بعد أن غنّت أصالة للسويداء.. الطربُ في دمشق و الخذلان في الجبل
أمس، حين صدح صوت أصالة مستحضراً السويداء في قلب دمشق، تجمّدت دمعة حائرة في المآقي: أهي دمعة امتنانٍ لخاطرٍ كُسر وانتظر طويلاً مَن يجبره؟ أم هي لوعة المسافة الشاسعة بين وطنٍ يُختزل في أغنية، وأرضٍ تحترق في الواقع؟
كان الحجر الأسود المهيب شاخصاً خلفها، وكانت نغمات "الجوفية" تُوقظ ملامحنا القديمة؛ وجوهنا الطاهرة قبل أن نتقن مجبرين فرز ركام بيوتنا والتعرف على أشلاء ذكرياتنا. قالت إنها تحب السويداء وفهد بلان، وكم نحن ممتنون لهذا البوح. لكن، يا أصالة، في أعماق القلب كسرٌ غائر، جرحٌ نازف من مجازر الغدر التي استباحت دماءنا، لا يعرف كيف يبرأ أو ينجو.
من حق الناس أن تسرق لحظة فرح، ومن حق المتعب أن يستريح على كتف أغنية. لا يحزنني فرحهم، بل يحزّ في نفسي هذا الرجاء الهائل الذي نعلّقه على التفاتة عابرة، كأننا من فرط ما حُرمنا من الإنصاف والعدالة، صرنا نخشى أن نطلب أكثر من مجرد تعاطف عابر.
لقد خُذلنا في هذا الوطن خذلاناً يشبه البتر. لم نغادره باختيارنا ليعيدنا الحنين؛ بل اقتُلعنا منه قسراً، وظلت جذورنا تئن وتتألم تحت رماد بيوتنا.
لو قُدّر لحنجرة فهد بلان الشامخة أن تصدح اليوم من قمم الجبل، لسبقت الغصة لسان نيسان، ولقال بمرارة: «شرشف قصب... ومطرّزٌ بخذلان الأقربين». فكيف يمر ربيع الأغنية دون أن يتعثر بأرواح الذين غُيبوا عن ربيع حياتهم؟ ولو غنّت أصالة «مشتاقة للعتبات»، لبكينا عتبات البيوت التي أُحرقت واستُبيحت.
يا أصالة، لقد أحرقوا المكان الذي كانت أمهاتنا يقفن فيه بلهفة ليقلن لنا: "تأخرتم"، المكان الذي كنا نهلل فيه للضيف من أي صوب أتى. نشتاق اليوم، ولا أحد يعتب على غيابنا. نحمل مفاتيحنا في جيوبنا، كأن الأبواب المهدومة هي التي ستعود إلينا.
وفي زحمة التأثر، يلحّ على قلبي سؤال يفسد نشوة الفرح: هل كان بين المصفّقين بالأمس مَن حرض على ذبحنا؟ مَن جهّز الغزاة واحتفى بالمجازر بحقنا؟ مَن سيعود بعد السهرة ليكتب بأصابع مقطوعة من الإنسانية أننا "خونة وانفصاليون"؟ كيف يستعذب المرء جوفية قومٍ، ولا يرتجف ضميره لموتهم؟
شكراً لأصالة، فنحن لا نطلب من الفن أن يحقق عدالة عجزت عنها الأرض. لكن، إياكم أن تجعلوا من دموعنا صك براءة يدعي التئام الجرح، ولا تظنوا تصفيقنا تنازلاً عن دماء من غابوا.
غنّوا للسويداء ما شئتم... لكن إياكم أن تقولوا إنها "عادت إلى حضن الوطن".
اسألوهم أولاً وبكل جرأة: لماذا كان عليها أن تنزف كل هذه الدماء وتنجو بنفسها منه؟
بقلم : ناشطة من السويداء
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|