الكهرباء على طاولة بري وسلام.. هل يتحوّل التوافق إلى قرار؟
أعاد اللقاء بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام ملف الكهرباء إلى واجهة البحث السياسي، مع الدعوة إلى إيجاد "حل جذري"، ولو من خلال نظام "BOT" أو اتفاق لبناني دولي. فاللقاء الذي تناول التطورات السياسية والميدانية ونتائج تحركات سلام الخارجية، خصّص مساحة لملف يعرف اللبنانيون كلفته جيدًا، لكنهم لم يسمعوا بعد كيف سيختلف الحل المطروح هذه المرة عن الوعود التي سبقته.
مع ذلك، يحمل طرح هذه الخيارات دلالة تستحق التوقف عندها، لأنه يفتح النقاش حول طريقة تمويل المشاريع وتنفيذها، وحدود الاستعانة بالقطاع الخاص أو بشريك دولي. غير أنّ ما أُعلن عن اللقاء بقي عند حدود البحث في الخيارات، من دون تحديد مشروع بعينه أو آلية لتمويله أو مهلة لإنجازه. لذلك، يصعب التعامل مع اجتماع عين التينة بوصفه بداية حل محسوم، بقدر ما يمكن اعتباره مناسبة لاختبار قدرة التوافق السياسي على إنتاج خطوات عملية.
ومن هنا، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بمدى قدرة هذا التفاهم أن يغيّره في مسار اتخاذ القرار على مستوى قطاع لطالما عانى اللبنانيون معه، ولم يلقوا في المقابل سوى الوعود الرنانة التي تسقط عند أول استحقاق. فهل يساعد التفاهم المستجد على حسم الخيارات وتوزيع المسؤوليات وتأمين متطلبات التنفيذ، أم تبقى عبارة "الحل الجذري" أوسع من الإجراءات التي ستأتي بعدها؟
ماذا يضيف التوافق السياسي؟
سياسيًا، يتيح حضور الكهرباء في لقاء بري وسلام قراءة تتجاوز الجانب الخدماتي المباشر. فالتطورات الأمنية والمفاوضات والضغوط الخارجية لا تلغي حاجة الحكومة إلى العمل على ملفات تقع ضمن مسؤولياتها اليومية. كما أنّ تعثّر المسارات المرتبطة بأطراف خارجية يجعل قدرتها على تحقيق نتائج داخلية أكثر أهمية. بهذا المعنى، يمكن أن يشكّل التفاهم على الكهرباء مساحة تعاون قابلة للتوسّع، شرط أن تُترجم إلى مشروع محدد، وألا تُحمَّل منذ الآن معنى تسوية سياسية شاملة لم يعلنها الطرفان.
لكنّ قيمة هذا التفاهم لا تُقاس بمجرد جمع رئاستي المجلس والحكومة حول أولوية واحدة. ما يهمّ هو مدى قدرته على تسهيل القرارات المطلوبة حين تظهر كلفتها وتفاصيلها: أيّ مشروع سيُعتمد؟ وما الذي يحتاجه من تمويل أو إجراءات أو تشريعات؟ فالخلافات تظهر عادةً عند الانتقال إلى اختيار الصيغ وتحديد الالتزامات، حيث يصبح لكل قرار مستفيدون ومعترضون. وهنا تحديدًا يتبيّن إن كان الاتفاق على الهدف يتّسع أيضًا لتحمّل مسؤولية الطريق المؤدي إليه.
وفي المقابل، لا يكفي توفير الغطاء السياسي إذا بقيت المسؤوليات التنفيذية غير واضحة. فالحكومة ووزارة الطاقة والمؤسسات المعنية مطالبة بتقديم خيارات قابلة للمقارنة، فيما يُفترض أن يواكب المجلس ما يحتاج إلى تشريع، وأن يمارس الرقابة على التنفيذ. وقد يساعد تفاهم بري وسلام على تسهيل هذا المسار، لكنه لا يغني عنه. فاللبنانيون يحتاجون إلى معرفة الجهة المسؤولة عن كل خطوة، حتى لا يتوزّع الإعلان عن الإنجاز على الجميع، ثم تضيع مسؤولية التأخير بينهم.
من يدفع كلفة الحل ومن يضمن نتيجته؟
على المستوى العملي، يفتح ذكر نظام "BOT"، أي البناء والتشغيل ثم نقل الملكية، باب الاستعانة بمستثمر يتولى مشروعًا وفق شروط ومدة محددتين. لكنّ اسم الصيغة وحده لا يجيب عن الأسئلة الأساسية، بدءًا من حجم المشروع وكلفته، وصولًا إلى طريقة استرداد الاستثمار والالتزامات التي ستتحملها الدولة. لذلك، فإنّ طرح هذا الخيار يستدعي نقاشًا في شروطه وضماناته، من دون اعتباره وصفة جاهزة، أو رفضه مسبقًا قبل معرفة ما سيُعرض فعليًا.
وينطبق الأمر نفسه على احتمال التوصل إلى اتفاق لبناني دولي. فالشراكة الخارجية قد تتيح تمويلًا أو خبرات أو قدرات تنفيذية، لكنّ قيمتها تتحدد بما ستقدّمه وبما ستطلبه في المقابل. ومن حقّ اللبنانيين أن يعرفوا ما إذا كانت الالتزامات ستقع على الخزينة أو على المستهلك، وكيف ستُحتسب الكلفة، وما الضمانات في حال تأخر التنفيذ أو لم تتحقق النتائج المتفق عليها. وهذه أسئلة ينبغي أن ترافق إعداد أي اتفاق، حتى تكون الموافقة عليه مبنية على مضمونه الفعلي.
أما الاختبار الأوضح لأي مشروع، فيبقى أثره على الخدمة التي تصل إلى الناس. فزيادة القدرة الإنتاجية تحتاج إلى ما يضمن تشغيلها واستمراريتها، ونقل الكهرباء وتوزيعها وجباية مستحقاتها. كما أنّ الحكم على الكلفة لا يستقيم من دون النظر إلى ما يدفعه المواطن لتأمين حاجته من الكهرباء بمختلف مصادرها. لذلك، يفترض أن يوضح أي عرض جدي مقدار التحسن المتوقع في التغذية، والمدة اللازمة للوصول إليه، وأثره على الفاتورة، بدل الاكتفاء بتقديم حجم الاستثمار بوصفه إنجازًا قائمًا بذاته.
يمكن للقاء بري وسلام أن يكتسب أهمية تتجاوز الخبر إذا أعقبته خطوة محددة: عرض تفصيلي، أو قرار قابل للتنفيذ، أو إعلان واضح للمسؤوليات والمواعيد. أما إذا بقي النقاش موزعًا بين صيغ مفتوحة من دون ترجيح أو متابعة، فلن يكون أمام اللبنانيين ما يقيسون به جدية الوعد الجديد. ما ينتظرونه الآن هو معرفة ما الذي تقرر فعله، ومن سيتولاه، ومتى سيظهر أثره في بيوتهم.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|