الخارجية بين بعبدا ومعراب: أين يبدأ الخلاف؟
لا تبدو العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والقوات اللبنانية متجهة إلى مواجهة سياسية، لكنها في الوقت نفسه لم تعد محكومة بالتفاهمات التي جمعت الطرفين في بداية العهد. فمع مرور الوقت، بدأت تظهر أسئلة تتصل بحجم كل طرف داخل السلطة، وحدود دوره في صناعة القرار، وربما تشكّل وزارة الخارجية اليوم التعبير الأوضح عن هذه المسألة، لأنها تحوّلت من مجرّد حقيبة تتولاها القوات عبر الوزير يوسف رجي، إلى نقطة تماس بين نفوذ معراب ورؤية رئيس الجمهورية لطريقة إدارة المرحلة.
من حيث العناوين السياسية الكبرى، لا يزال هناك الكثير مما يجمع الطرفين، فالقوات تقف إلى جانب رئيس الجمهورية في مسألة حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، وتؤيد المفاوضات التي يقودها لبنان، كما أنها ليست في موقع المعارض للعهد ولا تتصرف على هذا الأساس. لذلك، فإن المشكلة موجودة في مكان آخر، وهو كيف تُترجم هذه الشراكة داخل السلطة، ومن يملك النفوذ الأكبر في إدارة الملفات التي تشكّل أساس المرحلة، وهنا تحديدًا تبرز وزارة الخارجية.
لبنان اليوم ليس في مرحلة دبلوماسية عادية، من العلاقة مع الولايات المتحدة، إلى المفاوضات مع إسرائيل، وموقع إيران في المعادلة اللبنانية، والعلاقة مع الدول العربية، وصولًا حتى مستقبل الجنوب، كلها ملفات تجعل السياسة الخارجية جزءًا مباشرًا من إدارة الأزمة الداخلية. وبالتالي، فإن امتلاك القوات لوزارة الخارجية يفترض أن يمنحها حضورًا يتجاوز حجم حقيبة وزارية، ويضع وزيرها داخل واحدة من الدوائر الأكثر حساسية في القرار السياسي، وهو ما لا يحصل بسبب تحجيم الدور من قبل رئيس الجمهورية، وبسبب أداء رجي الذي أقلّ ما يقال عنه إنه أداء حزبي ضيق لا وطني واسع.
في المقابل، لرئيس الجمهورية بطبيعة موقعه دور أساسي في السياسة الخارجية، لكنه يريد أيضًا أن تكون الرئاسة حاضرة مباشرة في إدارة العلاقات الدولية والملفات التفاوضية. ومن هنا يمكن فهم التباين الذي ظهر أكثر من مرة حول موقع وزير الخارجية داخل الحركة الدبلوماسية للعهد. المسألة ليست خلافًا شخصيًا مع يوسف رجي فقط، بقدر ما تطرح سؤالًا حول المرجعية السياسية التي تدير هذا الملف.
لهذا السبب، تصبح المعلومات المتداولة عن إمكان إخراج الخارجية من حصة القوات، في حال حصول تعديل حكومي، أكثر أهمية من أسماء الوزراء الذين يمكن أن يشملهم التغيير. تغيير وزير الطاقة أو التربية أو البيئة يمكن وضعه تحت عنوان الأداء أو إعادة تنشيط الحكومة، أما نقل الخارجية من القوات إلى شخصية قريبة من رئيس الجمهورية فيحمل معنى سياسيًا مختلفًا، لأنه يعيد توزيع النفوذ داخل التركيبة الحكومية نفسها.
وهنا تصبح شخصية جان عزيز، التي يُطرح اسمها في هذا السياق، جزءًا من الصورة، فالقضية ليست من سيخلف رجي إذا حصل التغيير، بل ما إذا كان رئيس الجمهورية يريد أن تصبح الخارجية أقرب إلى الدائرة السياسية المحيطة به، وما إذا كانت القوات مستعدة للتخلي عن هذه الحقيبة مقابل حقيبة أخرى، وخصوصًا أن أي مقايضة من هذا النوع ستعيد فتح النقاش حول حجمها داخل الحكومة.
حتى الآن، لا شيء يشير إلى رغبة الطرفين في الوصول إلى كسر سياسي، خصوصًا أن قنوات التواصل لم تُقفل، والتقاطع في الملفات الأساسية لا يزال قائمًا، كما أن كلفة المواجهة لا تبدو مفيدة لأي منهما. عون لا يحتاج إلى فتح جبهة سياسية مسيحية إضافية، والقوات بدورها لا مصلحة لها في الانتقال من موقع الشريك في الخيارات الأساسية للعهد إلى موقع الخصم.
لكن هذا لا يلغي أن العلاقة دخلت مرحلة تحديد الأحجام داخل السلطة. ومن هنا قد تكون الخارجية بمثابة اختبار مستقبلي، فإذا بقيت الحقيبة مع القوات، تكون التسوية داخل العلاقة قد حافظت على التوازن القائم. أما إذا انتقلت إلى دائرة الرئيس، فسيشكّل الأمر إشارة إلى إعادة رسم العلاقة بين بعبدا ومعراب من داخل الحكومة نفسها.
محمد علوش - النشرة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|