الحربان كلفتا لبنان أكثر من 20 مليار دولار وقد تتجاوز الكلفة 27 ملياراً...سلام: لا إعادة إعمار من دون تمويل!
انطلقت جلسة مجلس الوزراء بالوقوف دقيقة صمت عن روحالنائب السابق دوري شمعون، ومن ثم القى رئيس الحكومة نواف سلام كلمة الحكومة استعرض فيها انجازات الحكومة لا سيما خلال الحرب، وقارب فيها المشاكل الداخلية ومساعي الحكومة لمعالجتها وجاء فيها:
باسم حكومة الإصلاح والإنقاذ، في كلمتي في هذه المناسبة، أعرض واقع البلاد كما هو، وما تمكنا من فعله أمام التحديات الجسام التي واجهتنا، وما نلتزم بإنجازه خلال المرحلة المقبلة.
وكما كان دأبنا دائماً منذ تشكيل هذه الحكومة، سوف أخاطبكم بصدق وشفافية وبلغة المسؤولية الوطنية، وليس بمنطق التبرير أو إطلاق الوعود التي لا سند لها.
وأريد من هنا وعبركم أن أصارح جميع اللبنانيين: وضعنا صعب، بل صعب جداً، لكن الخروج منه ليس مستحيلاً عندما تتضافر الجهود المخلصة لوضع المصلحة الوطنية فعلاً لا قولاً فوق أي اعتبار آخر ومن أي نوع كان.
دولة الرئيس، لقد داهمت لبنان في آذار الماضي حرب لم نخترها، ولم نسأل حتى أعداءنا في خوضها، بل فُرضت علينا في لحظة لم تكن فيها الجراح العميقة لحرب 2023 و2024 قد التئمت بعد.
وعندما رأينا مخاطر الحرب تزداد في المنطقة، حذرنا مرة بعد مرة، كما تعرفون جميعاً، من مغبة الدخول فيها، ودعونا إلى تحكيم العقل وحسن الحساب صوناً للبلاد ورأفة بالمواطنين. لكنكم كلكم تعرفون ما حصل.
أما النتائج فهي كالتالي:
بحسب تقدير البنك الدولي، الحرب الأولى التي بدأت من تشرين الأول 2023 بلغت كلفتها الإجمالية حوالي 14 مليار دولار، منها نحو 7.2 مليار من الأضرار المادية، ونحو 6.8 مليار في الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تعطيل النشاط وتراجع الإنتاج والإيرادات.
وطبعاً كانت كلفتها الأكبر أكثر من أربعة آلاف شهيد وأكثر من 16 ألف جريح.
أما الحرب الأخيرة التي بدأت في 2 آذار، فكلفتها المباشرة حتى الآن، في تقدير أولي للبنك الدولي، تتراوح بين 3 وأربعة مليارات دولار، وهذا الرقم لا يشمل الكلفة الاقتصادية التي تتجاوز الدمار المادي المباشر، لتصل في أقل تقدير حتى الآن إلى ما بين 4 وخمس مليارات دولار.
وهنا أيضاً فإن الكلفة الأكبر طبعاً هي أكثر من أربعة آلاف شهيد وأكثر من 12 ألف جريح.
وبالتالي، فإن الحربين معاً قد كلفتا لبنان بالتأكيد أكثر من 20 مليار دولار، وقد تتجاوز كلفتهما الإجمالية 27 مليار دولار عندما يكتمل احتساب حرب 2026.
لكن هذه الأرقام، على فداحتها، لا تعبر عن الكلفة الحقيقية كاملة، لأنها لا تحسب قيمة هجرة الكفاءات وخسارة الاستثمار وتأثر التعليم وتراجع قيمة الأراضي والأصول وتأخير التعافي من الأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019.
ما هي إذاً حصيلة هاتين الحربين على لبنان؟
نحو تسعة آلاف شهيد، وأكثر من 30 ألف جريح، وأكثر من مليون نازح في ذروة الحرب الأخيرة، وعشرات الآلاف من المنازل المدمرة، وأجزاء غالية من أرضنا أضحت رازحة تحت الاحتلال، وفيها أكثر من 75 قرية ومدينة، ولا يزال أهلها عاجزين عن العودة إلى بيوتهم وأرزاقهم.
أما الكلفة الاقتصادية للحربين، فتتجه إلى تجاوز 27 مليار دولار، كما سبق وقلنا.
هذه ليست أرقاماً مجردة، إنها سنوات من النمو والاستثمار والإعمار وفرص العمل التي ضاعت من اللبنانيين.
وهكذا، بعد أن شهد بلدنا نمواً اقتصادياً بنسبة 4.2 في المئة العام الماضي، ما كان يشكل بداية لتعافٍ تدريجي، عدنا إلى انكماش مقدر بنسبة 6.4 في المئة هذا العام.
وتفاقمت هذه التداعيات مع تسارع وتيرة التضخم، لأسباب أكثرها خارجية، لا سيما ارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة الحرب في المنطقة، وتراجع تحويلات المغتربين، وتوقف النشاط السياحي.
دولة الرئيس، أنا أعرف طبعاً وجع العائلات اللبنانية، أعرف كم ارتفعت أسعار السلع والحاجات الأساسية وكم بلغ التضخم، كما أعرف كلفة المولدات الكهربائية.
وإذا كان الواقع المعيشي الصعب الذي نعيشه اليوم هو من دون شك نتيجة أزمات متراكمة، وإن كانت الحرب قد فاقمتها بالتأكيد وقادت بدورها إلى وقف مسار النمو الذي كان قائماً، فإننا لم ولن نستسلم لهذا الواقع، بل إننا عازمون على مواجهته.
ونتحدث اليوم فيما هنالك أكثر من مئتي وخمسين ألف لبناني ما زالوا في عداد النازحين.
كما أن الحرب الأخيرة قد أدت إلى تدمير 91 ألف وحدة سكنية بشكل كلي أو جزئي، ما يضاف إلى نحو 232 ألف وحدة تضررت في الحرب السابقة، وعشرات الآلاف من المباني والمنشآت التي تم تدميرها بالكامل.
غير أن هذه التحديات الجسام لم تمنع حكومتنا يوماً من القيام بمسؤولياتها خلال الحرب.
وقفنا إلى جانب أهلنا في الجنوب والضاحية والبقاع وفي كل المناطق التي طالتها الحرب، وحشدنا كل ما تملكه الدولة من إمكانيات كي لا تترك عائلة واحدة في محنتها، ولكي لا ينام نازح دون مأوى أو يتغذى دون غذاء.
فاستجابة لهذه الأزمة، قامت الحكومة منذ الساعات الأولى لوقوع الحرب الأخيرة بتفعيل غرفة العمليات المركزية لدى رئاسة مجلس الوزراء، معتمدة آلية تنسيق شاملة.
وقد أتاحت خطة الجهوزية الوطنية، التي كنا قد عملنا مسبقاً على إعدادها تداركاً لاحتمال نشوب حرب جديدة، تحديد 325 مركزاً ممكن الإيواء، وهو الأمر الذي سمح بتأمين مراكز إيواء بشكل سريع ومنظم منذ اليوم الأول للنزوح.
كما جاءت الاستجابة الإنسانية شاملة لعدة فئات، وقد جرى لتاريخه توزيع أكثر من 15 مليوناً و500 ألف وجبة ساخنة وباردة، وأكثر من ستة ملايين لتر من مياه الشرب، وأكثر من 490 ألف بطانية.
وفي الوقت نفسه، حافظنا على برامج الحماية الاجتماعية والصحية، وفي مقدمتها برنامج أمان، ووسعنا المساعدات الطارئة للعائلات النازحة والصامدة والأكثر تضرراً.
فتم توزيع مساعدات نقدية بلغ مجموعها 52 مليون دولار دعماً للأسر الأكثر هشاشة، فضلاً عن توفير ما يزيد على ثمانية ملايين ليتر من الوقود لمراكز الإيواء وقرى الشريط الحدودي.
دولة الرئيس، لا أعدد كل ذلك منّة على أحد، لأننا ما قمنا بما قمنا به إلا بما تمليه علينا المسؤولية الوطنية، ناهيك بالواجب الأخلاقي.
بل أقول ذلك رداً على من سمح لنفسه بأن يحاول استغلال آلام الناس ليشكك بحضور الدولة واستجابتها لمحنة أهلها، متسائلاً بسخرية: أين الدولة؟
نعم دولة الرئيس، لم تكن إمكاناتنا بالحدود، فلم تكن الاستجابة كاملة، لكن الدولة كانت حاضرة بقوة وقامت بواجبها من ضمن إمكانياتها التي تعرفون جميعاً محدوديتها، وذلك في واحدة من أصعب الأزمات التي مر بها لبنان.
وأود الآن أن أكمل مصارحتكم لأشارككم مخاوفنا البالغة الخطورة من النقص الجدي في التمويل والدعم الدوليين مقارنة باستجابة 2024.
مما يشكل خطراً على استمرارية المساعدات الإنسانية ونطاقها، في وقت لا تزال فيه الاحتياجات الإنسانية كبيرة، بل كبيرة جداً.
على الرغم من صعوبة هذا الأمر، يبقى أن هدفنا ليس أن ندير نزوح أهل الجنوب، بل أن نعيدهم إلى أرضهم. وليس أن نعتاد على مراكز إيواء، بل أن نعمل على إغلاقها. وليس أن نبقي أهلنا معتمدين على المساعدات، بل أن نعيد إليهم مقومات الحياة والعمل والصمود في بلدهم وقراهم.
لذلك، نحن ننتقل اليوم من إدارة النزوح إلى التحدي، إلى تحديات العودة والتعافي.
فجهود الحكومة تنصب اليوم على تأمين مقومات العودة الآمنة والكريمة للعائلات والنازحين الذين تمكنوا من العودة إلى مناطقهم، ولا سيما في الضاحية الجنوبية لبيروت والنبطية والزهراني وصور، وفي كل الأماكن التي بدأنا نشهد عودة أهلها إليها.
وفي هذا السياق، أعطيت توجيهاتي الواضحة إلى جميع الوزارات والإدارات والهيئات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الأشغال العامة والنقل، والطاقة والمياه، والاتصالات، ومجلس الإنماء والإعمار، ومجلس الجنوب، والهيئة العليا للإغاثة، للعمل بأقصى طاقاتها وبالسرعة المطلوبة على الأرض.
وقد حددنا الأولويات برفع الأنقاض، وفتح الطرقات وإصلاح المتضرر منها، ومعالجة الأضرار التي لحقت بالجسور، واستحداث طرق ومعابر بديلة حيث تدعو الحاجة، بما يعيد ربط المناطق والقرى ببعضها البعض ويسهل عودة الأهالي وحركتهم.
وبالتوازي، تعمل الحكومة على إعادة الخدمات الأساسية التي تشكل شرطاً أساسياً لاستدامة العودة.
وقد باشرت وزارة الاتصالات إعادة ربط شبكات الاتصالات وتشغيلها في المناطق المتضررة، فيما تواصل وزارة الطاقة والمياه العمل على إعادة خدمات الكهرباء والمياه.
كما باشرنا ترميم المدارس والمراكز الحكومية والمنازل المتضررة جزئياً، والتحضير لإقامة البيوت الجاهزة حيث تدعو الحاجة، وفقاً لمعايير اجتماعية واضحة.
وكلكم تعلمون أن وزارة الصحة كانت دائماً حاضرة منذ اليوم الأول للحرب، ولا شك أن كل من لديه الموضوعية المطلوبة قد لمس ذلك فعلاً.
وسوف تستمر الدولة بكل أجهزتها وإداراتها في حشد كل الإمكانيات لإنجاح هذا المسار في كل مرحلة من مراحله.
ولكن علينا، دولة الرئيس، أن نصارح اللبنانيين أيضاً: حجم الدمار أكبر بكثير من قدرة الدولة بمواردها الحالية على تحمله وحدها.
ولذلك، فإن إعادة الإعمار والتعافي تحتاج، إلى جانب موارد الدولة، إلى دعم عربي ودولي وتمويل خارجي كبير.
فلا إعادة إعمار مستدامة من دون تمويل، ولا تمويل من دون ثقة، ولا ثقة من دون دولة قادرة.
والوصول إلى الدولة القادرة يتطلب طبعاً إصلاحاً، بل إصلاحاً أولاً.
وفي مقدمة الإصلاحات المطلوبة تأتي الإصلاحات المالية.
وكانت حكومتنا قد أحالت إليكم المشروع الهادف إلى تعديل قانون إصلاح المصارف بما يتناغم مع توصيات صندوق النقد الدولي، ونحن نقدر مجلسكم الكريم إقراره لهذه التعديلات، بما يخرج لبنان من أزمته ويدخل مسار التعافي.
ومن المعلوم أن حكومتنا قامت قبل ذلك بإحالة مشروع تعديل قانون السرية المصرفية، الذي تم إقراره أيضاً، وما يصب بدوره في السياق نفسه.
وأنا أتطلع في الوقت نفسه إلى بدء مجلسكم الكريم بمناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بمشروع قانون الفجوة المالية، الذي سيكمل الإطار القانوني اللازم لمعالجة هذه الأزمة.
وهنا نعيد التأكيد أن حكومتنا لن تستبق مشروع القانون هنا، لتفادي أي إضاعة للوقت بين مطالب، وعن حق، انتظار المودعين له، كما أن الملفع العالمي يدعو، ومصداقيتنا على المحك بهذا الخصوص.
لكننا نؤكد استعدادنا الكامل للانخراط اللازم في مناقشة أي تعديلات مطروحة على مشروع القانون تحت سقف مجلسكم الكريم، وحكومتنا مستعدة لإبداء كل التعاون في هذا المجال.
لكن علينا أن نكون واضحين: لن نستعيد النمو والثقة من دون استكمال الإصلاح المالي والمصرفي.
ومن هنا مسؤوليتنا المشتركة، حكومة ومجلساً نيابياً، في إنجاز قانون الفجوة المالية.
وفي هذا المجال، نعيد التأكيد على أهمية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد كخيار أساسي التزمت به حكومتنا في بيانها الوزاري الذي نال على أساسه ثقتكم الغالية.
فهذا الاتفاق ليس مهماً بحد ذاته فقط، بل هو رافعة لا غنى عنها لاستعادة الثقة الدولية بلبنان، وبوابة للحصول على التمويل المطلوب من سائر شركائنا الإقليميين والدوليين في مساري التعافي المالي وإعادة الإعمار.
ففي انتظار استكمال إعادة هيكلة القطاع المصرفي والمالي، واستعادة الثقة وإعادة فتح قنوات التمويل، وفي ظل استمرار عدم الاستقرار وغياب القدرة على تمويل الدولة من أسواق رأس المال، كان لا بد من التشدد في الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات.
وقد يسأل البعض: لماذا التشدد في الإنفاق ونحن بحاجة فيه إلى الطعام؟
والجواب واضح: إن أي إنفاق إضافي غير ممول قد يعني مزيداً من الضغط على السيولة، ومزيداً من الضغط على العملات الأجنبية، ومزيداً من الضغط على الاستقرار النقدي، وعلى الظروف المعيشية، وعلى قدرة المواطنين على الوصول إلى ودائعهم، وعلى مسار معالجة أزمة القطاع المصرفي.
والانضباط لا يعني التخلي عن الناس، بل إنه في الحقيقة حماية للناس.
الانضباط المالي ليس خياراً، بل هو شرط للاستقرار. فهو خط الدفاع عن الاستقرار النقدي، وخط الدفاع عن قدرة الدولة على دفع نفقاتها الأساسية، وخط دفاع في نهاية المطاف عن المواطن وعن القدرة الشرائية لأمواله.
باختصار، لا يمكن أن نواجه أزمة اليوم بالسياسات التي ساهمت في خلق أزمات الأمس.
فليس المطلوب من الدولة أن تنفق أكثر، ولكن المطلوب أن تنفق أفضل، وهذا ما نعمل عليه.
من هنا، فإن خيارنا في مشروع موازنة 2024 سيستند إلى الحفاظ على الاستقرار بدلاً من عجز يحدث تقلبات ويمس بالثقة، وحماية الفئات الأكثر هشاشة من دون تقويض الاستدامة المالية، والاستثمار في النمو من دون الإنفاق غير المنضبط، والاستمرار طبعاً في الإصلاح بدلاً من تأجيله، وتعبئة الإيرادات من خلال الالتزام الضريبي والجمركي بدلاً من زيادة الأعباء على الاقتصاد والمواطنين.
فما نريده هو موازنة تهيئ لانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة التعافي المستدام؛ موازنة مسؤولة مالياً، حامية اجتماعياً، داعمة للنمو ومحفزة على الاستثمار.
فلا قطاع أوضح حاجة إلى الاستثمار من قطاع الكهرباء.
فمعالجة أزمة الكهرباء وبناء معامل جديدة تتطلبان استثمارات بمليارات الدولارات، والدولة اليوم لا تستطيع تأمينها وحدها.
وأبرز مشكلات القطاع معروفة منكم: الاعتماد على مدى سنوات طويلة على حلول مؤقتة، مثل استيراد مواد في إنتاج الكهرباء، أو على سلفات الخزينة المتراكمة التي بلغت مليارات الدولارات.
وقد باشرنا بالعلاج، فشكلنا هيئة ناظمة للقطاع بعد تأخير دام 22 عاماً، وتم إقرار ورقة سياسة قطاع الكهرباء، التي تفتح الطريق أمام القطاع الخاص للاستثمار في إنتاج الكهرباء، ونعمل على إعادة هيكلة القطاع.
كما نقف على عتبة تقدم جديد على مستوى خط الغاز العربي، الذي يفترض أن يصل قريباً إلى معمل دير عمار، ما من شأنه أن يرفع ساعات التغذية إلى حد أدنى، وبطريقة أكثر انتظاماً.
ومن جهة ثانية، عملنا على وقف المولدات وإنهاء سياسة التقنين، وقد وصلت التغذية الكهربائية إلى ما بين سبع وتسع ساعات يومياً في شباط الماضي، كما تعرفون جميعاً، من دون تكبيد الخزينة ليرة واحدة، وذلك من خلال اعتمادي على تحسين الجباية، قبل أن تعيد الحرب والارتفاع العالمي في أسعار النفط عقارب الساعة إلى الوراء، للأسف.
لكن ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً لا يعطي أحداً الحق في استغلال حاجة الناس إلى الكهرباء، ولا يبرر مخالفة أصحاب المولدات الخاصة للتسعيرة الرسمية أو فرض رسوم وبدلات إضافية غير قانونية.
لذلك كثفت مديرية حماية المستهلك عمليات الكشف والمراقبة وتنظيم محاضر الضبط وإحالة المخالفين إلى القضاء لإجراء المقتضى القانوني، وصولاً إلى حجز مولدات ومصادرتها.
ورسالتنا واضحة بهذا الخصوص: فمن يعتقد أنه يستطيع استغلال حاجة الناس إلى الكهرباء، أو أن الدولة ستغض النظر عنه، فهو مخطئ. فهي له بالمرصاد، والقانون سيُطبَّق على الجميع دون استثناء.
أما الهمّ الإنمائي، يا دولة الرئيس، فلم يكن يوماً هامشياً في عمل هذه الحكومة، بل كان حاضراً حتى في أحلك ظروف الحرب وملفات الإصلاح المالي.
فقد عملت الحكومة على توسيع محطة الحاويات في مرفأ بيروت وتطوير البنية التحتية والمؤسسية والتشغيلية، بما يعيده رافعة اقتصادية للبنان بعد سنوات من التعثر الذي خلفه انفجار الرابع من آب.
كما عملت حكومتنا على إعادة إحياء ملفات إنمائية مهملة، أبرزها مطار رينيه معوض في القليعات، إيماناً منا بأن أي نهوض حقيقي للبنان لا يمكن أن يبقى محصوراً في المركز، بل يجب أن يطال جميع المناطق.
ومطار القليعات، مثلاً، ليس مشروعاً منفرداً بالنسبة إلينا، بل جزء من رؤية متكاملة للنهوض بالشمال وعكار، إلى جانب تطوير مرفأ طرابلس ومشروع سكة الحديد وتفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة ومعرض بيروت الدولي.
وعلى المستوى الاستراتيجي، عملت حكومتنا على تثبيت موقع لبنان في خريطة المشاريع الإقليمية، ولا سيما ما يتصل بخطوط التجارة وسلاسل توريد الطاقة، والتي كانت في صلب محادثاتي في إسطنبول وبغداد.
وبعد عملنا على وصل ما كان قد انقطع بين لبنان وأشقائه العرب، نجحنا في إعادة وصل الاقتصاد اللبناني مجدداً بأسواقه الطبيعية في العمق العربي، وفي إزالة العوائق أمام صادراته، لا سيما مع المملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج العربي.
كما قمنا بتعزيز علاقات التعاون مع سوريا، من خلال توقيع اتفاقية بين حكومتينا لإنشاء لجنة ثنائية لبنانية ـ سورية مشتركة.
إلا أن هذه الأبواب الجديدة التي فتحناها لن تؤتي ثمارها كاملة إلا إذا نجحنا في تطوير الأمن والاستقرار في البلاد.
وأكرر بصراحة كاملة أن استقراراً مستداماً من دون بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة دون سواها، أمر غير ممكن.
وهذا ما كنا قد التزمنا به في بياننا الوزاري، ونعود اليوم أمامكم لنؤكد عهدنا على تحقيقه.
وفي هذا السياق، عملنا على تعزيز قدرات قواتنا المسلحة، وباشرنا تعزيز أوضاع أفرادها، ونعمل مع شركائنا العرب والدوليين على تأمين المزيد من الدعم لها.
وأغتنم هذه المناسبة لأتوجه من هنا بأكبر تحية إلى جيشنا الذي يوسع اليوم انتشاره في الجنوب، ويواكب عودة الأهالي، فيما تعمل سائر مؤسسات الدولة وإداراتها على استعادة حضورها ودورها فيه.
ويبقى أنه لا أمن ولا استقرار طالما الحرب مستمرة في الجنوب.
فموقفنا واضح ولا يقبل مساومة: نريد إنهاء الحرب، وهدفنا انسحاب إسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية، والإفراج عن كل أسرانا، وعودة آمنة وكريمة لأهلنا إلى قراهم وبلداتهم التي نريد إعادة إعمارها.
ولهذا الغرض، وبموجب المادة 52 من الدستور، يتولى اليوم فخامة رئيس الجمهورية، وبالاتفاق معي كرئيس للحكومة، المفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، تأكيداً على أن الدولة اللبنانية وحدها دون سواها هي من يفاوض باسم لبنان.
صحيح أن بلدنا يتأثر بمجريات الحرب الدائرة في المنطقة تأثيراً كبيراً، إلا أنه ليس ورقة تفاوض بيد الآخرين في مفاوضات يغيب عنها.
ولا يخفى عليكم أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ليست أمراً سهلاً، وشأنها شأن أي مفاوضات، لا تحقق نتائج بالسرعة التي يتوقعها أو يريدها البعض.
فلبنان متمسك بسيادته على أراضيه كافة تمسكاً لا لبس فيه ولا تهاون، والسيادة تقتضي انسحاب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية، كما تقتضي بسط سيطرة الدولة بقواها الذاتية والعمل على حصر السلاح بيدها.
وكلكم يعلم أن الإطار الثلاثي الذي اتُّفق عليه في المفاوضات يشكل مرجعاً في المسار التفاوضي، لكنه ليس اتفاقاً بالمعنى القانوني للكلمة، بل إطار سياسي، وبالتأكيد هو ليس اتفاقية منجزة.
ولو كان ذلك هو الواقع، لكان قد تم عرضها على مجلس الوزراء بهدف إقرارها.
غير أن الإطار الثلاثي تضمن سلسلة تدابير تنفيذية، وإن كانت من دون رزنامة، تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار للجيش اللبناني.
فالحكم الجدي على هذه المفاوضات لا يتوقف عند مرحلة من مراحلها، بل يكون بنتائجها النهائية.
مفهوم أن يكون هناك من لا يوافق على مضمون هذا الإطار، أو أن يكون لديه ملاحظات على بعض بنوده.
أما القول إنه يتضمن التزامات جديدة على لبنان غير متفق عليها، فأمر يثير الاستغراب، لا سيما مع التزام لبنان الرئيسي في حصر السلاح بيد الدولة.
وهذا لا جدال فيه، فقد التزمت به حكومتنا في بيانها الوزاري، وما تحكم القطاع على أساسه، وهو أساساً في صلب اتفاق الطائف، كما أنه وارد في اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي تفاوضت عليه الحكومة السابقة عام 2024.
إذن، المسألة ليست أن هناك من يطلب من لبنان اليوم التزاماً لم يسبق أن التزم به.
المسألة هي: كيف نحقق الأهداف التي نريدها جميعاً؟
وأقولها بوضوح، يا دولة الرئيس: أنا لست هاوياً للتفاوض لمجرد التفاوض، ولا أخال أحداً من بين أعضاء الحكومة يهوى ذلك.
لكن مسؤولية الدولة هي أن تختار الطريق الأقل كلفة على اللبنانيين لتحقيق أهدافها.
فالتفاوض بحد ذاته ليس تنازلاً عن الحقوق، بل وسيلة لاستعادة هذه الحقوق بالوسيلة الدبلوماسية.
وبالختام، أشكركم دولة الرئيس، كما أشكر السادة النواب الكرام على حسن استماعهم، أنا وكل أعضاء الحكومة، باهتمامهم تدخلاتكم، ونأمل أن يكون النقاش بيننا لمصلحة خير لبنان ومستقبل أفضل لكل أبنائه.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|