انتخابات إسرائيل: أصوات العرب والحريديم تحسم الحسابات؟
عشيّة الانتخابات الإسرائيلية، تزداد التساؤلات في الداخل الإسرائيلي حول هوية الفائزين بالأغلبية في الكنيست، ومن سيشكّل الحكومة خلال 28 يومًا من التكليف، خصوصًا أن التكليف يتطلب حصول المرشح على 62 صوتًا، وهو ما لم يُحسم بعد، بسبب عدم وجود موقف حاسم للأحزاب العربية التي تحالفت، منذ تأسيسها أواخر التسعينيات، بعضها مع بعض برلمانيًا، وتفرّقت عند التكليف الحكومي، فضلًا عن غموض موقف الحريديم، الذين تشغل قضيتهم معظم الماكينات والبرامج الانتخابية للأحزاب السياسية في إسرائيل، والتي تختلف حول مسألة تجنيدهم من عدمها. وتُطرح الأسئلة على الشكل التالي: ما الأرقام النهائية المحتملة لمعسكري نتنياهو وأيزنكوت؟ وأين ستصبّ الأصوات العربية حكوميًا؟ وما موقف الحريديم، وكم يشكّلون كشريحة من المجتمع الإسرائيلي انتخابيًا؟
البروباغندا المتبادلة بين نتنياهو والمعارضة
قبل الغوص في الأرقام الأخيرة والمحتمل أن تفرزها غدًا صناديق الاقتراع مساءً، لا بدّ من التوقف عند الهجمة الدعائية والصحفية المتبادلة بين معسكر نتنياهو من جهة، ومعسكر أيزنكوت من جهة أخرى.
فالأول يوظّف، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذكاء الاصطناعي للتذكير بخطر الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين)، بشقّيها الشمالي والجنوبي، على الداخل الإسرائيلي، فضلًا عن التذكير بإنجازاته المتمثلة في قتل قادة محور إيران (نصر الله، والضيف، وهنية، والسنوار…).
مقطع فيديو مصمم بأدوات الذكاء الاصطناعي نشره نتنياهو على حساباته حول اغتيال نصرالله
أما صحفيًا، فكان لافتًا ما كتبه المحلّل السياسي الإسرائيلي شاي غولدمان في صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية، في مقالة « تحليلية» تناول فيها السلوك السياسي والانتخابي لنتنياهو، تحت عنوان: «7 أكتوبر، العزلة والانقسام الداخلي: كيف حوّل نتنياهو الانتخابات إلى معركة شخصية؟»، وجاء فيها:
«يسعى نتنياهو لتقديم الحروب باعتبارها دليلًا على نجاح إسرائيل في تغيير ميزان القوى الإقليمي. وفي المقابل، أدّت الحرب في غزة والدمار الواسع فيها إلى تعميق الانتقادات الدولية لإسرائيل والإضرار بمكانتها الدبلوماسية، بما في ذلك علاقاتها ببعض حلفائها.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه أزمات سياسية واتهامات بالفساد وخلافات حادة داخل ائتلافه الحاكم (الفرنسية)
وتتمثل المعضلة السياسية في كيفية موازنة الجمهور الإسرائيلي بين الجانبين: هل تعوّض الإنجازات العسكرية الثمن الدبلوماسي الباهظ؟ وهل يمكن اعتبار القيادة التي تتصرف بحزم في الخارج ناجحة أيضًا عندما تتراجع ثقة الجمهور بها؟».
في المقابل، لم يتوقف مؤيدو معسكر المعارضة، الذي يقوده رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت، عن إصدار ردود الفعل الصحفية نفسها. ففي صحيفة «معاريف»، المعروفة بخطّها الوسطي، كتب أفرايم غانور مقالة حملت عنوان «من الساحر إلى القائد الذي لا يتحمل المسؤولية: جردة حساب لعهد نتنياهو»، جاء فيها:
صورة من الأرشيف لغادي ايزينكوت. (أ ف ب)
«من الجدير الإشارة إلى أن نتنياهو حقق إنجازات خلال مسيرته الطويلة، كرئيس للحكومة ووزير للمال أيضًا، لكن يصعب نسيان وقائع لا يمكن تجاهلها أو مسامحته عليها. لقد حوّل نتنياهو حزب الليكود، الذي اتّسم في الماضي بروح الحركة التصحيحية القومية، إلى طائفة لا يشغلها سوى البقاء في السلطة بلا حدود، وتوزيع المناصب، وخدمة المصالح الشخصية، مع تجاهل حاجات الدولة.
قبل أسابيع من الانتخابات.. الليكود يستهدف آيزنكوت في معركة نتنياهو والوثائق
لكن نتنياهو سيُذكَر، أكثر من أي شيء آخر، باعتباره مَن اتّبع أسلوب “فرّق تسُد”، وعمل طوال أعوام على تمزيق الشعب وشطره، ناشرًا الكراهية بين فئاته، مثلما فعل بين المواطنين اليهود والعرب. ولم يتورع نتنياهو عن استخدام أي حيلة دعائية أو مناورة لتحقيق أهدافه».
هذه عيّنة من البروباغندا والبروباغندا المضادة إعلاميًا وصحفيًا وخطابيًا. أما في لغة الأرقام، فالأمور متقاربة إلى حدّ ما. فوفقًا لاستطلاعات رأي نشرتها صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية الناطقة باللغة الإنجليزية، والمحسوبة على يمين الوسط، تشير تقديرات القناة 13 الإسرائيلية وهيئة البث الإسرائيلية إلى إمكانية حصول معسكر المعارضة، بقيادة غادي أيزنكوت، على 52 مقعدًا، تتوزع أبرزها على الشكل التالي: 22 مقعدًا لحزب «يشار» بقيادة أيزنكوت، و8 مقاعد لحزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان، و8 مقاعد لتحالف «ياحاد» (معًا)، الذي يضم رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت وحزب «هناك مستقبل» بقيادة يائير لابيد، ليكون قد خسر مقعدًا قياسًا بالانتخابات السابقة في نوفمبر 2022.
انفوغراف نشرته قناة الشرق على وسائل التواصل الاجتماعي لاستطلاعات رأي تعود إلى 7 أيلول الماضي
أما معسكر اليمين بقيادة نتنياهو، فوفقًا للاستطلاعات الصادرة عن المصدرين نفسيهما، قد يحصل على 50 مقعدًا، تتوزع أبرزها على الشكل التالي: بين 19 و20 مقعدًا لحزب الليكود، و8 مقاعد لحزب «عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير، و8 مقاعد لحزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش، ليكون قد خسر مقعدًا قياسًا بانتخابات عام 2022.
الأحزاب العربية وبيضة القبّان
تزداد لعبة التقديرات والأرقام تعقيدًا وغموضًا وسط التساؤل عن أمرين: كيف ستتوزع أصوات الأحزاب العربية؟ وأين ستصبّ أصوات الحريديم؟
وفقًا لاستطلاعات هيئة البث الإسرائيلية، ستكسب الأحزاب العربية، المتمثلة بالقائمة العربية الموحدة (حداش، وتاعل، وبلد، وراعم، التي انشقت عن الحركة الإسلامية بفرعيها الجنوبي والشمالي)، مقعدًا واحدًا، وقد تحصل على 14 مقعدًا قياسًا بانتخابات نوفمبر 2022، موزّعة على الشكل التالي: «حداش»، أي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، و«تاعل»، أي الحركة العربية للتغيير، و«بلد»، أي التجمع الوطني الديمقراطي، بمجموع 9 مقاعد؛ بينما يُتوقّع أن تحصل «راعم»، أي القائمة العربية الموحدة، على ما بين 5 و6 مقاعد.
لافتة إعلانية انتخابية للقائمة العربية المشتركة في كفر قاسم (19/10/2026 فرانس برس)
لكن تجربة الأحزاب العربية في الداخل الإسرائيلي، التي تعود إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، أثبتت أنها تتحالف في الانتخابات التشريعية (الكنيست)، وتتفاوت مواقفها فيما يمكن تسميته بالاستشارات النيابية لتكليف رئيس الحكومة. وبالتالي، فإن الموقف العربي لم يُحسم بعد، وستكون المقاعد العربية الـ14، المتوقع حصدها، بمثابة «بيضة القبّان» التي ستحسم إما بقاء رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، أو ترؤس رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت الحكومة الجديدة.
أما استقطاب الحريديم، فهو تحدٍّ من نوع آخر.
الحريديم ومعضلة التجنيد
يعود أصل الكلمة إلى «حريد»، التي تعني بالعبرية الارتجاف والخشوع لله والعمل على خدمته. والحريديم طائفة يهودية متشددة استطاعت أن تخصص 600% من ميزانية الحكومة للمؤسسات والمدارس الدينية الحريدية، وفقًا لتقرير لقناة الجزيرة في 23 من الشهر الحالي، رصد ضغوط الأحزاب الحريدية التاريخية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
الحريديم يعرفون باليهود الأورتودوكس المتشددون (رويترز)
وتشكّل هذه الشريحة اليوم أكثر من مليون نسمة من سكان إسرائيل، أي نحو 14%. ويصوّت حوالي 10% منهم (أي 766 ألفًا من أصل 7.33 مليون حريدي)، وفقًا لتقرير نشرته قناة «i24» الإسرائيلية بتاريخ 24 أكتوبر الحالي.
ومع فشل نتنياهو في حسم مسألة تجنيدهم من عدمها، خصوصًا أن هذه الفئة الدينية باركت معظم رؤساء الحكومات في إسرائيل، من بن غوريون إلى نتنياهو، يُطرح السؤال: هل ستجدد الأحزاب الحريدية، التي ترى أن تعبّدها يوازي أهمية العمل العسكري والأمني، الثقة بنتنياهو الذي فشل في إيجاد «موقف وسطي» من تجنيد الحريديم، خصوصًا مع دعم أيزنكوت لتجنيدهم؟
الشرطة الإسرائيلية تبعد المتظاهرين من الحريديم عن الطريق في القدس (رويترز)
أيزنكوت وملفات الداخل والجبهة اللبنانية
يمكن تقسيم أوراق أيزنكوت التي قد تقوده إلى الكابينت ومجلس الوزراء الإسرائيلي إلى قسمين.
قسم داخلي يتمثل في معرفته بالثغرات وملفات الفساد والإهمال التي تكدّست منذ السابع من أكتوبر، فضلًا عن خبرته العسكرية التي تصل إلى 41 عامًا في العمل العسكري وقيادته الأركان الإسرائيلية، وتأسيسه حزبًا مستقلًا بعد خروجه مع حليفه بيني غانتس من الكابينت (مجلس الحرب المصغّر). بالإضافة إلى ذلك، فإن خلاف نتنياهو ورئيس الأركان الحالي إيال زمير، الذي نفاه الأول ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، قد يخدم أيزنكوت، وقد عرف أيزينكوت بمهندس عقيدة التدمير والعقاب الجماعي في الجيش الاسرائيلي.
أما خارجيًا، وتحديدًا على الجبهة اللبنانية، فإن وصول أيزنكوت قد يفضي إلى دخول لبنان في المحطات الأربع التالية، وفقًا لصحف إسرائيلية عدة وتصريحات سابقة لأيزنكوت:
- استمرار الضغط العسكري على حزب الله.
- إعادة تنظيم العلاقات مع فرنسا خارجيًا، ودعم عودتها إلى الساحة اللبنانية.
- استمرار توسيع المنطقة الأمنية جنوب لبنان، والضغط على الجيش اللبناني.
- تكثيف الغارات والضربات على مواقع ومنشآت الحزب، مع استثناء البنية التحتية اللبنانية الحكومية والمرافق العامة.
الغارات
غارات اسرائيليّة استهدفت الضاحية في نيسان الماضي
شرق أوسط ملتهب مهما كانت النتيجة
يبقى كل ما ذُكر محض تقديرات أثبتت الصناديق في السنوات السابقة أنها لا توازي النتيجة الفعلية ولا تساويها. والثابت أن الشرق الأوسط سيبقى ملتهبًا مهما كانت النتيجة.
والسؤال: هل سيكون لبنان في الفترة المقبلة دائم الارتباط باستحقاق إسرائيلي يتكرر مرة كل أربع سنوات؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|