألغاز أخرى مقبلة!*
يبقى ترهيب مطارات أوروبا لغزاً معقداً تتحرك تحته شبكة من التقاطعات الاستخباراتية والسياسية.
وسواء كانت الأدوات مستخدمة بأيدي جماعات إرهابية، أو عبر أدوات حروب هجينة تدار من قبل دول مثل إيران، فإن “الموت واحد” والنتيجة واحدة!
وكأنه لا يكفي أوروبا ما واجهته من سلسلة أزمات، من الكوفيد الى الضرائب الجمركية، ومن الحرب الروسية – الأوكرانية الى الحرب الأميركية – الايرانية، الى إقفال مضيق هرمز. ومن الديون العامة المرهقة، والتضخم، وارتفاع أسعار النفط والوقود، وصولاً الى التظاهرات التي تحولت من أزمات مالية اجتماعية الى أزمات أمنية… تأتي هذه الإنذارات للطائرات لتربك أوروبا وتدب الذعر في أذهان المسافرين!
والأخطر، أنها تبدو خطوة أولى في سلسلة خطوات لاحقة، كونها عملية منظمة مع آلية وأهداف واضحة!
وهو ما يعني أن أوروبا تواجه اختباراً حقيقياً لصلابة أمنها القومي واستقرار بنيتها التحتية الحيوية!
وهو ما يحتم عليها تجاوز المقاربات الأمنية التقليدية، والتعامل مع التهديدات الحديثة بمنهجية أكثر تقنية وأكثر جدية!
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|