عربي ودولي

نتنياهو يحذّر من حرب قبل الانتخابات… ماذا وراء التوقيت؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كلما اقتربت إسرائيل من استحقاق داخلي، حضرت الهواجس الأمنية في خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو كجزء من معركته السياسية، إلا أن المشهد يبدو أكثر تعقيداً هذه المرة، بعدما حذّر من مؤشرات تفيد بأن أعداء إسرائيل في المنطقة قد يتحركون قبيل الانتخابات. وبما أن التحذير لم يأتِ مفتوحاً على الاحتمالات، بل ارتبط بتوقيت انتخابي محدد، فإن التساؤلات لم تتوقف عند حقيقة الخطر وحجمه، وإنما طالت أيضاً أسباب الإعلان عنه الآن، وما إذا كان نتنياهو يحاول إبقاء الإسرائيليين أمام معركة لم تنتهِ بعد، في مرحلة بات فيها ما يجري على الجبهات متداخلاً مع ما يجري في الداخل.

ولم تبقَ التساؤلات التي أثارها كلام نتنياهو محصورة في دائرة التحليل، إذ سرعان ما انتقلت إلى الداخل الإسرائيلي، حيث أبدت المعارضة ارتيابها من التحذير وطالبت بمعرفة طبيعة المعلومات التي استند إليها رئيس الحكومة. ومع اتساع الجدل، اضطر مكتب نتنياهو إلى التأكيد أن مشاورات أمنية عُقدت بالفعل، وأن قيادات في المعارضة جرى إطلاعها على التطورات، في محاولة لمنح التحذير غطاءً أمنياً أمام الشكوك التي أحاطت بتوقيته. إلا أن ذلك لم يُسقط الأسئلة السياسية التي أثارها التصريح، بل جعلها أكثر حضوراً، ولا سيما أن صدوره في مرحلة تسبق الانتخابات يضع أي تطور أمني مقبل في قلب الصراع الداخلي على بقاء الحكومة أو إسقاطها.

ومن هنا، تأخذ التحذيرات بعداً يتجاوز الحسابات الأمنية، إذ تقول مصادر سياسية مطلعة إن نتنياهو يريد الوصول إلى الانتخابات فيما لا تزال الحرب مستمرة، بما يسمح له بالحفاظ على صورة القائد الذي يخوض مواجهة لم تنتهِ بعد. أما انتهاء الحرب قبل الاستحقاق الانتخابي، فمن شأنه أن ينقل النقاش إلى مكان آخر، ويضع حكومته أمام أسئلة تتعلق بما حققته بعد سنوات من المواجهة، وما إذا كانت النتائج توازي الأهداف التي رفعتها منذ بدايتها. وبذلك، يصبح استمرار الخطر بالنسبة إلى نتنياهو عاملاً يمكن توظيفه لإبقاء الأمن في صدارة المعركة الانتخابية، بدلاً من أن تتحول حصيلة الحرب نفسها إلى عنوانها الأساسي.

إلا أن إبقاء الحرب حاضرة في المشهد الانتخابي لا يصب بالضرورة في مصلحة نتنياهو، إذ ترى المصادر إن استمرارها يعيد بدوره طرح السؤال حول ما حققته إسرائيل فعلياً بعد سنوات من المواجهة. فعلى الرغم من الضربات التي وجّهتها إلى أعدائها وما حققته من إنجازات ميدانية، لم تتمكن من إنهاء القوى التي خاضت الحرب ضدها؛ فالمقاومة لا تزال حاضرة في غزة ولبنان، واليمن لم يخرج من المواجهة، فيما بقيت إيران، التي تنظر إليها إسرائيل باعتبارها رأس التهديد في المنطقة، لاعباً أساسياً لم تنجح الحرب في إقصائه. وبحسب المصادر، تكمن المعضلة هنا في الفارق بين ما استطاعت إسرائيل تحقيقه عسكرياً وبين ما عجزت عن تثبيته سياسياً، إذ تمكنت من إضعاف أعدائها وتوجيه ضربات قاسية إليهم، من دون أن تصل حتى الآن إلى الحسم الذي يسمح لنتنياهو بالقول إن الأهداف التي خاض الحرب من أجلها قد تحققت.

هذا الغياب للحسم هو ما يبقي احتمالات المواجهة مفتوحة، إذ تشير المصادر إلى أن القلق الإسرائيلي لا يتركز بالضرورة على اندلاع حرب شاملة في توقيت محدد، بقدر ما يرتبط بعمليات قد تستهدف القوات

الإسرائيلية في المناطق التي لا تزال تحتلها. ففي جنوب لبنان، تتحدث التقديرات عن احتمال زرع عبوات ناسفة أو تنفيذ عمليات تستهدف القوات الموجودة داخل الشريط المحتل، فيما تتركز المخاوف في غزة على احتمال تنفيذ عمليات أسر جديدة لجنود إسرائيليين عند المناطق العازلة. وهنا تتحول المواقع التي تقدمها حكومة نتنياهو باعتبارها جزءاً من مكاسب الحرب إلى مواقع تحتاج إلى حماية مستمرة، بما يجعل البقاء فيها مصدراً للاستنزاف، في حين أن الانسحاب منها يضع الحكومة أمام سؤال آخر يتعلق بما تبقى من تلك المكاسب بعد التخلي عنها.

وعلى وقع هذه المعادلة، يكرر نتنياهو الحديث عن ضغوط تتعرض لها إسرائيل للتراجع عن بعض ما حققته خلال الحرب، في محاولة لربط استمرار الوجود العسكري بالحفاظ على تلك المكاسب. غير أن المسألة بالنسبة إليه تتجاوز الحسابات الميدانية إلى ما يمكن أن يتركه أي انسحاب على صورته قبيل الانتخابات، إذ سيكون من الصعب عليه الدفاع عن نتائج حرب امتدت سنوات إذا انتهت بالتخلي عن مواقع سبق أن قدّم السيطرة عليها باعتبارها ضرورة لأمن إسرائيل. ولهذا يصبح قرار الانسحاب أكثر من مجرد خطوة عسكرية، لأنه يضع نتنياهو أمام معركة سياسية حول حصيلة الحرب نفسها، في توقيت يسعى فيه إلى إقناع الإسرائيليين بأن ما بدأه لم يكتمل بعد.

ولا تنفصل الضغوط التي يتحدث عنها نتنياهو عمّا يجري على خط واشنطن وطهران، حيث تتقدم المفاوضات في وقت يستمر فيه التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتبقى الاستعدادات قائمة تحسّباً لأي تطور قد يعيد المواجهة إلى الواجهة. وبحسب المصادر نفسها، فإن أهمية هذه المفاوضات بالنسبة إلى نتنياهو تكمن في الشروط التي يمكن أن تنتج عنها، ولا سيما إذا شملت وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، الأمر الذي قد يضعه أمام تفاهمات إقليمية لا يملك وحده رسم حدودها أو تعطيل مفاعيلها. وإذا تزامن ذلك مع اقتراب الانتخابات، فستصبح المسألة أكثر حساسية بالنسبة إليه، لأن القبول بما رفضه خلال الحرب سيضعه أمام سؤال داخلي حول المكاسب التي يقول اليوم إنه يتعرض للضغط من أجل التخلي عنها.

وبذلك، يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة لا تضمن له مكسباً سياسياً في أي من اتجاهيها، فالذهاب نحو تهدئة تفرض انسحابات أو تنازلات قد يضعف الرواية التي بنى عليها نتائج الحرب، فيما يحمل استمرار التصعيد مخاطر لا يستطيع ضبط نتائجها، خصوصاً إذا أدى إلى خسائر جديدة أو فتح مواجهة أوسع قبيل الانتخابات. وبين الاحتمالين، تضيق أمامه مساحة المناورة، إذ لم يعد المطلوب بالنسبة إليه الحفاظ على ما يعتبره مكاسب الحرب فحسب، بل الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي من دون أن تتحول نهاية الحرب أو استمرارها إلى ورقة يستخدمها خصومه في الداخل ضده.

ولهذا لا تستبعد المصادر أن يلجأ نتنياهو، إذا ازدادت الضغوط عليه داخلياً وخارجياً، إلى الحفاظ على وتيرة مرتفعة من العمليات العسكرية، أو حتى توسيعها إذا توافرت الظروف لذلك. غير أن هذا الاحتمال لا يعني أن قرار الذهاب إلى مواجهة أكبر قد اتُخذ، كما لا يسمح بربط أي تصعيد مقبل بالانتخابات وحدها، خصوصاً أن أسباب المواجهة لا تزال قائمة على أكثر من جبهة، من دون أن تصل المنطقة إلى استقرار فعلي. إلا أن تزامن هذا الواقع مع الضغوط السياسية التي يواجهها نتنياهو يجعل أي تطور عسكري مقبل قابلاً لأن يترك أثره مباشرة على معركته الداخلية، سواء جاء نتيجة قرار إسرائيلي بالتصعيد أو فرضته تطورات الميدان.

لذلك، قد يكون من المبكر حسم ما إذا كان نتنياهو يمهّد لتصعيد مقبل أم يستند بالفعل إلى معطيات أمنية جدية، فوجود الخطر لا ينفي إمكان استثماره سياسياً، كما أن الحسابات الانتخابية لا تعني بالضرورة أن التحذيرات الأمنية بلا أساس. إلا أن اقتراب موعد الانتخابات سيجعل الفصل بين المسارين أكثر صعوبة، خصوصاً إذا ارتفعت حدة الخطاب الأمني بالتوازي مع تحركات عسكرية تتجاوز حدود المواجهة القائمة اليوم. عندها لن يبقى السؤال محصوراً بما إذا كان نتنياهو يخشى فعلاً حرباً تسبق الانتخابات، بل بما إذا كانت الانتخابات نفسها قد أصبحت جزءاً من طريقة إدارته للحرب.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا