"دائرة الحرب".. كيف يدير مجتبى خامنئي السلطة بعد 200 يوم من الولاية؟
"حزب الله عادَ إلى الخط الأصفر".. ماذا وراء الكلام الإسرائيلي؟
خلال الأسابيع الأخيرة، اتسعت النداءات التي تدعو "حزب الله" إلى فتح جبهة "تحرير الجنوب"، وتوسيع العمليات ضد القوات الإسرائيلية في المناطق التي تسيطر عليها.
ظاهرياً، يبدو الخطاب مرتفع السقف، لكن ميدانياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً بكثير. وعملياً، فإنَّ الحرب لا تبدأ بنداء، فيما قرار الذهاب إلى مواجهة جديدة لا تصنعه الشعارات وحدها، خصوصاً بالنسبة إلى "حزب الله" الذي ستكون أمامه حسابات تتعلق بقدراته الميدانية وانتشاره وحجم الضغط العسكري الإسرائيلي، فضلاً عن التداعيات التي يمكن أن تترتب على لبنان بأكمله.
وسط ذلك، يأتي الكلام الإسرائيلي ليضيف عنصراً لافتاً إلى المشهد. إسرائيل بدأت تتحدث عن نشاط لـ"حزب الله" داخل ما تسميه "المنطقة الصفراء"، كما تحدثت عن احتمال محاولته العودة إلى مناطق تكثف عملياتها العسكرية فيها، ومن بينها محيط المنصوري في القطاع الغربي من جنوب لبنان.
غير أنّ هذه الرواية تطرح أسئلة بقدر ما تقدم أجوبة، فإذا كانت المنطقة المذكورة خاضعة للسيطرة والرقابة الإسرائيلية جواً وبراً، فكيف يمكن لعناصر من الحزب التحرك داخلها؟ وهل تمكن الحزب فعلاً من اختراق هذه الرقابة والعودة إلى بعض النقاط، أم أن إسرائيل تضخم احتمال وجوده لتبرير استمرار عملياتها؟
الاحتمال الأول، في حال ثبوته، يعني وجود ثغرة في منظومة السيطرة والمراقبة الإسرائيلية، خصوصاً أن الحديث يدور عن منطقة يفترض أنها تخضع لرصد عسكري مكثف.
أما الاحتمال الثاني، فيفتح الباب أمام قراءة مختلفة تماماً: استخدام الحديث عن "عودة حزب الله" كغطاء أمني لمزيد من التفجيرات والعمليات، وربما لتبرير استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق جنوبية تحت عنوان أن الخطر لم ينتهِ بعد.
وهنا تحديداً يمكن فحوى الرواية الإسرائيلية، إذ أنه وبمجرد الحديث عن عناصر وأنفاق ومنشآت مُحتملة لم تُدمر يمكن أن يوفر مادة جاهزة لتوسيع دائرة العمليات، حتى في غياب معطيات تثبت حجم النشاط الذي تتحدث عنه إسرائيل.
وعملياً، فإنَّ منطقة المنصوري تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. ففي الوقت الذي تكثف فيه إسرائيل عملياتها في محيط البلدة، تتحدث أيضاً عن احتمال محاولة "حزب الله" العودة إليها واستخدامها للتحرُّك ضد القوات الإسرائيلية. وهكذا، يصبح الحديث عن الحزب جزءاً أساسياً من المبررات التي تقدمها إسرائيل لاستمرار نشاطها العسكري.
لكن في المقابل، لا تعني هذه الرواية الإسرائيلية تلقائياً أن "حزب الله" أصبح أمام عودة سهلة إلى الميدان، أو أنه بات يمتلك القدرة على الانتقال إلى حرب واسعة. وعلى العكس، فإن الدعوات التي تطالبه اليوم بفتح "معركة تحرير" تصطدم بسؤال القدرة قبل سؤال القرار.
وضمنياً، فإنَّ أي حرب جديدة تحتاج إلى إمكانات عسكرية، وحرية حركة، وانتشار، وخطوط إمداد، وقدرة على الاستمرار تحت الضغط. وبالتالي، فإن الانتقال من نشاط موضعي محتمل إلى حرب واسعة ليس خطوة تلقائية، ولا يمكن افتراض أن الحزب قادر على تنفيذها لمجرد ارتفاع الأصوات المطالبة بها.
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين الخطاب والميدان. هناك من يطالب "حزب الله" بالقتال وكأن قرار الحرب منفصل عن ميزان القوى والظروف الميدانية، فيما تبدو المعادلة الحالية أكثر صعوبة. وواقعياً، فإنَّ الحزب لا يستطيع الدخول في مواجهة جديدة لمجرد وجود مطالبات بذلك، ما لم تكن لديه عوامل القوة والضغط والقدرة الميدانية التي تسمح له ببدء المعركة والاستمرار فيها. وبالتالي، فإن ارتفاع سقف الكلام عن "تحرير الجنوب" لا يعني بالضرورة وجود قدرة فعلية على تحويله إلى واقع عسكري.
وهنا، فإنَّ السؤال يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بـ"المنطقة الصفراء" نفسها. فإذا كان الحزب موجوداً فعلاً داخل هذه المنطقة، كما تقول إسرائيل، فهذا يطرح سؤالاً عن كيفية وصول عناصره إليها في ظل الرقابة الإسرائيلية. أما إذا لم يكن هناك نشاط بالحجم الذي تصفه إسرائيل، فإن الرواية تصبح قابلة للقراءة باعتبارها جزءاً من محاولة إبقاء التهديد قائماً واستخدامه لتبرير استمرار العمليات والوجود العسكري.
وفي الحالتين، يجد "حزب الله" نفسه أمام معادلة صعبة. فعدم التحرك يفتح الباب أمام الأصوات التي تطالبه بالقتال، فيما الانتقال إلى مواجهة واسعة يحتاج إلى قدرات وظروف لا يمكن اعتبار توافرها أمراً محسوماً. في المقابل، تستفيد إسرائيل من استمرار الحديث عن خطر الحزب لتقديم عملياتها العسكرية باعتبارها مرتبطة بتهديد ما زال قائماً.
لهذا، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل سيبدأ "حزب الله" معركة تحرير الجنوب؟.. السؤال الأكثر واقعية هو: هل يستطيع أصلاً فتح معركة من هذا النوع والمحافظة عليها؟
ما يمكن قوله إن إسرائيل تواصل بناء خطاب أمني يقوم على أن الحزب لم يختفِ من الميدان وأن خطر عودته ما زال قائماً، بينما يجد الحزب نفسه أمام دعوات إلى التصعيد لا تعني بالضرورة أن الظروف العسكرية اللازمة لمثل هذا التصعيد أصبحت متوافرة.
وهكذا، تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: إسرائيل تتحدث عن "حزب الله" باعتباره تهديداً مستمراً، وأصوات في لبنان تطالبه بإثبات حضوره عبر القتال، فيما يبقى السؤال الأصعب متعلقاً بقدرته الفعلية على خوض حرب جديدة.
وبين الضغطين، يكمن الخطر في أن تتحول الروايات والنداءات إلى وقائع ميدانية. وعليه، فإنَّ أي انتقال إلى مواجهة واسعة لن يعني مجرد عودة "حزب الله" إلى منطقة تسيطر عليها إسرائيل، بل دخول الجنوب ولبنان معه في مرحلة عسكرية جديدة، بما يحمله ذلك من تصعيد واستهدافات أوسع وتراجع فرص الحلول السياسية.
وعندها، لن يكون السؤال فقط عمّن عاد إلى "المنطقة الصفراء"، بل عمّا إذا كانت هذه المنطقة نفسها تتحول تدريجياً إلى واحدة من نقاط الاشتعال المحتملة لجولة جديدة في الجنوب، أو تمهد حقاً لوجود إسرائيلي طويل الأمد.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|