بيروت ودمشق أمام اختبار جديد... زيارة وزارية ترسم ملامح مرحلة مختلفة من العلاقات
تكتسب زيارة الوفد الوزاري اللبناني إلى دمشق اليوم الاثنين أهمية تتجاوز طابعها الرسمي، إذ تأتي في مرحلة تتطلب إعادة تنظيم العلاقات بين البلدين على أسس عملية، بعد سنوات من تراكم الملفات الأمنية والحدودية والاجتماعية والقانونية التي باتت تفرض نفسها على جدول الأعمال المشترك.
الزيارة، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، وبمشاركة وزراء الداخلية والعمل والتربية والشؤون الاجتماعية، تعكس توجهاً نحو مقاربة متعددة الجوانب، لا تكتفي بمعالجة القضايا السياسية العامة، بل تسعى إلى وضع تفاصيلها التنفيذية أمام المسؤولين السوريين، بما يتيح الانتقال من التنسيق النظري إلى خطوات ملموسة.
ويتصدر ملف الوجود السوري في لبنان جدول المحادثات، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في الواقع اللبناني. فالتحدي لم يعد مقتصراً على أعداد النازحين وتداعيات وجودهم على الاقتصاد والخدمات العامة، بل يمتد إلى تعدد أوضاعهم القانونية والإدارية، بين المقيمين بصورة شرعية والداخلين بطرق غير نظامية خلال الفترات الأخيرة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة الإجراءات المعتمدة، وتحديد آليات واضحة للتعامل مع مختلف الفئات، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بشأن تسهيل العودة. فنجاح هذا المسار يتطلب تعاوناً سورياً يترجم إلى إجراءات إدارية عملية، تزيل العقبات أمام الراغبين في العودة وتضمن وضوح المسؤوليات بين المؤسسات المعنية في البلدين.
ولا تنفصل هذه القضية عن ملف الحدود والمعابر، الذي يشكل بدوره اختباراً مباشراً لقدرة بيروت ودمشق على بناء تعاون أمني منتظم. فتنظيم حركة العبور يحتاج إلى توازن بين تسهيل انتقال الأشخاص وضمان الرقابة على الحدود، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بالدخول غير الشرعي والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود. كما أن مكافحة المخدرات وشبكات التطرف والجرائم الجنائية تستدعي تبادلاً فعالاً للمعلومات وتنسيقاً بين الأجهزة الأمنية، بما يجعل التعاون الأمني مصلحة مشتركة تتجاوز الاعتبارات الظرفية.
وفي موازاة ذلك، تحمل الملفات التربوية والاجتماعية أهمية لا تقل عن الجوانب الأمنية. فبحث أوضاع التلاميذ السوريين في المدارس اللبنانية، وإمكان تسجيل الولادات الجديدة لدى السلطات السورية، يعكسان الحاجة إلى معالجة الثغرات الإدارية التي قد تتحول مستقبلاً إلى مشكلات قانونية واجتماعية معقدة. كما أن تنظيم السجلات والوثائق يندرج ضمن إدارة أكثر شمولاً للوجود السوري، بما يضمن وضوح الأوضاع الشخصية والتعليمية ويسهل متابعة المعاملات بين الإدارات الرسمية في البلدين.
ويحضر ملف السجناء السوريين باعتباره قضية تتطلب تنسيقاً قانونياً وقضائياً دقيقاً، سواء في ما يتعلق بإمكان استفادة بعضهم من قانون العفو العام اللبناني، أو باستكمال إجراءات نقل المحكومين إلى سوريا. وتكمن أهمية هذا الملف في ضرورة التمييز بين الأحكام القانونية المتعلقة بالعفو وإجراءات نقل المحكومين، بما يضمن معالجة أوضاعهم وفق الأطر القانونية المعتمدة، ويخفف في الوقت نفسه من الأعباء الواقعة على المؤسسات اللبنانية.
سياسياً، تحمل الزيارة دلالة إضافية في ظل التحولات التي شهدتها سوريا، وما تفرضه من إعادة صياغة للعلاقة مع لبنان على قاعدة المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدولتين. ومن شأن اللقاءات الموسعة، وعقد اجتماع مع الرئيس أحمد الشرع، أن تمنح المحادثات بعداً سياسياً يتجاوز الملفات التقنية، خصوصاً أن نجاح التفاهمات الوزارية يحتاج إلى غطاء سياسي يضمن استمراريتها ويحول دون بقائها رهينة الظروف والمتغيرات.
لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في تعدد الملفات أو مستوى التمثيل، بل في قدرة الجانبين على تحويل نتائج الاجتماعات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، تتضمن آليات متابعة واضحة ومسؤوليات محددة. فلبنان ينتظر تعاوناً يساعده على ضبط الحدود وتنظيم الوجود السوري وتخفيف أعباء النزوح، فيما تحتاج سوريا إلى شراكة عملية في معالجة قضايا مواطنيها والتنسيق الأمني والإداري.
وبذلك، تبدو زيارة دمشق محطة مفصلية لاختبار إمكانية الانتقال بالعلاقات اللبنانية السورية من إدارة الأزمات المتراكمة إلى بناء تعاون مؤسساتي مستدام. فنجاحها لن يقاس بالبيانات السياسية، بل بما ستنتجه من حلول عملية تعيد تنظيم الملفات المشتركة وتؤسس لعلاقة متوازنة، تحكمها المصالح والاحترام المتبادل، لا اعتبارات الماضي وحدها.
داود رمال- اخبار اليوم
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|