الصحافة

الاتّفاق أقرب… من الحرب؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

الإيجابيّة في المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة لا تزال غير كافية لإنتاج اتّفاق. ففيما يبحث الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن انتصار نوويّ، تخشى الدبلوماسيّة العربيّة أن يدفع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو نحو الحرب. أمّا لبنان فقد يكون جزءاً من التسوية، لكن بشروط لا تحدّدها طهران وواشنطن وحدهما.

لم تصل المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة إلى مرحلة يمكن معها الحديث عن اتّفاق مكتمل، لكنّها تجاوزت بعض العقبات التي كانت تحول دون الدخول في تفاوض جدّيّ. فالوساطة القطريّة، وفق مصادر دبلوماسيّة مواكِبة للمفاوضات، نجحت في تقليص الشروط الشكليّة التي وضعها الطرفان، وفتحت المجال أمام مكاشفة أكثر مباشرة بالمطالب الأميركيّة والإيرانيّة. إلّا أنّ هذه الانفراجة لا تزال غير كافية لحسم المسار، خصوصاً أنّ ما يجري التفاوض عليه لا يتعلّق بالبرنامج النوويّ وحده، بل بمجمل التوازنات الإقليميّة التي يمكن أن تنتج عن أيّ اتّفاق.

عليه، لا يبدو السؤال اليوم محصوراً بإمكان التوصّل إلى تسوية بين واشنطن وطهران، بل بما إذا كانت هذه التسوية قادرة على منع الحرب، أو أنّها قد تتحوّل إلى أحد أسباب تسريعها، في ظلّ حسابات إسرائيليّة مختلفة عن الحسابات الأميركيّة، وتخوّف عربيّ متزايد من انعكاسات أيّ مواجهة جديدة على المنطقة.

النّوويّ: انتصار ترامب أم مكسب إيران؟

تتحدّث المصادر الدبلوماسيّة عن تمهيد لقبول أميركيّ بعدم وضع الملفّ النوويّ شرطاً مسبقاً للتفاوض، وإدراجه ضمن مجمل البنود المطروحة في المحادثات. ويعكس هذا التحوّل، في حال تثبيته، انتقالاً من التفاوض على شروط بدء التفاوض إلى البحث في مضمون التسوية نفسها.

لكنّ وضع الملفّ النوويّ ضمن سلّة أوسع لا يلغي موقعه المركزيّ في حسابات الطرفين. فبالنسبة إلى إيران، يمثّل البرنامج النوويّ إحدى أهمّ أوراقها الاستراتيجيّة والتفاوضيّة، فيما يستطيع دونالد ترامب أن يحوّل أيّ تنازل إيرانيّ جوهريّ فيه إلى انتصار سياسيّ يقدّمه للأميركيّين، وربّما إلى إنجاز يتجاوز به الاتّفاق الذي انسحب منه خلال ولايته الأولى.

انطلاقاً من هذا المعطى، يمكن قراءة احتمال المرونة الأميركيّة في بعض الملفّات الأخرى. فإذا حصل ترامب على تنازل نوويّ يعتبره كافياً لإعلان نجاحه، فقد يصبح أكثر استعداداً لمناقشة مطالب إيرانيّة تتعلّق بالعقوبات أو بالترتيبات الإقليميّة أو بموقع طهران في المنطقة.

إلّا أنّ هذا الاحتمال يبقى مرتبطاً بطبيعة التنازل النوويّ وحدود المطالب الأميركيّة الأخرى، وخصوصاً ما يتعلّق بالقدرات الصاروخيّة والنفوذ الإقليميّ. فالاتّفاق على منع إيران من امتلاك سلاح نوويّ لا يعني بالضرورة الاتّفاق على كيفيّة التعامل مع حلفائها، ولا على مستقبل نفوذها في الدول التي بنت فيها حضوراً سياسيّاً وعسكريّاً خلال العقود الماضية.

هنا ستُطرح الإشكاليّة الأكثر تعقيداً. قد يتّفق الأميركيّون والإيرانيّون على ما يعتبره كلّ منهما مكسباً، لكنّ هذا الاتّفاق لا يضمن موافقة إسرائيل على نتائجه.

نتنياهو وترامب: الخوف من اتّفاق لا من فشله فقط

تخشى أوساط دبلوماسيّة عربيّة أن ينعكس مضمون المحادثة بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب سلباً على مسار التفاوض، وأن ينجح رئيس الوزراء الإسرائيليّ في دفع الإدارة الأميركيّة نحو مزيد من التشدّد، أو حتّى نحو الخيار العسكريّ.

لا تنفصل هذه المخاوف عن الحسابات الداخليّة لنتنياهو، الذي قد يجد في المواجهة الإقليميّة فرصة لتحقيق أهداف سياسيّة وأمنيّة لا يضمنها له اتّفاق أميركيّ إيرانيّ. فإسرائيل لا تقيس نجاح التفاوض بحجم التنازلات النوويّة التي تحصل عليها واشنطن وحدها. ما يعنيها أيضاً هو مستقبل الصواريخ الإيرانيّة، والقدرات العسكريّة للحلفاء الإقليميّين لطهران، وإمكان إعادة بناء هذه القدرات بعد رفع العقوبات أو تخفيفها.

وبالتالي قد تكون المشكلة بالنسبة إلى نتنياهو في نجاح المفاوضات، وليس في فشلها. فأيّ اتّفاق يقيّد البرنامج النوويّ الإيرانيّ، لكنّه يترك لطهران هوامش قوّة تهدّد المصالح الإسرائيليّة، لن يكون بالضرورة اتّفاقاً يقبله نتنياهو.

وعليه، فإنّ التخوّف العربيّ من دفع نتنياهو نحو الحرب لا يقوم فقط على احتمال انهيار المحادثات، بل أيضاً على احتمال أن يسعى إلى فرض وقائع عسكريّة جديدة قبل الوصول إلى اتّفاق لا يلبّي شروطه.

لبنان: هل يكون جزءاً من الصّفقة؟

بحسب مصادر دبلوماسيّة، لا يعني أيّ اتّفاق أميركيّ إيرانيّ بالضرورة أن تمتدّ تسويته إلى لبنان، ولا أن يُضمن بموجبها بقاء سلاح “الحزب”. في المقابل، لا يمكن استبعاد أن يكون لبنان جزءاً من تفاهم إقليميّ أوسع يقوم على إعادة تعريف دور “الحزب” وموقعه في المعادلة اللبنانيّة.

من بين الاحتمالات التي يمكن أن تُطرح نزع السلاح الثقيل لـ”الحزب” أو تفكيك قدراته العسكريّة التي تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً، مقابل الإبقاء على دوره السياسيّ داخل المؤسّسات اللبنانيّة، بما يسمح لإيران بالاحتفاظ بشكل من أشكال النفوذ غير العسكريّ.

لكنّ هذا السيناريو يطرح إشكاليّتين أساسيّتين:

الأولى تتعلّق بإيران و”الحزب” نفسه. فهل يمكن لطهران أن تقبل بتحويل أحد أبرز حلفائها العسكريّين إلى قوّة سياسيّة منزوعة القدرات الاستراتيجيّة؟
أمّا الإشكاليّة الثانية، وربّما الأكثر حسماً، فتتعلّق بإسرائيل لأنّه حتّى لو وافقت إيران على تسوية من هذا النوع، فإنّ نجاحها يفترض قبولاً إسرائيليّاً بحدودها ونتائجها. وإسرائيل بحسب المعطى الدبلوماسيّ لا تكتفي فقط بنزع السلاح الثقيل، بل تطالب بتفكيك البنية العسكريّة لـ”الحزب” ومنع إعادة تسلّحه وفق ترتيبات أمنيّة تمنحها قدرة مباشرة على التحقّق من تنفيذ الاتّفاق.
وعليه، لا يكفي أن تتّفق واشنطن وطهران على صيغة لبنانيّة ما لم تكن هذه الصيغة مقبولة إسرائيليّاً، لا سيما أنّ الإدارة الأميركيّة ليست مستعدّة لفرض تسوية على إسرائيل لا تريدها. في هذه الحالة، يصبح التحدّي الحقيقيّ ليس في إمكان إدراج لبنان في التسوية، بل في تحديد الثمن الذي تقبل إيران بدفعه، والضمانات التي تطلبها إسرائيل، وقدرة الدولة اللبنانيّة على أن تكون صاحبة القرار في ترتيبات تمسّ سيادتها ومستقبلها الأمنيّ.

“الحزب” والحرس الثّوريّ: قرار الحرب

تزداد هذه المعادلة وضوحاً مع ما تتحدث عنه مصادر دبلوماسية من اتساع نفوذ الحرس الثوري في مفاصل القرار الإيراني. فتولي محسن رضائي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى جانب تمثيله المرشد مجتبى خامنئي في المجلس، يضع إدارة هذا الملف في يد شخصية آتية من صلب المؤسسة العسكرية والأمنية.

وعليه، تكتسب أي مفاوضات جارية أهمية تتجاوز مضمون البنود المطروحة. فمن جهة من خلال هوية وحيثية من يدير التفاوض، ومن جهة أخرى من خلال قدرته على ضمان تنفيذ أي اتفاق محتمل.

هذه المعادلة ترتبط بشكل وثيق باستعدادات “الحزب” في لبنان. ذلك لأنّ المعلومات عن إعادة بناء قدراته العسكريّة وترميم منظومات القيادة والسيطرة لا تعكس مجرّد استعداد لاحتمال جولة جديدة مع إسرائيل، بل ترتبط بجهوزيّته والتحاقه بمواجهة إقليميّة أوسع. كما أنّ اندلاع المواجهة الكبرى الأميركيّة الاسرائيليّة مع إيران ستكون هذه المرّة مصيريّة بالنسبة إلى مستقبل النظام الإيرانيّ ومحور حلفائه.

وبذلك تصبح الساحة اللبنانيّة أمام احتمالين متناقضين: أن تدخل في تسوية إقليميّة تعيد ترتيب موقع “الحزب” وسلاحه، أو أن تتحوّل إلى إحدى ساحات الحرب إذا فشل التفاوض، أو إذا قرّرت إسرائيل أنّ النتائج المحتملة للاتّفاق لا تلبّي أهدافها الأمنيّة.

أمّا لبنان الرسميّ، الذي لا يزال عاجزاً عن حسم خياراته الداخليّة في ملفّ السلاح، فسيجد نفسه مجدّداً أمام نتائج تفاوض لا يشارك فيه، أو حرب لا يملك قرار اندلاعها.

جوزفين ديب - اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا