العفو أمام اختبار التنفيذ: القضاء يفكّك ألغامه
بين انتظار السجناء لنيل حريتهم وخشية عائلاتهم من أن تحجب التعقيدات القانونية عن أبنائها فرصة الاستفادة من العفو، فتح القضاء اللبناني ورشةً لمعالجة الإشكاليّات التي أحاطت بتطبيق القانون بعد صدور قرار المجلس الدستوري.
فالمعركة اليوم لم تعد محصورةً ببقاء القانون أو إبطاله، بل انتقلت إلى كيفيّة تفسير نصوصه وتنفيذها بصورة عادلة، تضمن حقوق المستفيدين وتصون في الوقت عينه المصلحة العامة وحقوق المتضرّرين.
فالمجلس الدستوري، في قراره الصادر في 12 تشرين الأول، قبل الطعن المقدّم بقانون العفو شكلًا، وردّ طلب إبطاله بالكامل، لكنّه أبطل أجزاء منه وأخضع عددًا من مواده لتحفّظات تفسيرية ملزمة. وهكذا أبقى القانون قائمًا، بعدما أدخل إلى طريقة قراءته وتطبيقه قيودًا وتفسيرات أثارت نقاشًا قانونيًا وقضائيًا واسعًا حول حدود العفو والجرائم المستثناة منه.
في هذا القرار، وردت بعض الاستثناءات بصياغة تحتمل أكثر من تفسير، ما يجعل إزالة الغموض مقتضيةً قراءتها في ضوء الدستور والقوانين النافذة والتزامات لبنان الدولية. ومن أبرز ما انتهى إليه اعتبار جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات مستثناة من العفو، وعدم حصر جرائم الفساد المستثناة بالجرائم المذكورة في بنديْن من القانون، فضلًا عن إخراج أفعال تُشكّل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو تعذيبًا أو إخفاءً قسريًا من نطاقه.
كما أبطل المجلس الدستوري عبارات كانت تُحدّد نطاقًا زمنيًا خاصًّا ببعض جرائم المخدرات وزراعتها، بحيث اعتمد تاريخ الأول من آذار 2026 حدًّا زمنيًا موحدًا للجرائم المشمولة بالعفو. وفي المقابل، أثارت التحفّظات تساؤلات لدى قانونيين بشأن مدى اتساع التفسير وما إذا كان بعضه يقتصر على توضيح إرادة المشترع أم يتجاوزها إلى رسم نطاق جديد للاستثناءات.
هذا النقاش انعكس على الجهات المكلفة تطبيق القانون، التي بات عليها التوفيق بين النص الذي أقرّه مجلس النواب وقرار المجلس الدستوري المُلزم، وتحديد أثرهما في كل ملف على حدة. فالخشية تكمن في أن تؤدّي الاختلافات في فهم بعض الأحكام إلى تباين القرارات بين مرجع قضائي وآخر، أو إلى إطالة انتظار مَن تتوافر فيهم شروط الاستفادة.
في هذا السياق، يبرز الجهد الذي يبذله النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج لوضع القانون موضع التنفيذ، ومُعالجة الالتباسات التي ظهرت بعد صدور القرار الدستوري. وقد أصدر تعميمًا يتعلق بالآلية التنفيذية، مؤكدًا أنّ النيابة العامة التمييزية كانت قد وضعت آلية للتطبيق قبل صدور القرار، وأنّها ملتزمة بالعمل المؤسّساتي مع المجلس الدستوري.
وبعد اجتماع جمعه برئيس المجلس الدستوري القاضي طنوس مشلب، أوضح الحاج أن المجلس فسّر بعض المصطلحات المُبهمة، وأنّ تفسيراته متفقة مع النص التشريعي، فيما أكد مشلب عدم وجود خلاف مع النيابة العامة التمييزية. وشكّل هذا التوضيح خطوةً لتهدئة الجدل الذي أثير حول العلاقة بين المرجعين، وفتح الطريق أمام التركيز على معالجة الإشكالات العملية.
أمّا مجلس القضاء الأعلى الذي يُشكّل رأس الهرم في السلطة القضائية، فقرر تأليف لجنة لدراسة أصول تطبيق قانون العفو والإشكاليات التي يثيرها، على أن ترفع تقريرًا إليه. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من الحاجة إلى مقاربة قضائية متناسقة تساعد على الحدّ من تباين تفسير الأحكام، مع مراعاة صلاحيات المراجع المختصّة في النظر بكل قضية.
المطلوب أن تُفضيَ هذه الجهود إلى إزالة الشكوك التي تُحيط بالتطبيق، وألّا يتحوّل الغموض أو التأخير الإداري والقضائي إلى سبب لحرمان مستفيد من حقٍّ أقرّه له القانون، بما في ذلك إخلاء سبيله متى تحقّقت شروطه ولم يكن موقوفًا لسبب آخر، ومن هنا تولّى القضاء نفسه مهمّة تفكيك ألغام هذا القانون وتداعياته.
فالمصلحة العامة التي يُنتظر أن يحقّقها العفو تقوم على تطبيقه بالمساواة والسرعة الواجبة، وتخفيف الاكتظاظ في السجون، ومنح المستفيدين فرصة للعودة إلى المجتمع، بالتوازي مع احترام الاستثناءات وحقوق الضحايا. وعندها فقط يصبح القانون قابلًا لتحقيق الغاية منه، وتبقى العدالة هي المعيار الذي يحكم تنفيذه.
يوسف دياب - هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|