محليات

وفدٌ إيراني "رفيع المستوى" في جنوب لبنان بمهمّة جديدة... ماذا تحضّر طهران لـ"الحزب"؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

نشر موقع "Middle East Monitor" البريطاني تقريراً جديداً تناول التحولات التي يشهدها "حزب الله" بعد الحرب، وجاء فيه:

في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أرسلت إيران وفداً رفيع المستوى إلى جنوب لبنان ضم العميد حسين يكتا -وهو ضابط في الحرس الثوري الإسلامي يضطلع بمهام التجنيد والتلقين الأيديولوجي- ورجل الدين المتشدد علي رضا بناهيان. وكان كلا الرجلين قد خدم في الكتيبة ذاتها التي خدم فيها المرشد الأعلى (أو المقرب من دائرة صنع القرار العليا) خلال الحرب الإيرانية العراقية. وجاءت زيارتهما في توقيت كاشف؛ إذ يعاني حزب الله من ضعف عسكري وضغوط سياسية، كما تزايد اعتماده على التوجيهات الإيرانية.

لا يثبت ذلك بالضرورة أن الوفد كُلِّف بمهمة إعادة بناء حزب الله، غير أن توقيت الزيارة وتشكيلة الوفد يشيران بقوة إلى أن قلق طهران يتجاوز مجرد مسألة تعويض الترسانة العسكرية؛ فربما تسعى إيران لإعادة بناء ما هو أصعب تدميراً: أي "المرونة التنظيمية" للحزب.

ويُمثّل هذا تحولاً استراتيجياً مهماً؛ فعلى مدى عقود، ساعدت طهران في تحويل حزب الله إلى واحدة من أقوى الجماعات المسلحة غير التابعة لدولة في الشرق الأوسط، إلا أن حروب السنوات الأخيرة كشفت عن نقاط ضعف في هذا النموذج؛ إذ قُتل قادة بارزون، واُخترقت البنية التحتية ودُمِّرت، وتآكلت مخزونات الأسلحة، كما تعرض الوضع السياسي للجماعة لضغوط متزايدة. وعليه، لم يعد حزب الله بحاجة لأن يكون التنظيم ذاته الذي كان عليه قبل الحرب، بل بات بحاجة إلى البقاء حياً وقادراً على التكيف وتجديد قواه.

يأتي أوضح دليل على هذا التحول من سلوك حزب الله في ساحة المعركة. فوفقاً لبيانات مشروع "أكليد" (ACLED)، تبنت الجماعة بشكل متزايد استراتيجية حرب الاستنزاف وحرب العصابات، معتمدةً على خلايا صغيرة، ومواقع إطلاق متفرقة، وطائرات مسيرة، وصواريخ موجهة، وهجمات صاروخية انتقائية، بدلاً من التشكيلات الكبيرة والمواجهات المباشرة المستمرة. ففي الفترة ما بين مارس ويوليو 2026، لم تشكل الاشتباكات المسلحة المباشرة سوى 11 في المائة من العمليات المسجلة لحزب الله في لبنان، مقارنة بـ 34 في المائة خلال الغزو البري في شهري أكتوبر ونوفمبر 2024. وفي الوقت نفسه، ارتفعت نسبة الهجمات باستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية من 6 في المائة إلى 24 في المائة، بينما شكلت الطائرات المسيرة التي تعمل بتقنية "الرؤية من منظور الشخص الأول" (FPV) والمزودة بألياف بصرية -والتي بدا أنها كانت غائبة عن عمليات الجماعة في عام 2024- ما نسبته 21 في المائة.

إن هذا التغيير يتجاوز الجانب التكتيكي؛ فهو يعكس درساً تنظيمياً مستفاداً. ففي حين يمكن للتنظيم المسلح الكبير والمركزي أن يولد قوة نيرانية هائلة، فإنه يخلق أيضاً هياكل قيادية ومراكز لوجستية وأهدافاً يسهل رصدها وتحديدها. أما الشبكة الأصغر حجماً والأكثر تشتتاً، فيصعب تفكيكها بالكامل؛ إذ يمكن لوحداتها العمل باستقلالية أكبر، وامتصاص الخسائر، وإعادة تشكيل صفوفها بعد حملة إسرائيلية واسعة النطاق. ويبدو أن إيران قد استوعبت هذا الدرس جنباً إلى جنب مع حزب الله.

وكانت وكالة "رويترز" قد أفادت في شهر مارس بأن الحرس الثوري الإيراني أرسل نحو 100 ضابط إلى لبنان عقب حرب عام 2024 للمساعدة في إعادة بناء القيادة العسكرية لحزب الله. وتشير التقارير إلى أن الضباط الإيرانيين قاموا بإعادة تدريب المقاتلين، والإشراف على عمليات إعادة التسليح، والمساعدة في إعادة هيكلة التنظيم ليتحول إلى وحدات أصغر وأكثر لامركزية، صُممت خصيصاً للحد من الأضرار الناجمة عن الاختراق الاستخباراتي وفقدان القادة الكبار.

تُعد تلك التجربة عنصراً جوهرياً لفهم نهج طهران الحالي؛ فإيران لا تكتفي بمجرد إعادة بناء الهيكل العسكري القديم لحزب الله، بل تعمل على تكييف التنظيم ليتمكن من الصمود في بيئة أثبتت فيها إسرائيل قدرتها على اختراق شبكات القيادة، وتصفية كبار القادة، وضرب البنية التحتية الثابتة. ومن ثم، فإن الهدف ليس بالضرورة تحقيق النصر بالمفهوم التقليدي، بل ضمان القدرة على البقاء والاستمرار.

وبالنسبة لإيران، ينطوي هذا الأمر على قيمة استراتيجية؛ إذ لا يحتاج حزب الله إلى هزيمة إسرائيل ليخدم مصالح طهران، بل يكفيه الاحتفاظ بقدرات كافية لفرض تكاليف باهظة، والتلويح بالتصعيد، وإبقاء حالة من الغموض بشأن عواقب أي هجوم إسرائيلي أو أمريكي محتمل على إيران في المستقبل. فوجود حزب الله بحجم أصغر -مع تمتعه بالقدرة على الصمود والرد- قد يوفر في نهاية المطاف قوة ردع أكثر ديمومة واستدامة مقارنة بقوة أكبر حجماً قد تتعرض للتدمير الكامل في حملة عسكرية واحدة.

لذا، فإن حضور "يكتا" - الذي شملت مسيرته المهنية عمليات التجنيد لصالح الحرس الثوري الإيراني وأنشطة التعبئة الأيديولوجية - يُعد أمراً لافتاً؛ إذ إن مشكلة حزب الله لم تعد تقتصر على القوة النارية فحسب، بل باتت تتعلق برأسماله البشري والتنظيمي.

وعليه، فإن ساحة المعركة المقبلة لا تقتصر على جنوب لبنان، بل تشمل أيضاً البيئة السياسية والاجتماعية التي يتعين على حزب الله البقاء والاستمرار في ظلها. فلطالما كان حزب الله كياناً يتجاوز كونه مجرد منظمة مسلحة؛ إذ اعتمدت قدرته على الصمود على منظومة متكاملة وشاملة تشمل التمثيل السياسي، والخدمات الاجتماعية، والشبكات المالية، والمؤسسات الدينية، وشبكات الرعاية والمحسوبية المحلية. وطالما ظلت هذه المنظومة قائمة، فإن الخسائر العسكرية لا تؤدي بالضرورة إلى هزيمة تنظيمية؛ ولهذا السبب تكتسب عملية إعادة الإعمار أهمية بالغة.

وفي 27 سبتمبر/أيلول، أعلن نعيم قاسم، القيادي في حزب الله، أن الجماعة ستساهم في مشروع سكني مخصص للبنانيين الذين نزحوا جراء الحرب، بمن فيهم سكان القرى التي دُمرت بالكامل. يُذكر أن أكثر من مليون شخص قد نزحوا خلال الصراع، وأفادت وكالة "رويترز" بأن ما يزيد عن 340 ألفاً منهم ظلوا نازحين؛ إما بسبب تدمير منازلهم أو لأن القوات الإسرائيلية لا تزال تحتل المناطق التي كانوا يقطنون فيها.

تكتسي المسألة أهمية سياسية توازي أهميتها الإنسانية؛ فإعادة بناء المنازل من شأنها أن تعيد بناء الشرعية. ويدرك حزب الله أن المجتمعات في جنوب لبنان ستتذكر من ساعدها على العودة، ومن تكفل بنفقات الإصلاح، ومن وفّر المأوى حين عجزت الدولة عن القيام بذلك.

وقد حذر "معهد واشنطن" من أن عملية إعادة الإعمار قد تعزز نفوذ حزب الله -دون قصد- إذا ما تمكن الحزب وحلفاؤه السياسيون من التحكم في وجهة أموال المانحين وتحديد الجهة التي ستحظى بالرصيد السياسي لعملية إعادة إعمار الجنوب. ولهذا السبب، قد لا تكون عملية نزع السلاح وحدها كفيلة بحل معضلة حزب الله؛ إذ يمكن لأي جماعة أن تفقد جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية ومع ذلك تحتفظ بنفوذها السياسي طالما ظلت بنيتها الاجتماعية متماسكة. وفي المقابل، قد تسعى الدولة اللبنانية لفرض احتكارها للسلاح، لكنها قد تواجه صعوبة في تحقيق ذلك ما لم تكن قادرة على توفير مستويات مماثلة من الأمن والخدمات والفرص الاقتصادية.

تدرك إيران هذه المعادلة؛ فمصلحتها الاستراتيجية لا تكمن بالضرورة في استعادة حزب الله لهيمنته، بل في الحيلولة دون تحوله إلى قوة هامشية لا وزن لها. وهذا التمييز جوهري؛ إذ يمكن لطهران أن تتقبل وجود حزب الله بحجم أصغر، أو بنشاط أقل حدة، أو حتى أن تتغاضى مؤقتاً عن تجنبه للمواجهة الشاملة مع إسرائيل. لكن ما لا يمكنها تحمله بسهولة هو فقدان الحزب لتماسكه التنظيمي وقاعدته الشعبية وقدرته على تجديد نفسه.

ومع ذلك، تنطوي هذه الاستراتيجية على مفارقة خطيرة؛ فكلما زاد التدخل الإيراني المباشر، زادت صعوبة احتفاظ حزب الله بهويته كحركة لبنانية. وقد سعت السلطات اللبنانية بالفعل إلى تقليص النفوذ الإيراني وتعزيز سيطرة الدولة على الملفين الأمني ​​والخارجي، في حين يواجه الحزب ضغوطاً تتعلق بترسانته العسكرية وقدرته على العمل بشكل مستقل عن الدولة اللبنانية.

وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع تحول سوريا أيضاً إلى ساحة تنافس تؤثر على عملية إعادة بناء قدرات حزب الله؛ فقد أفادت وكالة "رويترز" بأن مسؤولين من الحزب وسوريا أجروا محادثات سرية في تركيا خلال شهر سبتمبر/أيلول، تناولت قضايا التهريب عبر الحدود وأنشطة الحزب داخل الأراضي السورية. وتشير التقارير إلى أن المسؤولين السوريين سعوا للحد من تهريب الأسلحة إلى لبنان، بينما قاوم حزب الله تلك المطالب.

تكتسب هذه المسألة أهميتها من كون سوريا شكّلت تاريخياً ممراً حيوياً يربط إيران بحزب الله؛ فإذا تراجعت موثوقية هذا المسار، تصبح عملية إعادة بناء الحزب أكثر تكلفة وتعقيداً. ومن ثم، لا تواجه إيران تحدياً يتعلق بإعادة البناء العسكري في لبنان فحسب، بل تواجه أيضاً تحدياً لوجستياً يمتد عبر منطقة بلاد الشام. وتتمثل النتيجة في تبني استراتيجية أكثر حذراً، تعتمد على أسلحة أصغر حجماً، وشبكات مشتتة، وتجنيد محلي، وانخراط عميق في المشهد السياسي، وإعادة بناء اجتماعية. إن هذا الحزب ليس هو نفسه الذي كان عليه في ذروة قوته السابقة؛ إذ ربما أصبح تنظيماً من نوع مختلف: أقل بروزاً، وأكثر لامركزية، ومصمماً لضمان البقاء والاستمرار بدلاً من السعي للهيمنة.

قد يميل المرء إلى تقييم مستقبل حزب الله من خلال قياس مدى سرعة إعادة بناء ترسانته الصاروخية أو عدد المقاتلين الذين يمكنه تجنيدهم. ورغم أهمية هذه المؤشرات، إلا أنها تغفل التحول الاستراتيجي الأوسع؛ إذ قد يكون الهدف الحقيقي لإيران أبسط من ذلك بكثير: الحفاظ على بقاء حزب الله، وضمان استمرار عمل شبكاته، والحفاظ على تماسك قاعدته الاجتماعية، والاحتفاظ بقدرة عسكرية كافية لفرض تكاليف باهظة على إسرائيل، والأهم من ذلك كله، الحفاظ على الحزب كأصل استراتيجي لا يمكن تجاهله في أي تسوية مستقبلية تشمل لبنان أو إسرائيل أو إيران.

ولهذا السبب، يستحق الوفد الذي زار المنطقة في الأول من أكتوبر اهتماماً خاصاً؛ إذ تشير تركيبته إلى مسعى أوسع لإعادة الهيكلة، حيث قد تكتسب عوامل مثل التجنيد والتماسك الأيديولوجي والانضباط التنظيمي أهمية تضاهي أهمية السلاح. ورغم أن الأدلة لا تحدد بدقة المهام التي كلفت طهران الوفد بإنجازها، إلا أن الزيارة تندرج ضمن نمط سبق ورأيناه في تدخل إيران السابق في الهيكل القيادي لحزب الله، وفي التحول اللاحق للجماعة نحو استراتيجية "الاستنزاف اللامركزي".

لقد استخلصت إيران درساً قاسياً من حروب السنوات الأخيرة: وهو أن الحليف الوكيل القوي قد يتحول إلى عبء إذا كان هيكله التنظيمي مكشوفاً للغاية ومركزياً وعرضة لضربات تقضي على قيادته؛ في حين أن حليفاً أقل قوة ولكنه أكثر مرونة وقدرة على الصمود قد يكون أكثر فائدة بكثير. وهذا هو المنطق الاستراتيجي الكامن وراء نموذج حزب الله الناشئ.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا