الصحافة

زيتون الجنوب شاهدٌ على جرائم إسرائيل وتجاهلها "الإطار الثلاثي"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

 

في زوطر الشرقية، لا تبدو أشجار الزيتون المعمّرة مجرد أشجار تقاوم محاولات الاقتلاع، بل تختصر حكاية أرضٍ يريد الاحتلال الإسرائيلي انتزاعها من ذاكرتها وأهلها ومستقبلها. فالفيديو الذي وثّق الاعتداء على أشجار الزيتون، إلى جانب تدمير المنازل وتغيير معالم القرى الجنوبية، يعيد طرح السؤال الأخطر: هل يكتفي الاحتلال بفرض واقع عسكري على الأرض، أم يسعى إلى جعلها غير قابلة للحياة، تمهيدًا لتكريس واقع جغرافي جديد؟

ما يجري يتجاوز الأضرار التي تخلّفها العمليات العسكرية. فاقتلاع الشجر المعمّر، إذا ما وُضع في سياق تدمير المنازل وتجريف الأراضي، يصبح جزءًا من سياسة تستهدف مقوّمات بقاء السكان وارتباطهم بأرضهم. وهي ممارسات تستحضر ما شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة من تغيير للمعالم الطبيعية وتكريس للوقائع بالقوة، تمهيدًا لتغيير الواقع الديمغرافي وتوسيع الاستيطان، تنفيذًا لحلم «إسرائيل الكبرى». وهذا ما يجعل حماية الأرض اللبنانية اختبارًا فعليًا لسيادة الدولة، لا مجرد عنوان سياسي.

أعاد رئيس الجمهورية جوزاف عون التأكيد أن إسرائيل تواصل اعتداءاتها وتدمير المنازل في القرى التي لم تنسحب منها، في مخالفة لاتفاق الإطار الذي جرى برعاية أميركية، مطالبًا بوقف التدمير واستكمال إعادة الأسرى. وشدّد على أن الجيش اللبناني يقوم بالمهام الموكلة إليه في الجنوب وفي مختلف أنحاء لبنان، لكنه يحتاج إلى المعدات والآليات اللازمة.

وفي السياق نفسه، نفى المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام ما نُسب إليه من انتقاد لقيادة الجيش خلال لقاءاته في واشنطن، مؤكدًا أن موقفه في جميع اللقاءات ركّز على ضرورة دعم قدرات المؤسسة العسكرية وتعزيزها، ووضع آلية واضحة للتحقّق من تنفيذ اتفاق الإطار، بما يضمن التزام جميع الأطراف بتعهّداتها. وشدّد البيان على أنه لا يمكن الحكم على أداء الجيش في تنفيذ الاتفاق قبل وضع هذه الآلية، وأن تصوير سلام وكأنه يحرّض على المؤسسة العسكرية أو يسعى إلى ممارسة ضغوط خارجية عليها يتناقض مع مواقفه الداعمة للجيش ولدوره في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وفق اتفاق الطائف والبيان الوزاري وقرارات الحكومة.

إنها رسالة واضحة إلى واشنطن قبل أي طرف آخر: لا يمكن مطالبة لبنان بتنفيذ التزاماته فيما يبقى الاحتلال خارج المساءلة، وتتحول الاتفاقات إلى نصوص عاجزة عن حماية المنازل والأرزاق، بل حتى أشجار الزيتون. فالاتفاق الذي لا يوقف الاعتداءات ولا يضمن الانسحاب ولا يحمي السكان يفقد قدرته على بناء الثقة، وتصبح الأولوية لممارسة ضغط دولي فعلي يضع حدًّا للعدوان ويفتح الطريق أمام بسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دوليًا.

وفي موازاة هذا المشهد، يفتح التحقيق الذي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" حول اللواء السوري السابق بسام الحسن، المقيم في لبنان، ملفًا بالغ الحساسية يتجاوز قضية شخص مطلوب للمحاسبة. فالتحقيق، المشترك مع الإذاعة الوطنية العامة الأميركية، يتحدث عن ترتيب يتيح للحسن الإقامة والحماية وتغطية احتياجاته المعيشية، مقابل تقديم معلومات تتصل باختفاء الصحافي الأميركي أوستن تايس عام 2012، في إطار تنسيق يُقال إنه يشمل جهات أميركية ولبنانية.

وتنقل "بي بي سي" عن مصادر مطّلعة أن الترتيب يعود إلى ربيع عام 2025، وأن الحسن قدّم معلومات عن قضية تايس، فيما شككت مصادر التحقيق في بعض رواياته، بعدما لم تسفر عمليات البحث في موقع حدّده عن العثور على رفات الصحافي. كما تحدث التحقيق عن مسؤولين آخرين من النظام السوري السابق يُعتقد أنهم يقيمون في لبنان أو يتنقلون عبر المنطقة. وهذه معطيات صحافية خطيرة تستدعي توضيحات رسمية.

المسألة هنا ليست الاختيار بين التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة والاستجابة للمطلب السوري، بل منع تحوّل لبنان إلى ملاذ دائم لشخصيات مطلوبة، أو إلى ساحة لتصفية الحسابات الأمنية مع سوريا الجديدة. ومن هذا المنطلق، يكتسب موقف الحزب التقدمي الاشتراكي، الداعي إلى تحصين العلاقات اللبنانية السورية وتسليم ضباط النظام السابق المطلوبين إلى السلطات السورية الجديدة وفق الأصول القانونية، أهمية خاصة. فالعلاقات السليمة لا تُبنى على الصفقات الأمنية الغامضة، بل على الندّية والاحترام المتبادل والتعاون القضائي والأمني.

ويحتاج البلدان إلى ترجمة هذا التوجه عمليًا، عبر ضبط الحدود ومنع التهريب، وملاحقة الشبكات الخارجة عن القانون، وتبادل المعلومات ضمن أطر مؤسساتية واضحة. كما أن أمامهما فرصة اقتصادية لا تقل أهمية، مع إمكان ربط لبنان بشبكات النقل والاتصالات والتجارة التي تتشكل بين العالم العربي وتركيا وأوروبا عبر سوريا. فإما أن تكون الحدود مساحة تعاون واستثمار، وإما أن تبقى ثغرة تستنزف البلدين وتعرقل تعافيهما.

داخليًا، برز بيان المكتب الإعلامي لسلام في مواجهة ما وصفه بحملة شائعات واختلاق مواقف منذ عودته من واشنطن، بهدف افتعال خلافات بينه وبين أطراف لبنانية، ولا سيما المؤسسة العسكرية ومصرف لبنان وشركة إنترا للاستثمار. وفي ما يتعلق بالمادة 95 من الدستور، نفى البيان ما يُتداول عن مواقف منسوبة إلى سلام بشأن تغيير طائفة قائد الجيش أو حاكم مصرف لبنان، مؤكدًا تمسّكه بتطبيق الدستور، وأنه لم يأتِ على ذكر أيٍّ من المنصبين في هذا السياق خلال لقاءاته في واشنطن.

أما في ملف "إنترا"، فأوضح المكتب الإعلامي أن الشركة مساهمة، ويملك مصرف لبنان نحو 35 في المئة من رأسمالها، فيما تملك وزارة المالية أقل من 10 في المئة، وتتوزع سائر الأسهم على مستثمرين من القطاع الخاص من لبنان والكويت وقطر، إضافة إلى مساهمين أفراد. وبحسب البيان، يخضع انتخاب مجلس إدارتها وتشكيله لقانون التجارة اللبناني ونظامها الأساسي، من خلال ممارسة المساهمين حقوقهم القانونية والتصويتية وفق نسب مساهماتهم.

وعليه، شدّد البيان على أن تشكيل مجلس إدارة "إنترا" ليس قرارًا حكوميًا، وأن دور الحكومة يقتصر على الحقوق التي تمارسها وزارة المالية بصفتها مساهمًا، بما فيها التصويت لمرشحيها وللمرشح الذي تؤيده لرئاسة المجلس، وهو أمر سيُبحث داخل الحكومة في حينه. وينطبق المبدأ نفسه على مصرف لبنان، الذي لا تشكّل حصته، منفردة أو مضافة إلى حصة وزارة المالية، أكثرية في رأسمال الشركة. كما نفى البيان تأييد سلام أي مرشح أو اعتراضه على آخر، مؤكدًا أن الموضوع لم يُبحث بعد داخل الحكومة، وأن رئيسها لم يتخذ موقفًا من الأسماء المتداولة.

وبموازاة هذه السجالات، لا تقل الضغوط المعيشية خطورة عن الضغوط الأمنية والسياسية. وقد أقرّ مجلس الوزراء أمس مجموعة من الخطوات التي تمسّ الخدمات والنقل والطاقة، فيما أكد سلام متابعة الأزمة الاجتماعية ومعاناة اللبنانيين. ومن أبرز ما أُعلن تحديد 15 تشرين الثاني موعدًا لأول رحلة تجارية من مطار القليعات، وإعداد خطة للنقل العام تبدأ بشراء 250 حافلة، إلى جانب التوجه إلى زيادة القروض الميسّرة للطاقة الشمسية وفتح اعتماد بقيمة 50 مليون دولار لمؤسسة "كهرباء لبنان"، تفاديًا لانقطاع شامل للتيار. كما عيّن المجلس البروفيسور بسام بدران رئيسًا للجامعة اللبنانية، وديانا ماراديان مديرة لإدارة الإحصاء المركزي، وأبقى العمل بالتوقيتين الصيفي والشتوي على حاله.

هذه خطوات مهمة، لكنها تحتاج إلى سرعة في التنفيذ ووضوح في التمويل والجدول الزمني، والأهم إلى نتائج ملموسة تنعكس على كلفة التنقل والكهرباء والخدمات. فاللبناني الذي يواجه تراجع قدرته الشرائية لا تكفيه الخطط المعلنة؛ إنه يريد أن يلمس أثرها في حياته اليومية. كما أن معالجة الأزمة الاجتماعية لا ينبغي أن تنفصل عن حماية الفئات الأكثر هشاشة، والرقابة على الإنفاق، ومنع تحميل المواطنين أعباء إضافية لا يحتملونها.

وفي ملف إعادة الإعمار، أعاد تقرير رويترز عن تلقّي حزب الله 200 مليون دولار من إيران لدعم العائلات النازحة فتح النقاش حول مصادر التمويل وآليات توزيعه. واستند التقرير إلى شخصين قالا إن لديهما معرفة مباشرة بالتحويل، فيما أشار مسؤول في الحزب إلى تأمين مبلغ ووضع خطة لتوزيعه، من دون أن يوضح مصدر الأموال. في المقابل، نفى المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت وجود هذه الأموال، واعتبر الرواية محاولة لتلميع صورة الحزب، مؤكدًا استمرار العقوبات الأميركية ودعم الحكومة اللبنانية في إعادة إعمار الجنوب.

ويشكّل تضارب الروايتين، بين ما أورده التقرير ونفي واشنطن، امتدادًا للتباين في المواقف الإقليمية بين طهران وواشنطن، ولا سيما حول مضيق هرمز. لكن الأهم بالنسبة إلى اللبنانيين، والجنوبيين على وجه الخصوص، ألّا يتحول ملف إعادة الإعمار إلى جزء من التجاذبات الإقليمية، وأن يبقى مسؤولية وطنية تضمن حقوق المتضررين من دون تمييز، ضمن آليات تخضع للشفافية والرقابة، وألّا تصبح المساعدات وسيلة لتعميق الانقسام أو تجاوز مؤسسات الدولة. فالمعيار ليس الجهة التي تعلن التمويل، بل قدرة كل عائلة متضررة على استعادة منزلها وكرامتها ضمن خطة واضحة ومستدامة.

أما إقليميًا، فتتسع دائرة المخاطر من اليمن إلى مضيق هرمز. فقد تحدثت الحكومة اليمنية عن تقدم ميداني بدعم سعودي، فيما واصل الحوثيون تهديداتهم وهجماتهم التي طالت مطارات سعودية، بالتوازي مع تقارير عن تهديد منشآت الطاقة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار النفط الخميس، إذ أغلق خام برنت عند نحو 104 دولارات للبرميل، وسط مخاوف من اتساع المواجهة واضطراب الإمدادات.

وفي هرمز، تتراوح التصريحات الأميركية والإيرانية بين الحديث عن اتصالات وفرص للتهدئة، وإطلاق تهديدات مرتبطة بحرية الملاحة والعقوبات. ونقلت "رويترز" أن طهران تراجع الرد الأميركي على مقترح لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام، فيما فرضت واشنطن عقوبات جديدة على شبكات وسفن تنقل النفط الإيراني. هذا التباين لا يعني أن التسوية باتت وشيكة، بل يعكس محاولة كل طرف تحسين موقعه التفاوضي تحت ضغط الاقتصاد والطاقة والأمن البحري.

جريدة الانباء الالكترونية

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا