الفاتيكان وصحة الحبر الأعظم... تحول واضح من التكتم إلى الشفافية
أعلن الفاتيكان رسمياً إصابة البابا لاوون الرابع عشر بالسرطان الغدي الرئوي، بعد عملية جراحية ناجحة استُؤصل فيها الفص السفلي من رئته اليمنى. ويقضي البابا فترة نقاهة في جناح خاص بمستشفى جيميلي في روما، يُتوقع أن تمتد نحو أسبوع، وقد أُلغيت خلالها بعض الفعاليات حتى 20 تشرين الأول الجاري.
ويثير هذا الإعلان سؤالاً قديماً: كيف تُدار الكنيسة حين يمرض البابا، ومن ينوب عنه؟
بحسب مصادر كنسية، لا ينص القانون الكنسي على نائب دائم للبابا يتولى سلطاته عند مرضه أو عجزه الموقت، شارحة ان البابا هو السلطة العليا، الروحية والدنيوية، لنحو 1.4 مليار كاثوليكي، ولا تنتقل سلطته إلى غيره إلا بالوفاة أو بالاستقالة الطوعية. ولذلك تقتصر الإنابة على مناسبات محددة، ومنها ما أعلنه الفاتيكان من أن عميد الكرادلة، الكاردينال لويس أنطونيو تاغل، سيترأس القداس الختامي للاجتماع العالمي حول الأسرة نيابة عن البابا.
وفي هذه الفترة، تضيف المصادر: تواصل "الكوريا الرومانية"(الجهاز الإداري والتنفيذي والاستشاري المركزي في الفاتيكان) أعمالها اليومية المعتادة، بينما تُؤجَّل القرارات الاستراتيجية والتعيينات الكبرى التي تتطلب توقيع البابا أو موافقته الشخصية إلى حين تعافيه.
وبالتالي توضح المصادر: لا يوجد بروتوكول طوارئ لنقل السلطة في حالات المرض الموقت، إذ يُفترض أن البابا يحتفظ بصلاحياته كاملة ما دام واعياً وقادراً عقلياً، حتى وهو في المستشفى.
تاريخ من التكتم
وتذكر المصادر انه ساد الفاتيكان لفترة طويلة مبدأ غير معلن مفاده أن "البابا لا يمرض حتى يموت". فقد عُدّت صحة الحبر الأعظم شأناً بالغ الحساسية، خشية أن يثير إعلانها القلق أو يزعزع استقرار الكنيسة. وحين أصيب يوحنا الثالث والعشرون بسرطان المعدة عام 1963، اكتفى الفاتيكان ببيانات موجزة وغامضة، ولم تُعرف حقيقة المرض إلا بعد وفاته. أما بولس السادس فعانى سنوات من التهاب شديد في المفاصل حدّ من حركته، ولم تصدر عنه سوى تقارير طبية نادرة ومقتضبة.
التحول مع يوحنا بولس الثاني
حديثا، تتابع المصادر: تغيّر الأسلوب جذرياً مع يوحنا بولس الثاني. فبعد محاولة اغتياله عام 1981 في ساحة القديس بطرس، بدأ الفاتيكان بإصدار تحديثات طبية منتظمة، لا بل نشر صور للبابا من سرير الشفاء في مستشفى جيميلي. كما حين تفاقم مرض الباركنسون لديه، رغم التكتم الأولي على تشخيصه في التسعينيات، كثّف الفاتيكان بياناته الطبية في أشهره الأخيرة عام 2005. وواصل البابا الظهور علناً رغم عجزه عن الكلام وإرهاقه الواضح، في رسالة مفادها أن "المرض جزء من الخدمة البابوية".
إدارة الكنيسة من المستشفى
وفي هذا السياق ايضا هل تطرح استقالة البابا، تقول المصادر: يعالج القانون الكنسي لعام 1983 مسألة الاستقالة بإيجاز في المادة 332 (الفقرة 2)، فيشترط لصحتها أمرين فقط: أن تصدر بحرية كاملة دون ضغط أو إكراه، وأن تُعلَن علناً بالشكل الواجب. ولا تحتاج إلى قبول أي جهة، فلا يملك مجمع الكرادلة ولا غيره قبولها أو رفضها، وتصبح نافذة بمجرد إعلانها. أما العجز الدائم، كالغيبوبة الطويلة أو الخرف الشديد، فيمثل ثغرة قانونية، إذ لا يستطيع البابا الفاقد للوعي إعلان استقالته بحرية، ولا توجد آلية لعزله أو إعلان شغور الكرسي بسبب المرض. وقد تردد أن بعض البابوات وقّعوا مسبقاً رسائل استقالة مشروطة تُسلَّم سراً إلى أمين سر الدولة، لكن ذلك لم يُوثَّق. وبعد اكتمال الاستقالة تدخل الكنيسة مرحلة "شغور الكرسي الرسولي" ويُعقد الكونكلاف لانتخاب خليفة، ويصبح المستقيل "بابا فخرياً" بلا صلاحيات إدارية.
وهنا تشدد المصادر على ان هذا الواقع لا ينطبق على حالة البابا راهنا.
حالة بندكتس السادس عشر
وكذلك تذكّر المصادر بحالة البابا بندكتس السادس عشر، حيث جاءت استقالته في 11 شباط 2013 كأول تطبيق فعلي لهذه المادة منذ استقالة غريغوري الثاني عشر عام 1415. فقد أعلنها أمام مجمع اعتيادي للكرادلة، باللاتينية لضمان الدقة والعلنية، وأكد فيها أن تقدمه في السن لم يعد يتيح له أداء الخدمة البطرسية كما ينبغي، وأنه يتخلى عن خدمة أسقف روما "بكامل حريته". ولم تكن الاستقالة فورية، بل حُدد لنفاذها الثامنة مساءً من 28 شباط، ليتاح للكنيسة ترتيب المرحلة الانتقالية وللكرادلة القدوم إلى روما. وعند الموعد دخلت الكنيسة تلقائياً في الشغور، وانتقل البابا إلى كاستيل غاندولفو، وأُغلقت الشقق البابوية بالشمع الأحمر، وتولى الكاميرلينغو إدارة الأملاك موقتاً حتى انتخاب فرنسيس.
وبما أن القانون لم يحدد وضع البابا بعد الاستقالة، ابتُكر له لقب "البابا الفخري"، وسُمح له بارتداء الثوب الأبيض البسيط والاحتفاظ باسمه البابوي. وأُتلف خاتم الصياد بحفر خطين متقاطعين فيه منعاً لتزوير الوثائق، وصُنع خاتم جديد لخليفته.
تُظهر هذه الوقائع أن الكنيسة انتقلت من التكتم إلى الشفافية في التعامل مع مرض البابا، وأن القانون الكنسي يعالج الاستقالة بوضوح، بينما لا تزال حالات العجز المفاجئ فراغاً قانونياً.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|