سلام افتتح معرض بيروت للكتاب: صعوبة المهمة لا تبرر تأجيلها
افتتح رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام، "معرض بيروت العربي والدولي للكتاب"، بدعوة من النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان، بعد ظهر اليوم، في ال Seaside Arena في واجهة بيروت البحرية.
وحضر الافتتاح الرؤساء فؤاد السنيورة، ونجيب ميقاتي، وتمام سلام، السيدة سحر بعاصيري سلام، نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور طارق متري، وزراء الثقافة غسان سلامة، والإعلام المحامي د. بول مرقص، والبيئة تمارا الزين، ووزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، وسفراء فرنسا والأردن وفلسطين وباكستان والجزائر، وممثل المنظمة الدولية للفرنكوفونية في الشرق الأوسط ليفون أميرجانيان، النائبان مروان حمادة وفراس حمدان، ممثل النائب سامي الجميل مدير اذاعة "صوت لبنان" الإعلامي أسعد مارون، الوزيران السابقان حسن منيمنة وسعادة الشامي، رئيسة النادي الثقافي العربي سلوى السنيورة بعاصيري، رئيسة المعهد العالي للموسيقى هبة قواس، ورئيسة "معهد باسل فليحان الاقتصادي والاجتماعي" لميا مبيض البساط، وحشد من الشخصيات السياسية والفكرية والثقافية، وممثلي دور النشر والمؤلفين.
عبد الحق
بعد النشيد الوطني وكلمة تقديم للإعلامي زافين قيومجيان، تحدث رئيس نقابة اتحاد الناشرين في لبنان نبيل عبد الحق، فقال: "أرحّب بكم في افتتاح الدورة السابعة والستين من معرض بيروت العربي والدولي للكتاب، الذي يُقام من 9 إلى 18 تشرين الأول. وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة، لكونها ثمرة توحيد الجهود بين النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان، بالتعاون والتنسيق مع وزارة الثقافة اللبنانية. وقد اجتمعت الجهود والإمكانات في معرض واحد، انطلاقًا من رؤية مشتركة تجاه الثقافة، وتجاه مهنة تحتاج اليوم إلى كل جهد ممكن للنهوض بها والحفاظ على دورها".
اضاف: "ويُنظَّم هذا المعرض سنويًا بالشراكة بين نقابة اتحاد الناشرين في لبنان والنادي الثقافي العربي، في إطار تعاون مستمر نحرص على تطويره والبناء عليه. ونتطلع، بالتنسيق مع وزارة الثقافة، إلى ترسيخ مكانة هذا المعرض بوصفه المعرض الرسمي الوحيد في الجمهورية اللبنانية، بما يعزّز الحضور العربي والدولي، ويجمع الطاقات حول موعد ثقافي وطني جامع".
وتابع: "لقد أسهم لبنان، عبر ناشريه وكتّابه، في توفير مساحة واسعة للفكر والإبداع والحوار، وكانت بيروت ملتقى للأدباء ومنتدى للثقافة والفكر.وتكتسب شراكتنا اليوم أهمية مضاعفة، في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها قطاع النشر، نتيجة التحولات الرقمية وتغيّر عادات القراءة، وما أفرزته هذه التحولات من تحديات جديدة أمام الناشرين، إلى جانب القرصنة وانتهاك حقوق المؤلفين والناشرين".
ودعا إلى "تعاون عملي مع وزارة الثقافة وسائر الجهات المعنية، لحماية حقوق الناشر والمؤلف، ومواجهة القرصنة، ودعم المكتبات العامة، وتشجيع القراءة لدى الأجيال الصاعدة"، مؤكدا أهمية "تعزيز حضور الناشرين اللبنانيين في الأسواق والمعارض العربية والدولية، بما يتيح لدور النشر اللبنانية الاستمرار في أداء دورها، والوصول إلى القرّاء خارج لبنان".
وختم: "فلنجعل من هذا اللقاء خطوة عملية نحو استعادة لبنان لدوره الثقافي، وتعزيز حضوره على الساحة العربية والدولية.
بعاصيري
وتحدثت بعاصيري، فقالت:"يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، وأن أعرب عن كبير اعتزاز النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان بأن نكون قد عملنا معًا على جعل معرض بيروت العربي والدولي للكتاب، في نسخته السابعة والستين، أمرًا محققًا، رغم كل ما يعتري الداخل والمنطقة والمجتمع الدولي من حالة إرباك واضطراب على أكثر من صعيد، ولا سيما على الصعيد الإنساني، وفي ظل التحولات التكنولوجية والاقتصادية والجيوسياسية، والتحولات التي يشهدها النظام الدولي. فمثل هذه الحال من اللايقين كان يمكن أن تُثبّط المساعي، وأن تحول دون القيام بأي نشاط ثقافي، بما يقود إلى الإحجام والانكفاء".
اضافت: "إننا، إزاء هكذا أوضاع، نستشعر، وبإلحاح، الحاجة إلى الاتكاء على نقطة ارتكاز تخلق بعضًا من التوازن الكياني الذي نتوق إليه، وإلى اجتراح مسلك ثقافي رؤيوي ومتعالٍ عن التناحر نرنو إليه، وإلى اعتماد سياق فكري يسوق الكلمة المسؤولة والمحمّلة بالمعنى الإنساني العريض الذي نسعى إليه.وندرك يقينًا أن ما ننشده ليس مستحيلًا، وإن دقّقنا فيه نجده قريبًا، إذا ما استدعينا هذا المعنى، وإذا ما استنطقنا أعماقنا لوجدناه متاحًا في رحاب أعمال الفكر، وتعميق الوعي، وبلورة الروح، ولو تمعّنّا أكثر، لوجدنا الكتاب الغني حاضرًا، ومختبرًا، وملهمًا".
وتابعت: "نعم، هو الكتاب الذي نلتقي حوله اليوم، امتدادًا لعرف كرّسناه منذ العام 1956، أمانةً وعهدًا واستدامة، ليبقى طقسًا من طقوس بيروت؛ بيروت المنارة المشعّة بإرثها الثقافي، امتدادها الفكري، وعبقها الإنساني، مهما اشتدت عليها الأزمات وتكاثرت التحديات، هو الكتاب، وهي بيروت، ويشكّل كل منهما رئة الآخر. ومن أبرز معالم الدورة السابعة والستين الاحتفال ببيروت، عبر تخصيص حيّز بعنوان «قالوا في بيروت»، يضم ثمانيةً وثلاثين قولًا لمفكرين وأدباء كبار، لبنانيين وعرب وأجانب، ممن أشادوا ببيروت وعراقتها.فضلًا عن الاحتفاء بقامات لبنانية شكّلت علامات فارقة في تاريخ لبنان، وتركت أثرها في مسارات عصر الأمل، وفي الإصلاح والفكر والأدب والمسرح والفن والجمال".
واردفت: "ومن أبرز معالم الدورة السابعة والستين أيضًا أنها تُظهر، بشكل بيّن، بُعدها العربي والدولي، الذي يتمثّل بحضور كرسي الشيخ زايد للتراث العربي والإسلامي في الجامعة الأميركية في بيروت، وبالحضور الأول من نوعه للمعهد الفرنسي في بيروت في هذا المعرض، لتكون فعاليتنا في صلب مكوّنات المعرض وأنشطته، في خطوة تجمع في فضاء واحد دور النشر الفرنسية والعربية ولغات آسيا، بما يؤكد حقيقة تجاور الثقافات وقدرتها على التفاعل والتلاقي.
ويأتي ما تشهده الدورة السابعة والستون من إقبال كبير من دور النشر، إذ يشارك نحو 165 دارًا، في متابعة إصداراتها، وتعزيز رسالتها ومكانتها. وهي بذلك تسهم في رفع الوعي المعرفي بشأن مسائل فكرية وأدبية، وتعزّز البرنامج الثقافي الذي يضم، إلى جانب قضايا الساعة وتحدياتها، ندوات وحوارات تتعدد وتتنوع عناوينها، لتخاطب مختلف الشرائح الفكرية والعمرية، وذلك سعيًا إلى تنشيط المشهد الثقافي والمعرفي، بما يقارب مئة ندوة وطاولة حوار، يشارك فيها عدد من الشخصيات المنخرطة في قضايا الفكر والشأن العام".
وقالت: "ولأن روّاد معرض الكتاب يتعطشون إلى استعادة حياة ثقافية مدنية مؤثرة، ترسم الثقافة معالمها، ولطالما أسهمت في صياغتها، فقد خُصص في الدورة السابعة والستين جناح يوثّق تاريخ معرض بيروت العربي والدولي للكتاب ودوراته المتتالية، إحياءً للزمن الجميل الذي نَحنّ إليه ونعمل على استحضاره.
كما توثّق الأجنحة الأخرى تاريخ صناعة الكتاب والتطور الذي سلكته، ولا سيما عبر التقانة الحديثة، وتطور حرفة تصميم الحرف والغلاف، لتؤكد أن صناعة الكتاب مسؤولية حضارية يتوارثها جيل بعد جيل.
أما الجديد في هذه الدورة، فهو استحداث «حديقة القراءة» التي تقع وسط أجنحة الكتب، تأكيدًا أن القراءة النوعية، القائمة على الصفاء الذهني وفعل التأني والتركيز، تعزّز إمكانية جودة التلقي، وأنها الأساس الذي يقود إلى المضمون والجوهر، أي إلى معنى الكلمة التي تنمو في العقل والوجدان".
واضافت: "إن الصمود الثقافي يمثّل خط الدفاع الأهم عن وجه لبنان الحضاري، وأن الفضاء الرحب الذي يوفره معرض الكتاب يؤكد عمق الروابط التي تجمع بين حَمَلة الكتاب والناشرين وجمهور المفكرين والقرّاء.فالقراءة أداة للتحرر الفكري، ومعبر لبناء الوعي، وتعزيز المجتمع في مواجهة خطاب الكراهية والانغلاق والتشويه.ولأننا على هذه الخلفية، نفتتح اليوم الدورة السابعة والستين ونحن نضطلع بمسؤولية كبيرة تجاه المستقبل، وكلنا إيمان بأن الاستثمار في الإنسان يبدأ من الاستثمار في عقله وفكره وإنسانيته".
وختمت: "لا يسعني، ختامًا، إلا أن أشكر كل من أسهم في نجاح هذا الحدث الثقافي الكبير، وأخصّ بالذكر دولة رئيس مجلس الوزراء على كرم الرعاية والاحتضان، ومعالي وزير الثقافة على حرصه على جعل الثقافة والكتاب مساحةً جامعةً للحوار والتلاقي. والشكر موصول إلى كل من ساهم في إنجاح هذه الدورة، من ناشرين وكتّاب ومفكرين ومشاركين ولجان تنظيمية ومتطوعين، وإلى كل من آمن بأن الكتاب لا يزال قادرًا على أن يجمعنا، وأن الثقافة قادرة على أن تكون مساحةً للقاء في زمن الانقسام.أهلًا بكم في بيروت، وأهلًا بالكتاب، وأهلًا بكل من يؤمن بأن الثقافة فعل مقاومة للانكفاء، وأن الكلمة المسؤولة قادرة على أن تفتح الطريق نحو مستقبل أكثر وعيًا وإنسانية".
الرئيس سلام
ثم تحدث الرئيس سلام فقال: يسعدني أن أكون معكم اليوم في افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، في مناسبة لا تحتفي بالكتاب وحده، بل بما يمثّله من معرفة وفكر وإبداع، وبالدور الذي أدته بيروت، على امتداد عقود، في الحياة الثقافية اللبنانية والعربية".
أضاف: "نلتقي في زمن تتلاحق فيه الأخبار، وتتدفق الصور والمعلومات، وتتسارع التحولات التكنولوجية إلى حدّ بات معه الذكاء الاصطناعي قادرا على إنتاج نصوص في ثوانٍ، فيما نحن هنا، نحتفي بكتاب لا يزال يحتاج إلى وقت كي يُكتب ويُقرأ، وإلى تأمّل كي يُفهم. فهل نحن متمسكون بعادة من زمن مضى؟ أم أن في هذا الاحتفاء ما يتجاوز الحنين إلى الكتاب؟".
وتابع: "أعتقد أن الإجابة تبدأ من التوقف عند طريقة طرح الأسئلة وسرعة الوصول إلى الأجوبة، والتمييز بين وفرة المعلومات وعمق المعرفة، فالكتاب لم يفقد مكانته في العالم ابدا، لكنه يتغيّر، وتتغيّر معه عادات القراءة ووسائل النشر وطرق وصول المؤلف إلى القارئ. وفي خضم هذه التحولات، تزداد حاجتنا إلى الفكر النقدي، وإلى القدرة على التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين الحقيقة والتضليل. فالتكنولوجيا تستطيع أن تضع بين أيدينا ملايين المعلومات، لكنها لا تعفينا من مسؤولية التفكير، ولا تستطيع أن تحل مكان الضمير الإنساني والخيال المبدع".
وقال: "لقد كانت بيروت، لعقود طويلة، أكثر من مدينة تطبع الكتب. كانت مساحة تتلاقى فيها الأفكار، وتعبرها اللغات، ويجد فيها كتّاب ومفكرون عرب منابر لم تكن متاحة لهم في بلدانهم. لم تكن ريادتها في عدد المطابع ودور النشر وحده، بل في مناخ الحرية والانفتاح الذي أتاح للكلمة أن تصل، وللأفكار أن تتلاقح، وللاختلاف أن يجد مكانا له. فلم تكن مصادفة أن تختار اليونسكو بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009، وأن تكرسها مدينة مبدعة للأدب عام 2019. إنه اعتراف بمكانة بيروت الثقافية، لكنه يحمّلنا أيضا مسؤولية الحفاظ على هذا الدور وتطويره. فقد تغيّر العالم العربي، ونشأت مراكز جديدة للبحث والنشر، وتوسعت الاستثمارات في الصناعات الثقافية، فيما استنزفت لبنان أزمات متلاحقة، من الانهيار الاقتصادي إلى انفجار مرفأ بيروت فالحروب والنزوح وهجرة الطاقات".
أضاف: "من حقنا أن نفتخر بما كانت عليه بيروت، لكن ليس من حقنا أن نكتفي بذلك، فالماضي مصدر قوة حين نستلهمه، لا حين نسكن فيه. وحين ننظر إلى حركة الكتاب في لبنان اليوم، نجد صورة تجمع بين الصعوبات ومظاهر الحيوية. هناك دور نشر تواجه أعباء كبيرة، ومكتبات تكافح للاستمرار. لكن هناك أيضا إصدارات جديدة، ومبادرات ثقافية، وشباب يكتبون ويقرأون، ومعارض لا تزال تستقطب جمهورا واسعا. فهل نحن أمام نهضة جديدة، أم أمام محاولة للصمود؟ ربما نحن في مرحلة تقع بين الاثنين. لكن المؤكد أن الصمود وحده لا يصنع نهضة".
وتابع: "الصمود يحفظ ما تبقّى، أما النهضة فتخلق ما لم يكن موجودا. والنهضة التي نطمح إليها تحتاج إلى أكثر من معارض ناجحة، على أهميتها. تحتاج إلى صناعة نشر قادرة على التطور، وإلى مكتبات متجددة، وحركة ترجمة فاعلة، وإلى استثمار جدي في التربية والثقافة.لكنها تحتاج، قبل ذلك كله، إلى مجتمع يؤمن بقيمة المعرفة، ويشجع حرية التفكير، ولا يخشى النقد أو الاختلاف".
وقال الرئيس سلام: "إن الحديث عن النهضة الثقافية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن النهضة الشاملة التي يحتاج إليها لبنان. فبلدنا لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما تهدّم فحسب، بل إلى إعادة التفكير في الكثير مما أوصله إلى ما هو عليه. ولا يكفي أن نعيد بناء بعض مؤسسات الدولة، بل علينا أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسه، وإلى مكانتها في وجدان اللبنانيين، وفي علاقتهم بعضهم ببعض، وفي نظرتهم إلى حقوقهم وواجباتهم. ولا يكفي أن نضع قوانين جديدة إذا استمرينا في التعامل مع القانون بوصفه قابلا للاستثناء، أو مع المؤسسات بوصفها أدوات لخدمة المصالح الخاصة، أو مع المواطنة بوصفها انتماءً يأتي بعد الانتماءات الأخرى".
أضاف: "إن النهضة التي يحتاج إليها لبنان ليست مجرد مشروع اقتصادي أو إداري أو عمراني. إنها أيضا نهضة في الفكر السياسي، وفي الثقافة الوطنية، وفي مفهوم المسؤولية العامة. نهضة تعيد الاعتبار إلى العقل في مواجهة التعصّب، وإلى المعرفة في مواجهة التضليل، وإلى الحوار في مواجهة التخوين، وإلى المواطنة في مواجهة الانقسامات. نهضة تدفعنا إلى مراجعة المسلّمات التي قيدت تفكيرنا، والممارسات التي أضعفت مؤسساتنا، والتسويات التي أجلت المشكلات بدل أن تحلها. فليس المطلوب أن نغيّر بعض الأشخاص فحسب، بل أن نغير أيضا الكثير من القواعد والممارسات التي حكمت حياتنا العامة، وأن نتجاوز التسليم بمنطق إدارة الأزمات إلى فعل بناء الدولة. وهذه ليست دعوة إلى القطيعة مع تاريخنا، بل إلى امتلاك الشجاعة لمراجعته، والتعلّم من تجاربنا، والتوقف عن تكرار أخطائنا".
وتابع: "لقد دفع اللبنانيون أثمانا باهظة للحروب والأزمات المتعاقبة، خسروا أرواحا وأرزاقا وبيوتا ومدّخرات، وخسر كثير من شبابنا الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم في وطنهم. واليوم، ونحن نعمل على استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل اراضيها، وإطلاق الإصلاحات اللازمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار، فإننا ندرك أن هذه المسارات مترابطة، وأن النجاح في أحدها لا يغني عن التقدم في المسارات الأخرى. فلا اقتصاد قابلا للنهوض من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، ولا استقرار ثابتا من دون دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا دولة قادرة من دون مؤسسات فاعلة. وهكذا لا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة قرارات لا يتخذونها عبر مؤسساتهم الدستورية، أو صراعات لا يريدونها، أو حروب لا يختارونها، بل يدفعون أثمانها مرة بعد مرة".
وأردف: "استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين إلى بيوتهم عودة آمنة وكريمة، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم، فالدولة التي نريد لا تكتمل سيادتها على أرضها إذا بقيت ضعيفة أمام المصالح الفئوية والخاصة، ولا تستعيد ثقة الناس إذا لم تقم على العدالة والمساواة وسيادة القانون. وهذه هي المهمة التي نعمل من أجلها، مدركين أن الطريق ليس سهلا، وأن التحديات كبيرة، وأن ما تراكم خلال عقود لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها. لكن صعوبة المهمة لا تبرّر تأجيلها، وحجم التحديات لا يعفينا من تحمّل المسؤولية".
وقال: "لا يمكن أن نطالب بدولة عادلة ونقبل بالمحسوبية حين تخدمنا، أو نطالب بمؤسسات قوية ثم نتجاوزها حين لا تناسبنا قراراتها، أو ندعو إلى الوحدة الوطنية فيما نواصل تغذية الانقسامات. ولا يمكن أن نبني مستقبلا مختلفا إذا ظللنا أسرى الأفكار نفسها التي ساهمت في إنتاج أزماتنا. وهنا بالذات تبرز أهمية النهضة الفكرية والثقافية. فنحن بحاجة إلى ثقافة سياسية لا تختزل السياسة بالصراع على السلطة، بل تراها مسؤولية عن الصالح العام، وإلى ثقافة مواطنة لا تنكر تنوّع اللبنانيين، بل تجعل من الدولة إطارا جامعا لهذا التنوع".
أضاف: "نحن بحاجة إلى فضاء ثقافي وإعلامي يتيح النقاش الحر، ويشجّع السؤال والمساءلة، ويواجه خطاب الكراهية والتضليل، من دون أن يخشى النقد أو يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة، فالنهضة الفكرية ليست ترفا يمكن تأجيله إلى ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي. إنها أحد شروط نجاح هذا الإصلاح واستدامته. وهنا لا أريد أن أحمّل الثقافة والكتاب أكثر مما يحتملان. فلا كتاب يوقف حربا بمفرده، ولا رواية تعيد إعمار قرية، ولا قصيدة تصلح اقتصادا. لكن الأفكار تصنع الخيارات، والخيارات ترسم مصائر الشعوب. ولذلك، فإن معركتنا من أجل النهوض بلبنان لا تنفصل عن معركتنا ضد الجهل والتعصّب والانغلاق، وعن سعينا إلى ترسيخ التفكير الحر والمسؤول، وإلى توسيع المساحات المشتركة بين اللبنانيين".
وتابع: "إنني أتطلع إلى أن تستعيد بيروت مكانتها في صناعة الكتاب، لا باعتبارها مجرد امتداد لماضٍ مجيد، بل بوصفها مركزا متجددا للإبداع والترجمة والنشر والحوار. وأتطلع إلى أن يكون هذا المعرض أكثر من مناسبة سنوية لعرض الكتب وبيعها، أن يكون مساحة للقاء بين الأجيال والأفكار، ومنبرا لأسئلة جديدة، ومحفزا لمبادرات تبقي القراءة والمعرفة حاضرتين في حياتنا على مدار السنة. وأحيي القائمين على المعرض، والناشرين والكتّاب والمترجمين والمحررين وأصحاب المكتبات، وكل الذين يحافظون على هذه الحياة الثقافية رغم الصعوبات".
وأردف: "نحن اليوم أمام فرصة لكي ننتقل من مجرد السعي إلى استعادة ما خسرناه، إلى العمل على بناء ما نريده لمستقبلنا. فالنهضة التي نريد لا يمكن أن تكون مشروع حكومة وحدها، ولا مسؤولية فئة دون أخرى، إنها مسؤولية وطنية جامعة، يلتقي فيها دور الدولة مع دور الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني، ومع إرادة اللبنانيين أنفسهم. إن لبنان الذي نريد استعادة سيادته وبناء دولته وإعمار أرضه يحتاج أيضا إلى أن يستعيد ثقته بعقله، وبطاقاته، وبقدرته على التغيير. يا اهل الفكر والثقافة، قد تتعب هذه المدينة، وقد تنزف، وقد يثقل الحزن قلبها، لكنها لا تستسلم، ولا تفقد ذاكرتها، ولا تتخلى عن رسالتها".
وختم: "بيروت التي تقرأ لا تموت، وبيروت التي تكتب لا تُهزم، وبيروت التي تفتح أبوابها للكتاب ستبقى، كما كانت دائما، مدينة للحياة، وعاصمة للكلمة الحرة، ومنارة عربية لا تنطفئ. ولتكن أيام المعرض مساحة أمل وسط الركام، ورسالة إلى العالم بأن بيروت، مهما اشتدت عليها المحن، ستبقى تطبع الكتاب، وتحتضن المبدعين، وتضيء شمعة المعرفة في وجه عواصف الجهل والحرب. فلا نهضة حقيقية من دون فكر حر، ولا دولة قوية من دون مواطنين أحرار، ولا وطن ينهض إذا فقد أبناؤه القدرة على أن يتخيّلوا له مستقبلا أفضل. عاش الفكر الحرّ، وعاش معه الكتاب".
وقدم الرئيس سلام والسيدة بعاصيري درعا تكريمية الى الاعلامي زافين قومجيان.
ثم جال رئيس الحكومة والوفد المرافق على دور النشر والمكتبات واطلع على أوضاعهم واستمع الى مطالبهم وعلى ابرز الاصدارات الجديدة.
وزير الثقافة
ثم كان ل "الوكالة الوطنية" حديث مع وزير الثقافة الذي أعرب عن سروره بافتتاح هذا المعرض، وقال: "لقد عملتُ على مدى عام كامل على إعادة توحيد معارض متنافسة كانت قد بدأت تستقر في لبنان. وبعد أحد عشر اجتماعًا بين النادي الثقافي العربي واتحاد الناشرين والمركز الثقافي الفرنسي، عدنا إلى معرض موحّد، وهذا ما يبعث في نفسي ارتياحًا وسرورًا عميقين".
وزير الاعلام
أما وزير الإعلام ، فقال ل "الوكالة الوطنية": "الجديد هذا العام، وبمقتضى قانون الإعلام الجديد، أنه لم تعد هناك ضرورة للحصول على ترخيص مسبق لدور النشر. وهذا القانون الذي طال انتظاره، وصدر ونشر في هذا العهد الرئاسي منذ نحو شهر، يتضمن في أحد جوانبه الإصلاحية عدم المحاسبة على النيات، إذ ان أي مخالفة أو نشر رأي قد تحصل، إنما تقع تحت طائلة القانون العام فقط في حال حصولها. لم يعد هناك مكان للترخيص المسبق لدور النشر، وبذلك ذهب لبنان إلى المكان الطبيعي الذي ينبغي أن يكون فيه، بلد يمتاز يالحريات وأخصّها حرية الرأي والتعبير والنشر، قولاً وفعلاً".
السفير الفرنسي
من جهته، أشار السفير الفرنسي باتريك دوريل إلى أن "الثقافة لها صفة كونية، وإن كانت متجذّرة في أماكن مختلفة، وإن وجود المركز الثقافي الفرنسي ومعهد الفرنسي للشرق الأدنى في معرض الكتاب أمر جيد. فالفرنكوفونية ليست قيمًا فحسب، بل هي أيضًا تعددية ثقافية. ومن الجيد أن يكون هناك معرض بيروت للكتاب، الذي سيضم نحو أربعين مؤلفًا فرنسيًا، إضافة إلى الكتاب ودور النشر".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|