من "الثنائي" إلى التعدّد.. هل تغيّر المشهد الشيعي في لبنان؟
هي لحظةٌ فارقة في تاريخ شيعة لبنان. وإن كان من الشّاقّ التّنبّؤ بمآلات واقعيّة لهذه الطّائفة بعد هذه اللّحظة، خصوصًا بعد النّهج الّذي سارت به في السّنوات العشرين الأخيرة، والّذي تُوّج بالنّتائج الكارثيّة للحربين الأخيرتين عليها وعلى اللّبنانيّين عمومًا، إلّا أنّ اللّحظة الفارقة والضّاغطة، في كلّ الأحوال، تبدو نافذةً لاحتمالات عدّة. فهل وصلت الطّائفة المنكوبة، على أقلّ تقدير، إلى الحدّ الّذي يُمكن القول معه إنّ مسار معارضي احتكار "الثّنائيّ" لقرارها ومصيرها، بعد الفشل الّذي لازمه، بات يؤتي ثماره في لحظة إقليميّة سائلة؟ أم أنّه استحقاق دَينٍ ثابت لأبناء هذه الطّائفة، الّذين وجدوا أنفسهم متروكين في وجه انتقامٍ جماعيّ وهزيمةٍ فادحة تهدّد مقوّمات وجودهم؟
في الحالتين، يبدو أنّ تحوّلات بنيويّة، وإن كانت في طورها الجنينيّ، بدأت تطرأ، وأنّ مسارًا جديدًا بات في طور التّشكّل، ممهّدًا الطّريق أمام هذه الطّائفة، الّتي يزخر حاضرها بالنّكبات المستفحلة، نحو تعدّديّة مرئيّة طال انتظارها.
لقاءٌ في الفاتيكان
وتحت هذه الفكرة وفي مدارها، يكتسب استقبال أمين سرّ دولة الفاتيكان، الكاردينال بييترو بارولين، وفدًا ضمّ الشّيخ محمّد علي الحاج العاملي، والدّكتور وجيه قانصوه، والصّحافيَّين جاد أخوي وعلي الأمين، دلالةً تتجاوز بروتوكول الزّيارة. فالمسألة تتّصل بإمكان سماع أصوات شيعيّة خارج القنوات الّتي اعتادت اختزال الطّائفة، وبموقع هذه الأصوات في النّقاش حول سيادة لبنان ومستقبل الجنوب.
في حديثه إلى "المدن" يُشير الصّحافيّ والكاتب جاد أخوي أنّه "في الواقع لا يُمكن الجزم بوجود رسالة محدّدة أراد الفاتيكان توجيهها. ويوضح أنّ الزّيارة جاءت خلال مشاركة المجموعة في مؤتمر بإيطاليا، بدعوة من مؤسّسة "كوزما"، الّتي رتّبت لقاءات مع نوّاب من الأكثريّة والمعارضة، وشخصيّات في البرلمان والحزب الدّيمقراطيّ، قبل تنسيق اللّقاء الفاتيكانيّ.
يلفت أخوي إلى توافقٍ إيطاليّ واسع على مساعدة لبنان، رغم الانقسامات الدّاخليّة، وخصوصًا في ملفّ "اليونيفيل" وأوجه الدّعم الممكنة. أمّا لقاء بارولين، الّذي كان مقرّرًا لعشر دقائق، فامتدّ قرابة ساعة، وتناول السّلام وموقع لبنان في الرّؤية الفاتيكانيّة. ويختصر أخوي مدخل الوفد بالقول: "أتينا إلى الفاتيكان كلبنانيّين أوّلًا، قبل أن نكون شيعة"، مؤكّدًا أنّ لبنان بقي، وفق ما لمسوه، أولويّةً لدى الكرسيّ الرّسوليّ. وتحدّث بارولين بدوره عن لبنان بوصفه بلد الرّجاء، وعن أهمّيّة الحفاظ على ركائزه الأساسيّة وموقعه ودوره".
وعن أجواء اللّقاء، يقول: "بالتّأكيد، كانت الأجواء إيجابيّة جدًّا. وما لمسناه بوضوح هو أنّ الفاتيكان لا يزال يشدّد على أنّ لبنان سيبقى من أولويّاته، وأنّه يمنح الملفّ اللّبنانيّ أهمّيّة خاصّة ووزنًا كبيرًا".
السّيادة مدخلٌ إلى العودة
ووفق البيان الصّادر عن الزّيارة، جدّد بارولين دعم الدّولة في بسط سيادتها على كامل أراضيها، وانفتاح الفاتيكان على المكوّنات اللّبنانيّة واتّجاهاتها المتنوّعة، بما فيها الطّائفة الشّيعيّة، مستحضرًا عبارة البابا يوحنّا بولس الثّاني "رجاء جديد للبنان".
هنا، يتقاطع المعنويّ مع السّياسيّ. فلبنان، في المقاربة الّتي يصفها المشاركون، ليس ملفّ حماية جماعة دينيّة منفردة، بل نموذج عيش مشترك يستدعي حماية الدّولة ومواطنيها. ويستعيد ذلك مسارًا فاتيكانيًّا تعزّز خلال عهد البابا فرنسيس، تتجاوز فيه العناية بلبنان رعاية المسيحيّين إلى صون شروط بقائهم مع شركائهم في وطن واحد.
ويقول الصّحافيّ والكاتب علي الأمين لـِ "المدن" إنّ الوفد أراد شكر الفاتيكان على هذا الدّور، وطلب دعمه لاستعادة السّيادة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ، وعودة السّكّان إلى الجنوب، وإعادة الإعمار. وتكمن أهمّيّة هذا الطّرح في إعادة وصل السّيادة بحياة النّاس. فالانسحاب والعودة والإعمار ليست مطالب مؤجّلة إلى ما بعد حسم الصّراع السّياسيّ، بل معيارٌ للحكم على جدوى الخيارات المطروحة. ومن داخل بيئة دفعت أثمان الحرب، يصبح دعم المسار التّفاوضيّ للدّولة تعبيرًا عن مصلحة مباشرة في الأمان والاستقرار، وعن مساءلةٍ لاحتكار قرار الحرب وتحديد شروط الخروج منها.
من جهته، يستشرف أخوي مسارًا جيّدًا للأمور الحاصلة، فيما يرى أنّ توحيد جميع المبادرات الشيعيّة ليس ضروريًّا، متسائلًا: "إذا توحّد الجميع ضمن إطار واحد، فما الفرق عندها بينهم وبين الثّنائيّ؟". المطلوب، في نظره، ليس اصطفافًا شيعيًّا مضادًّا، بل تكريس الحقّ في التعدّد. ويعتبر أنّ المسار تجاوز النقاش النظري: "وصلنا إلى مكان جيّد جدًّا. الناس بدأت ترى أنّ هناك فعلًا صوتًا ثالثًا، وأنّ الخيارات لا تنحصر بالثنائيّة القائمة". وما شهدته النبطية أخيرًا، في رأيه، جزء من هذا المناخ الجديد.
الأحاديّة ليست قدرًا شيعيًّا
من جهته، يضع الأمين اللقاء مع بارولين في سياق أبعد. ويقول لـ"المدن" أنّ الفاتيكان "يتعامل مع لبنان باعتباره قضيّة لبنانيّة كاملة، لا قضيّة المسيحيين في لبنان فحسب".ومن هذه الزاوية، شدّد الوفد، وفق الأمين، على أنّ الفاتيكان قادر على لعب دور في دعم استعادة السيادة اللبنانيّة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وعودة السكان إلى الجنوب، وإعادة الإعمار. ويضيف أنّ الفاتيكان أكّد تمسّكه بلبنان وسيادته، ودعمه لخيار التفاوض، كما قال بوضوح إنّه "منفتح على جميع الفرقاء، وخصوصًا داخل الطائفة الشيعيّة".
هنا تحديدًا يرى الأمين الرسالة السياسيّة. ففي مراحل سابقة، كان الفاتيكان، مثل جهات دوليّة أخرى، يتعامل عمليًّا مع المواقع الرسميّة أو القوى التي تحتكر التمثيل داخل الطائفة، أي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وحركة أمل، و"حزب الله". أمّا اليوم، "فالرسالة هي أنّ هناك اتجاهات وقوى مختلفة داخل الطائفة الشيعيّة، وأنّ الفاتيكان منفتح على الجميع، وليس على طرف واحد أو إطار محدّد فقط". ويشدّد الأمين على أنّ طبيعة الطائفة الشيعيّة متنوّعة، وليست أحاديّة كما صُوّرت خلال العقود الماضية. بل إنّه لا يعتبر وجود حركة أمل و"حزب الله" تعدّديّة فعليّة، لأنّهما، بحسب رأيه، "يتحرّكان ضمن سياسة إقليميّة واحدة كان لها تأثير كبير في لبنان وأسهمت في حصر التمثيل الشيعي".
ويستند إلى المسار الانتخابي منذ 1992 حتّى 2022، حيث لم يحصل اختراق فعلي مستدام للوائح "الثنائي"، خلافًا لما شهدته البيئات السنّيّة والمسيحيّة، وحتى الدرزيّة، من تبدّل في القوى والقيادات. ويقول: "ليس طبيعيًّا، في نظام يفترض أنّه ديمقراطي، أن تأتي النتائج على مدى أكثر من ثلاثين عامًا لمصلحة قوّة واحدة بنسبة تكاد تكون كاملة".
وبرأيه، لا يعود ذلك إلى انعدام التنوّع، بل إلى "وجود السلاح والوصاية وغياب المنافسة الانتخابيّة الفعليّة"، وإلى تأثير القوى الإقليميّة، من الوصاية السوريّة سابقًا إلى النفوذ الإيراني لاحقًا. الجديد اليوم، إذًا، ليس ولادة التنوّع، بل بدء الاعتراف به سياسيًّا.
انفتاحٌ يتّسع وحدودٌ قائمة
يتقاطع هذا المشهد مع ما تؤكّده مصادر دبلوماسيّة أوروبيّة رفيعة المستوى لـ"المدن"، عن سعي عواصم أوروبيّة إلى توسيع التّواصل مع شخصيّات وجهات شيعيّة خارج الأطر التّقليديّة. وبحسب المصادر، تنطلق المقاربة من التّفريق بين الطّائفة، بمصالحها وهواجسها الأمنيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، وبين حزب اللّه، بخياراته العسكريّة وارتباطاته الإقليميّة.
وتعني هذه القراءة أنّ فهم مخاوف الشّيعة بات مدخلًا إلى التّواصل معهم، بدل افتراض تطابقها تلقائيًّا مع حسابات الحزب. لكنّها، حتّى الآن، تبقى توجّهًا تصفه المصادر، ولا تكفي وحدها للجزم بسياسة غربيّة موحّدة أو بخطّة لإنتاج تمثيل بديل.
فيما يُقدّم كلام السفير الأميركيّ ميشال عيسى، منذ أيام، من مقرّ المجلس الإسلاميّ الشّيعيّ الأعلى، قرينةً على مخاطبة مصالح البيئة الشّيعيّة مباشرةً، إذ أكّد الرّغبة في مصلحتها وعودة الأهالي إلى الجنوب. غير أنّ مكان التّصريح نفسه يفرض الدّقّة: التّواصل جرى عبر مؤسّسة رسميّة قائمة، ولذلك لا يثبت الكلام وحده تجاوز التّمثيل التّقليديّ. دلالته الأوضح أنّ مصالح الشّيعة قابلةٌ لأن تُخاطَب بذاتها، من دون اختزالها آليًّا بمصلحة حزب اللّه.
إلّا أنّ الفارق كبير بين الاعتراف بهذا التّنوّع وبين امتلاك القدرة على حمايته. فالانفتاح الدّبلوماسيّ يمنح أصواتًا مساحةً واعترافًا، لكنّه لا يُنتج تلقائيًّا ضماناتٍ لحرّيّة العمل السّياسيّ داخل لبنان، ولا يحلّ مشكلة الخوف والتّهجير وانسداد أفق العودة.
من حماية "الرسالة" إلى استعادة الدولة
تكتسب اللحظة دلالة إضافيّة في ضوء العلاقة التاريخيّة بين لبنان والفاتيكان. فالكرسيّ الرسولي لم يتعامل مع لبنان كمجرّد مساحة لحماية المسيحيين، بل كنموذج سياسي وحضاري للعيش المشترك. ومن يوحنّا بولس الثاني إلى فرنسيس، ارتبطت "الخصوصيّة اللبنانيّة" بالشراكة بين المسيحيين والمسلمين. لذلك، فإنّ انفتاح الفاتيكان على أصوات شيعيّة متعدّدة يترجم هذه الرؤية في لحظة تواجه فيها الطائفة أسئلة الأمن والعودة والإعمار والسلاح والتمثيل.
ولعلّ الأهمّ في الحراك الناشئ أنّه لا يسعى، في أفضل صوره، إلى صناعة "ثنائي" مضادّ للثنائي القائم، ولا إلى نقل احتكار التمثيل من يدٍ إلى أخرى. قوّته الحقيقيّة، إن استمرّ، ستكون في تفكيك فكرة الاحتكار نفسها، وفي إعادة إدخال الشيعة إلى المجال السّياسيّ اللبناني بوصفهم مواطنين متعدّدي الخيارات، لا جمهورًا سياسيًّا مغلقًا.
أيّ أنّ المسألة، بهذا المعنى، لا تتعلّق بصناعة قيادة شيعيّة بديلة، ولا بإقناع الخارج بأن يبحث عن "شيعة جدّد" يضعهم كبديل عن "حزب الله" وحسب. فهذا، في جوهره، يعيد إنتاج الخلّل نفسه بوجوه مختلفة. الرهان الحقيقي هو في استعادة السّياسة نفسها وقرارها؛ أي حقّ الناس في الاختيار، والتنافس، والاختلاف، وفي أن يكون ولاؤهم للدولة ومؤسّساتها خيارًا سياسيًّا قابلًا للحياة لا تهمةً أو مغامرةً شخصية.
بتول يزبك - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|