لا محاسبة ولا إعادة ودائع: عون يقود معركة المصارف
قبِل المجلس الدستوري الطعن المقدّم من رئيس الجمهورية جوزيف عون بالمادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها. والخطوة تعني، ببساطة، أن عون الذي قدّم في خطاب القسم تعهّدات بالإصلاح وتأمين أموال المودعين، وأطلق حملة عدم الإفلات من العقاب، قد قدّم إشارة جديدة على أنه جزء من الدولة العميقة. وهو في طعنه، نجح في تنفيذ رغبة أصحاب المصارف، بالإبقاء على الصلاحيات الواسعة لحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، ما يضمن لهم أن يكون للحاكم، وهو مرشح كارتيل المصارف منذ اليوم الأول، الحق الحصري في تطبيق القوانين المتعلقة بالمصارف، والقرار النهائي بشأن توزيع الخسائر وهيكلة المصارف.
النقطة سجّلها أصحاب المصارف، بمعية عون وسعيد، لم تكن في ملعب المودعين الذين نهبت المصارف أموالهم فقط، بل في ملعب رئيس الحكومة نواف سلام وفريقه الوزاري أيضاً، خصوصاً الوزيرين ياسين جابر وعامر البساط، اللذين عملا على ضمان أن يقرّ مجلس النواب قانون إصلاح المصارف بشكلٍ يلبّي بشكل معقول طموحات المودعين، وإن كان الفريق الحكومي أكثر اهتماماً بتوصيات صندوق النقد الدولي، بحجة أن قانوناً كهذا يضمن توقيع اتفاقٍ مع الصندوق، وهو الأمر الذي لم يعد مضموناً بعد موافقة «الدستوري» على طعن عون الذي ثبّت تموضعه في قلب الفريق المعرقل للإصلاحات.
عندما صدر قانون إعادة الهيكلة في السنة الماضية، تلقّت وزارة المال رسالة من صندوق النقد يقترح فيها تعديلات. وبعد نقاش أُقرّت التعديلات في مجلس الوزراء، وأحيلت إلى مجلس النواب لتناقشها لجنة المال والموازنة. يومها وجّه حاكم مصرف لبنان اعتراضات إلى اللجنة بشأن المادتين 3 و13، وطلب إدراج عبارة «مع مراعاة أحكام المادة 70 من قانون النقد والتسليف» في المادة 3، موضحاً أنّ الهدف هو منع الالتباس بين صلاحيات المجلس المركزي لمصرف لبنان وصلاحيات الهيئة المصرفية العليا. أي إنه لن يكون بإمكان الهيئة المصرفية العليا أن تقوم بأي أمر يتعارض مع صلاحيات الحاكم المنصوص عنها في المادة 70 من قانون النقد والتسليف، والتي تُعدّ صلاحيات واسعة جداً، تتيح له القيام بكل ما يريده بحجّة «المحافظة على سلامة النقد والاستقرار الاقتصادي وسلامة النظام المصرفي». وهي نفسها الصلاحيات التي استغلّها سلفه رياض سلامة مراراً لتمرير قرارات وإجراءات أسهمت في هدر وسرقة المال العام.
والمادة 3 تحدّد أهداف الإصلاح، ومنها معالجة التعثّر، وحماية الودائع والحدّ من استخدام الأموال العامة لإنقاذ المصارف المتعثّرة. وهذا يفسر إصرار سعيد والمصارف على أن يكون الحاكم وحده من يحسم القرار. وتكريس هذه المرجعية يُبقي عملية الإصلاح خاضعة لصلاحيات الحاكم، بدلاً من حصر قرارات المعالجة بالهيئة العليا المكلفة إصلاح المصارف والمفترض أن تكون مستقلة. في المقابل، رفض الصندوق عبارة «مع مراعاة المادة 70 من قانون النقد والتسليف»، وطلب شطبها من المادة الثالثة. وفي المحصّلة، أقرّت المال والموازنة تعديلات الصندوق، بوجه مطالب الحاكم، باعتبار أن قانون إعادة الهيكلة، لا يلغي ولا يتعارض مع قانون النقد والتسليف، ثم أقرّت الهيئة العامة القانون (بهذه الصيغة) كاملاً بالأكثرية، بالمناداة بالأسماء.
لم يرد عون القانون، لكنه، بعد إصداره في الجريدة الرسمية، طعن به طالباً إبطال المادة 3. وشكّلت طريقة إقرار المادة أحد أسباب الطعن وقبوله، إذ ورد في قرار المجلس الدستوري إن «القانون أُقرّ بصيغته المعدّلة من لجنة المال والموازنة، باستثناء المادة الثالثة التي لم تنل الأكثرية، ولم يحصل تصويت على أي صيغة أخرى لها، ما يوجب إبطالها، من دون أن يمتدّ هذا الإبطال إلى المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف الأصلي الصادر عام 2025». أي إنّ المجلس الدستوري أعاد اعتماد الصيغة المقرة حكومياً قبل تعديلات الصندوق، التي أطاحت بمرجعية الحاكم.
وبحسب معطيات جهات معنية، فإنه، وخلال الجلسة التشريعية، سقطت مرتين الصيغة الواردة من لجنة المال والموازنة. عندها طلب الرئيس نبيه بري التصويت على القانون كاملاً (مادة وحيدة) بالأكثرية، بالمناداة بالأسماء. ويقول مرجع قانوني، إنّ «الاعتراض يمكن أن يكون من باب الخلاف على تطبيق النظام الداخلي لمجلس النواب الذي يعود لرئيس المجلس حسمه، ومن غير الجائز اعتباره مخالفة دستورية، وأن الأمرين مختلفان عن بعضهما البعض».
وفيما كان بمقدور عون رفض توقيع القانون، وإعادته إلى المجلس لمزيد من النقاش، اختار طريقة تعكس دهاء بعض من حوله، ممن يعملون في خدمة القطاع المصرفي، والذين يشرف عليهم عن بعد، المصرفي أنطون الصحناوي من واشنطن ورئيس جمعية المصارف سليم صفير من بيروت. إذ عمد رئيس الجمهورية إلى إصدار القانون، ثم طعن به أمام المجلس الدستوري، ما أدى إلى فرض واقع دستوري يصعب على مجلس النواب تجاوزه. في حين كان في إمكان المجلس الإصرار على القانون بالصيغة المُقرة بالغالبية المطلقة من مجموع أعضائه، لو أنّ عون ردّ القانون إليه.
هكذا عبّد عون الطريق أمام ورقة الحاكم التي قدّمها إلى صندوق النقد بشأن إصلاح المصارف، والتي تشمل خطّته لتوزيع الخسائر، والتي يريد الأخذ بها من دون نقاش أو تعديل، ويتضح منها أنّ سعيد لا يريد أي تغيير في بنية ملكية المصارف التي «يصدف» أنّ غالبيتها مملوكة من مجموعة طائفية واحدة.
عملياً، يقود قبول الطعن إلى تأمين حماية أكبر للمصارف، في حال استنسب الحاكم تجنيب هذا المصرف أو ذاك الخضوع لإجراءات جدية مرتبطة بمعالجة التعثّر واستعادة الودائع، وتحديد ما يتوجّب على المصرف تحمّله من خسائر.
كما أنّ الطعن أتى بعد ساعاتٍ من اجتماع رئيس الحكومة مع ممثلين عن الصندوق خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، في حين أن إقرار القانون كان سيشكّل إحدى ركائز العلاقة مع الصندوق، كما كان سلام مهتماً بشكل أساسي بهذا الأمر، لأنه يريد أن يقدّم الاتفاق باعتباره إنجازاً له ولحكومته.
ندى أيوب - الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|