موازنة 2027 بلا سيادة؟ الضرائب على الناس.. والإعمار خارج قرار الدولة
«الحكي عن السيادة يفترض أن تتم ترجمته في الموازنة». بهذه العبارة اختصر المدير التنفيذي لـ«مبادرة سياسات الغد» سامي عطالله، الإطار الإشكالي الذي أعدّ فيه مشروع موازنة 2027 وما سبقه. ففي وقت يُحصر جدول الأعمال بمسألة «حصرية السلاح»، يلغى أي نقاش بشأن المسائل الأكثر حساسية أو تلك المتصلة بخطاب بناء الدولة و«السيادة» التي تفترض وجود جيش قادر على حماية المجتمع، لكن بأي موارد؟ هذا ما يجب أن يظهر في الموازنة لتحويلها من فعل «تقليدي» لدى قوى السلطة إلى ترجمة فعلية لخطاب الحصرية والسيادة. وقراءة عطالله لمشروع الموازنة تتجاوز ذلك نحو سؤال أوسع يتعلق بشكل الدولة التي تموّلها هذه الموازنة، وممن تجمع أموالها، وكيف تنفقها، والقيود التي تتحكم في هذه الخيارات.
إعادة الإعمار لم تعد سيادية
خلال مؤتمر «مسودة مشروع موازنة 2027: إصلاح أم متلازمة الإنفاق؟»، الذي نظمته مبادرة سياسات الغد والجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين والمفكرة القانونية، وضع عطالله هذه الخيارات ضمن ثلاثة قيود تحكم السياسة المالية في لبنان: ربط الإيرادات بالنفقات، باعتبار أن الموازنة ليست أرقاماً فحسب، بل عقد اجتماعي يحدّد ممن تجبي الدولة ولمن تقدّم الخدمات؛ وتحول السياسة المالية إلى أداة لخدمة الاستقرار النقدي؛ والقيد السياسي والعسكري الذي فرضته الحرب. والمشكلة، كما يراها، أن مشروع الموازنة لا يواجه أياً من هذه القيود، بل يتكيّف معها ويتعامل معها كوقائع لا يمكن تغييرها، ليخرج في النهاية بمجموعة من «الترقيعات» تحمل سردية إصلاحية «لا تثبتها الأرقام بأي شكل من الأشكال».
ومن القيد السياسي والعسكري تحديداً، أعاد عطالله النقاش إلى السيادة؛ «السيادة مش بس قصة حصرية سلاح» يقول عطالله. بل هي «تحتاج إلى جيش قادر على حماية المجتمع»، وبالتالي إلى موارد تمكّن الدولة من بناء هذه القدرة. وتظهر المشكلة نفسها في إعادة الإعمار. فالمبالغ المرصودة لا تتناسب، بحسب عطالله، مع حجم الأضرار والحاجات، ما يجعل المسألة أبعد من مجرد نقص في التمويل. إذ إن عدم محاولة الدولة إيجاد مصادر لتمويل إعادة بناء المناطق المدمرة وإعادة سكانها إليها يحدّ من قدرتها على اتخاذ القرار على أرضها، وهو ما يعكسه مشروع الموازنة الذي لم يتضمن، بحسبه، الإصلاحات المطلوبة لتأمين هذه الموارد. ومن هنا، ذهب عطالله إلى اعتبار أن قرار إعادة الإعمار بات قراراً أميركياً، أي «إسرائيلياً» في نهاية المطاف، بعدما أصبح مرتبطاً باتفاق الإطار الذي وافقت الدولة على تطبيقه، بدلاً من أن يكون جزءاً من سياسة واضحة للدولة تترجمها في موازنتها.
لكن إذا كانت السيادة تحتاج إلى المال، فمن يدفع كلفتها؟ هنا تظهر المفارقة الثانية. فبحسب الأرقام التي عرضها عطالله، نحو 78% من الضرائب التي تستوفيها الدولة هي ضرائب استهلاكية، فيما توازي الضرائب على الاستهلاك نحو 12% من الناتج المحلي في لبنان، مقابل 8% في بلدان مماثلة من حيث الدخل والنمو. أي إن الدولة تعتمد إلى حدّ كبير على ما يدفعه الناس عند الاستهلاك، بما يحمّل أصحاب المداخيل المحدودة عبئاً أكبر قياساً إلى قدرتهم على الدفع. وبدلاً من أن تؤدي الموازنة وظيفة إعادة توزيع الدخل، عبر تحميل أصحاب القدرة المالية الأعلى حصة أكبر واستخدام الإيرادات لتمويل الخدمات، تستمر الدولة في الاتكال على المستهلكين والأجراء.
المفارقة أن الدولة لا تنفق بالضرورة كل ما تجبيه. وهذا هو القيد الثاني الذي تحدّث عنه عطالله والذي يتمحور حول تحوّل السياسة المالية إلى أداة في خدمة السياسة النقدية. إذ تراكم الدولة الأموال في حساب الخزينة لدى مصرف لبنان، بما يسحب السيولة من السوق ويساعد في تثبيت سعر الصرف. وهكذا، يصبح الحفاظ على الاستقرار النقدي قيداً على الإنفاق، حتى عندما يتعلق الأمر بحاجات اجتماعية واقتصادية ملحّة.
الدولة تخلّت عن المحاسبة
لكن هل استنفدت الدولة أصلاً مصادر إيراداتها قبل اللجوء إلى جيوب المستهلكين والأجراء؟ أجاب عن هذا السؤال المحامي المتخصص في قوانين الضرائب كريم ضاهر، متوقفاً عند ضرورة التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية مع الخارج، الذي يتيح للبنان الحصول على معلومات عن حسابات وأصول مالية عائدة إلى أشخاص خاضعين للضريبة فيه. إلا أن استخدام هذه البيانات فعلياً يحتاج، بحسبه، إلى استكمال إجراءات إدارية وتقنية ومكننة في وزارة المالية، لا تتعدى كلفتها الـ 300 ألف دولار.
ويمكن لهذه المعلومات أن تكشف ضرائب مستحقة على حسابات وأسهم وأصول وأرباح في الخارج، وتؤمّن إيرادات إضافية للخزينة، بما يعيد بعض التوازن بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة. وهنا يشدد على أنّ السلطة الحاكمة تتجنب تفعيلها «لأسباب سياسية ومصالح مشتركة». أي إن المشكلة ليست دائماً في غياب مصادر المال، بل في عدم وجود «النية» لتحصيل المتاح منها. وهذا ينطبق أيضاً، بحسب ضاهر، على حقوق الدولة من المقالع والكسارات والأملاك العامة. فقبل البحث كل سنة عن ضرائب ورسوم إضافية، يفترض معرفة ما إذا كانت الدولة تستوفي أصلاً الأموال المستحقة لها.
وتكتمل الحلقة بالمحاسبة. فقد انتقد ضاهر تقديم مشروع الموازنة من دون قطع حساب يبيّن النتائج الفعلية للسنة المالية. إذ لا يكفي وصف إجراء ما بأنه «إصلاحي» من دون معرفة ما كان يفترض أن يحققه وما حققه فعلاً. لذلك دعا إلى مساءلة الحكومة دورياً أمام مجلس النواب عن نتائج إجراءاتها، بدلاً من إقرارها عاماً بعد عام من دون قياس أثرها.
دولة أو تكيّف مع الواقع؟
إذاً هناك هوّة كبيرة بين الخطاب «السيادي» الذي يفترض إنشاء دولة أو استعادة بعض أدوارها، وبين الدولة التي يجري تمويلها فعلياً. فبدلاً من توسيع قدرتها على تحصيل حقوقها من مصادر الدخل الأكبر والثروات، وتوجيه مواردها نحو ما يخدم السيادة، في الأمن والإعمار وغيرها، يبقى العبء الذي تفرضه الموازنة متركزاً على الاستهلاك والأجور، في مقابل تقييد الإنفاق لحماية الاستقرار النقدي. بذلك، لا تعكس موازنة 2027 انتقالاً نحو دولة أكثر قدرة على ممارسة سيادتها، بل مجرد تكيّف مع الواقع من دون أدنى محاولة لممارسة أي إصلاح أو الخروج عن «العادات والتقاليد» الموروثة.
زينب بزي - الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|