الاستثناء الأميركي: لماذا تقتل "أعرق الديمقراطيات" بحكم القانون؟
عادت عقوبة الإعدام إلى الواجهةن وتحديدا في الولايات المتحدة بعد أن وافق الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بحق نضال حسن، الطبيب النفسي في الجيش الأميركي الذي قتل 13 شخصاً في قاعدة عسكرية عام 2009، وفق ما أعلن البنتاغون. وكان قد سبق ذلك فشل تنفيذ حكم الإعدام بحق امرأة محكومة، في ولاية تينيسي، ما أثار جدلاً جديداً حول الحقنة المميتة وحول العقوبة نفسها.
وتكاد الولايات المتحدة تكون الدولة الغربية الديمقراطية الوحيدة التي ما زالت تطبق هذه العقوبة، ويعود ذلك إلى مزيج من العوامل التاريخية والدستورية والسياسية والثقافية.
أسباب الاستمرار
أول هذه العوامل النظام الفيدرالي: فالولايات الخمسون تتمتع بشبه استقلال قانوني وتصيغ قوانينها الجنائية بنفسها، ولذلك تُلغى العقوبة في بعضها وتُنفذ بنشاط في بعضها الآخر. ويوجد إلى جانبها نظام منفصل للجرائم الفيدرالية والعسكرية، كما في قضية نضال حسن.
ثانياً، التفسير الدستوري: التعديل الثامن يحظر العقوبات «القاسية وغير الاعتيادية»، لكن المحكمة العليا رأت تاريخياً أن الإعدام بحد ذاته لا يخالف الدستور ما دام مقصوراً على أشد الجرائم ومحاطاً بإجراءات صارمة. ولذلك ينصب الجدل الدستوري اليوم على وسيلة التنفيذ لا على مبدأ العقوبة.
ثالثاً، حساسية النظام السياسي للرأي العام: في أوروبا أُلغيت العقوبة بقرارات سياسية عليا رغم معارضة قطاعات شعبية، أما في أميركا فيُنتخب كثير من القضاة والمدعين العامين مباشرة، وقد يخسر منصبه من يبدو متساهلاً مع الجريمة. ولا يزال قسم كبير من الأميركيين يؤيد الإعدام في جرائم القتل الجماعي والإرهاب.
رابعاً، فلسفة الردع والقصاص.: فالمؤيدون يرون أن العقوبة القصوى تردع المجرمين، وأن بعض الجرائم تبلغ من البشاعة حداً لا يكفي معه السجن لتحقيق العدالة للضحايا وذويهم.
خريطة الولايات
من جهة اخرى، تنقسم الولايات انقساماً واضحاً: 23 ولاية ألغت العقوبة تماماً (إضافة إلى العاصمة واشنطن)، بينما تُبقي عليها 27 ولاية قانونياً. لكن نصف هذه الأخيرة تقريباً لا ينفذها فعلياً: أربع ولايات، اليفورنيا وبنسلفانيا وأوريغون وأوهايو، فرض حكامها وقفاً رسمياً للتنفيذ، و17 ولاية لم تنفذ أي حكم منذ أكثر من عشر سنوات بسبب نقص عقاقير الحقنة أو الطعون القضائية. أما التنفيذ الفعلي فيتركز في ست ولايات هي تكساس وفلوريدا وأوكلاهوما وألاباما وأريزونا وتينيسي.
وكانت ميشيغان أول ولاية ألغت هذه العقوبة عام 1846. وفي العقدين الأخيرين ألغتها 11 ولاية، آخرها فرجينيا عام 2021، وهي أول ولاية جنوبية تفعل ذلك، ثم واشنطن عام 2023. وتشير إحصاءات الخطأ القضائي إلى تبرئة أكثر من 203 محكومين بالإعدام منذ عام 1973 بعد ظهور أدلة جديدة أو فحوص الحمض النووي، وهو ما يغذي المعارضة الشعبية.
حراك متعاكس
الى ذلك، تشهد ولايات عدة مساعي للإلغاء بدعم من تحالفات من الحزبين، لأسباب أبرزها الكلفة المالية الباهظة والخوف من إعدام الأبرياء وصعوبة تأمين مواد الحقنة. ففي أوهايو قدم مشرعون من الحزبين مشاريع قوانين للإلغاء، وفي ميزوري نقاشات يدعمها قادة دينيون ونواب محافظون، وفي بنسلفانيا مشاريع مماثلة. وتُطرح مشاريع دورية في نيفادا وكانساس ونبراسكا ومونتانا.
في المقابل، تتجه ولايات أخرى إلى التشدد، فاعتمدت ألاباما غاز النيتروجين لتجاوز نقص الأدوية، وألغى ترامب في كانون الاول/ يناير 2025 قرار تجميد الإعدامات الفيدرالية ووجه وزارة العدل إلى طلب العقوبة بنشاط.
موقف الحزبين
وينعكس هذا الانقسام على الحزبين. فالجمهوريون يؤيدون العقوبة بقوة (نحو 82% من قاعدتهم) باعتبارها قصاصاً عادلاً ورادعاً، وينتقدون طول الاستئنافات ويسعون إلى تسريع التنفيذ وتوسيع العقوبة لتشمل جرائم مثل الاتجار بالبشر واغتصاب الأطفال، ويدافعون عن الكرسي الكهربائي أو الغاز بديلاً عن الحقنة. ومع ذلك يعارضها بعض المحافظين انطلاقاً من مبدأ حماية الحياة أو خشية تجاوزات الدولة.
أما الديمقراطيون فيميلون إلى المعارضة (نحو 32% فقط من قاعدتهم يؤيدونها)، بحجة التحيز العرقي والطبقي في المنظومة القضائية واستحالة تدارك الخطأ القضائي. وحين يتولون السلطة يلجأون إلى تعليق التنفيذ، كما فعل الرئيس جو بايدن والحاكم غافين نيوسوم. لكن الحزب أسقط الدعوة الصريحة إلى الإلغاء من برنامجه لعام 2024 ليبدو أكثر تشدداً حيال الجريمة.
وهكذا تبقى عقوبة الإعدام انعكاساً للخصوصية الأميركية، حيث يتشابك الاستقلال القانوني للولايات مع الحساسية الشعبية والإيمان بالقصاص، ما يجعل إلغاءها بقرار واحد أمراً بالغ الصعوبة، ويبقيها مادة جدل قانوني وأخلاقي مع كل تنفيذ جديد.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|