الصحافة

كمال جنبلاط وحرية العمل الفدائي: إشكالية التعارض مع اتفاقية الهدنة اللبنانية - الإسرائيلية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

شكّلت مسألة العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقًا من لبنان واحدة من أبرز قضايا الانقسام السياسي في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات. وكان كمال جنبلاط من أبرز السياسيين اللبنانيين المؤيدين للمقاومة الفلسطينية ولإفساح المجال أمام نشاطها في لبنان.

لكن هذا الموقف يطرح إشكالية قانونية وسياسية أساسية: كيف يمكن التوفيق بين تأييد حرية العمل الفدائي انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، وبين التزامات لبنان بموجب اتفاقية الهدنة مع إسرائيل لعام 1949، التي تحظر انطلاق الأعمال الحربية أو العدائية من أراضي أحد الطرفين ضد الآخر؟

المسألة هنا ليست ما إذا كان جنبلاط قد رفض اتفاقية الهدنة أو طالب بإلغائها، بل مدى انسجام السياسة التي دعا إليها تجاه المقاومة الفلسطينية مع الالتزامات التي رتبتها تلك الاتفاقية على الدولة اللبنانية.

جنبلاط: «إقرار حرية العمل الفدائي في لبنان»

عبّر كمال جنبلاط عن موقفه بصورة واضحة في عرضه لمواقف الحزب التقدمي الاشتراكي وجبهة النضال خلال أزمة عام 1969.
ففي نص تناول فيه التطورات السياسية التي شهدها لبنان آنذاك، استعرض جنبلاط ما عُرف بـ«مذكرة السبعة عشر بندًا» التي أصبحت لاحقًا تسعة عشر بندًا، والتي قال إن الحزب التقدمي الاشتراكي وجبهة النضال تبنياها وأيدتها الأحزاب والهيئات التقدمية باعتبارها برنامجًا للعمل.
وكان في مقدمة ما أورده:
«إقرار حرية العمل الفدائي في لبنان وتنسيقه باعتبار أن على لبنان أن يتحمل مسؤولية المشاركة العربية».

وتكتسب هذه العبارة أهمية خاصة لأنها تحدد موقف جنبلاط بصورة مباشرة. فهو لم يكتفِ بتأييد القضية الفلسطينية أو حق الفلسطينيين في المقاومة من حيث المبدأ، بل دعا إلى حرية العمل الفدائي داخل لبنان وتنسيقه، انطلاقًا من اعتقاده بأن على لبنان تحمل نصيبه من «مسؤولية المشاركة العربية».

وقد ورد هذا الكلام في سياق أزمة عام 1969 والصدامات بين الفدائيين الفلسطينيين والسلطات اللبنانية، وهي الأزمة التي انتهت بتوقيع اتفاق القاهرة في 3 تشرين الثاني 1969.
وفي النص نفسه، انتقد جنبلاط سياسة «الضغط والقمع» تجاه الفلسطينيين، وأشار إلى أن المواجهة انتهت إلى اتفاق القاهرة. وكان جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي وجبهة النضال في صلب التيار اللبناني الداعم لتنظيم العمل الفدائي وإفساح المجال أمامه بدل مواجهته عسكريًا.

كما كان جنبلاط من المؤيدين للتسوية التي أنتجها اتفاق القاهرة، ثم تولى وزارة الداخلية في الحكومة التي تشكلت بعد الاتفاق، في مرحلة أصبحت فيها العلاقة بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية من أبرز الملفات الأمنية والسياسية في البلاد.

ماذا تقول اتفاقية الهدنة؟
في المقابل، كان لبنان مرتبطًا باتفاقية الهدنة العامة التي وقعها مع إسرائيل في رأس الناقورة في 23 آذار 1949 برعاية الأمم المتحدة.
ولا تقتصر أهمية الاتفاقية على وقف القتال بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، إذ تناولت أيضًا القوات العسكرية وشبه العسكرية وغير النظامية.
وتنص الفقرة الثالثة من المادة الثالثة، في جوهرها، على أنه:
«لا يجوز توجيه أي عمل حربي أو عمل عدائي من أراض يسيطر عليها أحد فريقَي هذا الاتفاق ضد الفريق الآخر».
وهنا تظهر الإشكالية بوضوح. فالالتزام لا يتعلق فقط بمنع الجيش اللبناني من مهاجمة إسرائيل، بل بمنع انطلاق الأعمال الحربية أو العدائية من الأراضي الخاضعة لسيطرة الدولة اللبنانية.
لذلك فإن كون الفدائيين الفلسطينيين لا ينتمون إلى الجيش اللبناني لا يحسم المسألة، لأن النص يركز أيضًا على الأرض التي ينطلق منها العمل العدائي، فضلًا عن إشارته إلى القوات غير النظامية.
أين يقع التعارض؟

يمكن وضع النصين جنبًا إلى جنب.
جنبلاط يدعو إلى:
«إقرار حرية العمل الفدائي في لبنان وتنسيقه».
بينما اتفاقية الهدنة تحظر توجيه:
«أي عمل حربي أو عمل عدائي» من أراضي أحد الطرفين ضد الآخر.
فإذا كانت «حرية العمل الفدائي» تعني السماح بتنفيذ عمليات مسلحة ضد إسرائيل انطلاقًا من لبنان، يظهر تعارض عملي وقانوني بين السياسة التي أيدها جنبلاط وبين الالتزام الواقع على الدولة اللبنانية بموجب اتفاقية الهدنة.

وهذا لا يعني أن جنبلاط دعا بالضرورة إلى نشاط عسكري فلسطيني بلا ضوابط. فعبارته نفسها تجمع بين حرية العمل الفدائي و«تنسيقه»، كما أظهرت مواقفه اهتمامًا بتنظيم الوجود الفلسطيني المسلح والحد من بعض مظاهر السلاح داخل المدن والمناطق المأهولة.

لكن التنظيم لا يلغي الإشكالية القانونية الأساسية: فإذا انتهى النشاط المنظم إلى عمليات عسكرية تنطلق من الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل، فإن التعارض مع أحكام الهدنة يبقى قائمًا.

اتفاق القاهرة وتكريس الإشكالية

زاد اتفاق القاهرة عام 1969 هذه المسألة تعقيدًا، لأنه وضع إطارًا ينظم الوجود والنشاط الفلسطيني المسلح في لبنان، ومنح المقاومة الفلسطينية هامشًا من الحركة في المناطق المرتبطة بالعمل الفدائي.
وهكذا وجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة، هناك اتفاقية هدنة دولية تلزمه بمنع انطلاق الأعمال العدائية من أراضيه ضد إسرائيل؛ ومن جهة ثانية، هناك ترتيب لبناني–فلسطيني ينظم وجود مقاومة مسلحة كان القتال ضد إسرائيل أحد أهدافها الأساسية.

وقد استندت إسرائيل لاحقًا إلى اتفاق القاهرة وإلى ترتيبات أخرى مع المقاومة الفلسطينية للقول إن لبنان تخلى عمليًا عن مقتضيات الهدنة. لكن ذلك لم يؤدِ تلقائيًا إلى إلغاء اتفاقية 1949، إذ بقيت مسألة استمرار الهدنة قانونيًا منفصلة عن مسألة مدى التزام الأطراف بأحكامها.

بين «المشاركة العربية» والتزام الدولة
تكشف هذه الإشكالية في العمق عن رؤيتين لدور لبنان في الصراع العربي–الإسرائيلي.
الأولى تنطلق من لبنان بوصفه دولة مرتبطة باتفاقية دولية، وبالتالي ملزمة بمنع استخدام أراضيها لشن أعمال عسكرية ضد الطرف الآخر.

أما رؤية جنبلاط فكانت تقوم على أن لبنان لا يستطيع الانفصال عن المواجهة العربية مع إسرائيل، وأن عليه تحمل «مسؤولية المشاركة العربية»، وهو ما يفسر مطالبته بإقرار حرية العمل الفدائي الفلسطيني وتنظيمه.
ومن هنا لم يكن الخلاف اللبناني حول المقاومة الفلسطينية مجرد خلاف حول التضامن مع القضية الفلسطينية، بل كان أيضًا خلافًا حول حدود السيادة ووظيفة الدولة والتزاماتها الدولية: هل تكون الأولوية لمنع استخدام الأراضي اللبنانية في العمليات العسكرية التزامًا بهدنة 1949، أم لإفساح المجال أمام المقاومة الفلسطينية انطلاقًا من مسؤولية لبنان في الصراع العربي–الإسرائيلي؟

ولا يحتاج هذا التعارض إلى افتراض أن كمال جنبلاط رفض اتفاقية الهدنة أو طالب بإلغائها. فالمسألة أكثر تحديدًا: جنبلاط أيد سياسة تسمح بالعمل الفدائي الفلسطيني من لبنان، بينما كانت الدولة اللبنانية مرتبطة باتفاقية تحظر انطلاق الأعمال الحربية والعدائية من أراضيها ضد إسرائيل.

وبين عبارتي «إقرار حرية العمل الفدائي في لبنان وتنسيقه» و «لا يجوز توجيه أي عمل حربي أو عمل عدائي» من أراضي أحد الطرفين ضد الآخر، تتجسد واحدة من أبرز الإشكاليات السياسية والقانونية التي طبعت علاقة لبنان بالمقاومة الفلسطينية في تلك المرحلة.

بسام ابو زيد - "اخبار اليوم"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا