الشرع ومحمد بن زايد يبحثان تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري
حين تصبح العمامة وظيفة عامة: من يفصل الدين عن خزينة الدولة؟
ثمة مهارة لبنانية خالصة في اكتشاف الأولويات التي لا تخطر على بال أحد. ففي بلد أمضى مواطنوه سنوات وهم يشاهدون مدّخراتهم تتبخّر، ورواتبهم تتآكل، ومعاشات المتقاعدين فيه تفقد قيمتها، ويبحثون بأنفسهم عن فاتورة الاستشفاء والدواء وتعليم أولادهم وضمان شيخوختهم، عثرت الدولة أخيرًا على فئة تستحق أن تقلق على مستقبلها بعد انتهاء الخدمة: الرؤساء الروحيون.
في 21 أيلول الماضي، أحالت الحكومة إلى مجلس النواب مشروع قانون معجّل مكرّر يرمي إلى منح الرؤساء الروحيين للطوائف الإسلامية الأربع، السنّة والشيعة والموحّدين الدروز والعلويين، معاشًا تقاعديًّا. المشروع لم يصبح قانونًا بعد، لكن فلسفته مكتملة: من يخدم أقل من خمسة عشر عامًا يستحق 66% من مخصّصه الأخير، ومن يبلغ خمسة عشر عامًا وما فوق يحصل على 85%، مع استمرار التقديمات الصحية. أي إنّ الجمهورية اللبنانية، التي ما زالت عاجزة عن صياغة عقد اجتماعي يحمي مواطنيها من الشيخوخة، وجدت نفسها فجأة أمام واجب أخلاقي عاجل لحماية شيخوخة المرجع الروحي.
لكن كلمة «تقاعد» تخبّئ وراءها تفصيلًا أكثر إثارة: حتى يتقاعد المرء، يُفترض أن يكون هناك ما يتقاعد منه أصلًا. وهنا قد يكتشف جزء من اللبنانيين للمرة الأولى أنّ رؤساء المرجعيات الإسلامية لا يعيشون فقط على أوقاف طوائفهم ومؤسساتها، بل يتقاضون مخصّصات مالية من خزينة الدولة. ففي عام 2018، مثلًا، وبعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب، بلغت المخصّصات الشهرية لكلّ من مفتي الجمهورية، ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ورئيس المجلس الإسلامي العلوي، وشيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز، أكثر من 7 ملايين ليرة، وفق الأرقام المنشورة آنذاك. والأطرف أنّ بعض هذه المخصّصات لم ينزل علينا مع الدستور، ولا ورثناه عن العثمانيين، بل توسّع بقوانين حديثة نسبيًّا، أي إنّ الدولة اختارت أن تعمّق هذه العلاقة المالية مع المرجعيات بدل أن تفكّكها.
وهنا تبدأ الحكاية الفعلية… فهؤلاء الرؤساء ليسوا، بالمعنى القانوني، موظفين عاديين في الإدارة العامة، ولا يدخلون في ملاكها كما يدخل القاضي أو الأستاذ أو الموظف، بل يشغلون مواقع دينية ويُنتخبون وفق أنظمة طوائفهم، فيما تحدّد قوانين خاصة مخصّصاتهم. ومع ذلك، ها نحن نقترب خطوة إضافية: من المخصّصات إلى التقديمات الصحية، ومن التقديمات الصحية إلى المعاش التقاعدي، حتى يكاد المرء ينسى للحظة أنّه أمام رئيس مرجعية دينية، لا أمام مدير عام يستعد لتسليم مكتبه ومفتاح سيارة المصلحة.
وليس مهمًّا كثيرًا كم ستكلّف هذه المعاشات خزينة الدولة. بالتأكيد، أربعة معاشات لن تُفلس الخزينة، وإلغاؤها لن يعيد أموال المودعين أو يصلح الضمان الاجتماعي. لكن الرقم الصغير يكشف فكرة كبيرة: لماذا تعتبر الدولة نفسها مسؤولة أصلًا عن راتب رجل دين وتقاعده؟
والأغرب أنّ المشهد لا يشمل الجميع بالطريقة نفسها. فرؤساء الكنائس ورجال الدين المسيحيون لا يتقاضون النوع نفسه من المخصّصات الشخصية المباشرة التي يتقاضاها عدد من رجال الدين المسلمين. هنا يستطيع النظام اللبناني، بطبيعته، أن يقودنا فورًا نحو السؤال المفضّل لديه: لماذا هؤلاء نعم وهؤلاء لا؟ وربما تبدأ غدًا المطالبة الشعبية بتصحيح الغبن الحاصل عبر إضافة رجال دين جدد إلى لائحة تقاضي الأموال من الخزينة، فننجح كعادتنا في حلّ مشكلة طائفية بصناعة مشكلة طائفية أكبر، ونحقّق المساواة عبر توزيع الخلل بالتساوي…
غير أنّ وجود هذا الاختلاف يفتح سؤالًا أكثر فائدة: إذا كان البطريرك يستطيع أن يبقى بطريركًا من دون أن يكون على لائحة المعاش، والكنيسة لم تحتج إلى إدخاله في ملاك الجمهورية حتى تعترف بسلطته الروحية، فلماذا لا تستطيع المرجعيات الإسلامية أن تقوم على المبدأ نفسه؟ للطائفة أوقافها ومؤسساتها وأبناؤها، وهي التي تختار رئيسها وتحدّد مكانته. فمن الطبيعي أيضًا أن تكون هي من يؤمّن له راتبه وضمانه وتقاعده.
لا ينتقص ذلك شيئًا من قيمة رجل الدين بالنسبة إلى المؤمن. من حق أي شخص أن يعتبر المفتي أو شيخ العقل أو البطريرك مرجعه، وأن يمنحه من الاحترام والمكانة ما يشاء. لكن هذه العلاقة تخصّ المواطن المؤمن ومرجعيته حصرًا. لا يُفترض بالدولة أن تؤمن بالله نيابةً عن مواطنيها، ولا أن تختار لهم مرجعًا، وبالتالي يصعب فهم لماذا عليها أن تدفع راتبه ثم تقلق على تقاعده بعد انتهاء مدة خدمته لطائفته.
ولعلّ السؤال الذي يختبئ خلف كل هذا العدّ من راتب وتقاعد ومخصّصات هو: أين تنتهي الطائفة لتبدأ الدولة، وأين تنتهي الدولة لتبدأ الطائفة؟ سؤال لم ينجح لبنان، منذ ولادته، في رسم حدوده بوضوح. نطلب من رجل الدين أن يعود إلى محرابه كلما اقترب من السياسة، ثم تعبر الدولة بنفسها عتبة ذلك المحراب حاملةً معها دفتر الشيكات. نرفض أن تكون العمامة جزءًا من السلطة، فيما تصرّ السلطة على أن تكون جزءًا من حسابات العمامة. وهكذا يصبح الحديث عن فصل الدين عن الدولة ناقصًا، ما دام الفصل مطلوبًا من جهة واحدة فقط. فالدولة المدنية لا تولد يوم يبتعد رجل الدين عن كرسي الحكم وحسب، بل يوم تعرف الدولة أيضًا أين تنتهي سلطتها، وتترك للطائفة إيمانها ومرجعها… وفاتورتهما.
فليكن للمؤمن مرجعه، وللطائفة رئيسها، ولرجل الدين مكانته، ولكن بعيدًا عن خزينة الدولة.
فالطريق إلى الله قد يمرّ بالجامع أو الكنيسة… لكنه لا يحتاج، بالضرورة، إلى محطة في وزارة المالية.
بيرلا حيدر - مجتمعنا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|