الصحافة

من يملأ الفراغ الإيرانيّ إن حصل؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في السياسة، كما في الطبيعة، لا وجود للفراغ. فحين تنسحب قوّة تتقدّم أخرى. وحين تضعف دولة تنشأ قوى تتقاسم وظائفها. لهذا، قد يكون التحدّي الأخطر الذي يواجه الشرق الأوسط هو ما سيؤول إليه الحيّز الذي قد يتركه انكماش النفوذ الإيرانيّ، ومن ستكون له القدرة على ملئه.
قد يبدو السؤال مرتبطاً بإيران، لكنّه في الحقيقة أكبر منها. فالفراغ ليس ظاهرة إيرانيّة، بل كان إحدى السمات التي حكمت المنطقة طوال العقود الأخيرة. وإيران نفسها لم تتمدّد في المشرق العربيّ لأنّها كانت الأقوى فحسب، بل لأنّها وجدت دولاً ضعيفة، ومؤسّسات منهكة، وأنظمة فقدت قدرتها على احتكار القرار. لقد دخلت من أبواب تركتها الدول مفتوحة، أو عجزت عن إغلاقها. وهذا ما يجعل الوضع أكثر تعقيداً. 

فإذا انحسر النفوذ الإيرانيّ في مرحلة ما، فإنّ ذلك لا يعني تلقائيّاً ولادة الاستقرار. فالفراغ لا يبقى فراغاً، بل يستدعي من يملؤه. والتاريخ الحديث للمنطقة يقدّم شواهد كثيرة على ذلك.

في العراق، فتح سقوط نظام صدام حسين الباب أمام تنافس داخليّ وإقليميّ واسع، وفوضى عارمة. ومع انهيار مؤسّسات الدولة، وجدت التنظيمات المتطرّفة بيئة خصبة للتمدّد، وصولاً إلى ظهور تنظيم "داعش" وسيطرته على مساحات شاسعة من العراق ولاحقاً سوريا، ليس لأنّه كان الأقوى، بل لأنّ الدولة كانت الأضعف.

وفي سوريا، لم يكن المشهد مختلفاً طوال سنوات الحرب، قبل أن تبدأ ملامحه بالتغيّر مع الانتقال السياسيّ في المرحلة الأخيرة. فمع تراجع سلطة الدولة سابقاً ووقوفها بعناد وعنف ودمويّة في وجه كلّ تغيير، لم يملأ المساحة الشاغرة طرف واحد، بل تعدّدت القوى والمرجعيّات. قوى مدنيّة ثائرة. فصائل محلّية، وتنظيمات متشدّدة، ثم نفوذ إيرانيّ، وحضور روسيّ، وتمدّد تركيّ في الشمال وإسرائيليّ في الجنوب الغربيّ. لقد تحوّلت الجغرافيا السوريّة إلى دليل حيّ على أنّ ما يتركه انحسار النفوذ لا يبقى بلا شاغل.

حتّى الربيع العربيّ قدّم درساً مشابهاً. ففي أكثر من دولة، أدى انهيار أو إضعاف الأنظمة القائمة إلى صعود قوى سياسيّة جديدة، وفي مقدّمها تيارات الإسلام السياسيّ التي وصلت إلى السلطة عبر الانتخابات في بعض الحالات. لكنّ المشكلة لم تكن في هويّة هذه القوى بقدر ما كانت في هشاشة الدولة نفسها، وعدم قدرتها على ضمان استقرار المؤسّسات. وهكذا، دخلت تلك الدول في موجات متلاحقة من إعادة رسم التوازنات، بدل أن تنتقل إلى استقرار دائم.

ولبنان ليس بعيداً عن هذه القاعدة. فقد كشفت انتفاضة السابع عشر من تشرين عن انهيار عميق في شرعيّة المنظومة التقليديّة، لكنّها لم تتمكّن من إنتاج مشروع سياسيّ موحّد قادر على ملء الفجوة التي كشفتها. فبقيت السلطة القديمة، بكلّ تناقضاتها، اللاعب الأكثر قدرة على استعادة المبادرة، لأنّ البديل لم ينجح في التحوّل إلى قوّة سياسيّة منظّمة. 

إذاً، من سيملأ أيّ فراغ قد يتركه انحسار النفوذ الإيرانيّ إن حصل؟

الولايات المتّحدة ستسعى إلى حماية توازنات تخدم مصالحها، لكنّها لا تبدو راغبة في العودة إلى نموذج الهيمنة المباشرة. والدول العربيّة، وفي طليعتها بلدان الخليج، تتحرّك بمنطق مختلف، حيث بات الاستثمار والاقتصاد والاستقرار أدوات نفوذ لا تقلّ أهميّة عن القوّة العسكريّة. أمّا إسرائيل، فستحاول استثمار أيّ تحول يعزّز أمنها وموقعها الإقليميّ.

لكن ثمّة لاعباً آخر لا يجوز تجاهله، هو تركيا. فمنذ سنوات، تعمل أنقرة على توسيع حضورها السياسيّ والأمنيّ والاقتصاديّ، مستفيدة من الفراغات التي نشأت في سوريا والعراق... والتي قد تنشأ في لبنان، ومن موقعها الجغرافيّ وطموحها الإقليميّ. وهي تقدّم نموذجاً مختلفاً للنفوذ، يجمع بين القوّة العسكريّة والامتداد الاقتصاديّ، ما يجعلها مرشّحة لأن تكون أحد أبرز الفاعلين في أيّ توازنات إقليميّة جديدة.

وتأتي اتفاقية الدفاع المشترك الموقّعة في مكّة المكرمة بين السعودية وباكستان وتركيا مؤشّراً إضافياًّ إلى هذا التحوّل في موازين الأمن والقوّة والاقتصاد في المنطقة ولدى أطرافها.

وإذا كان النفوذ الإيرانيّ يواجه اليوم إعادة حسابات وضغوطاً متزايدة، فإنّ استمرار تراجعه، لا يعني بالضرورة اختفاءه. وقد يكون الافتراض بأنّ الحالة ستشهد ببساطة انتقالاً من نفوذ إيرانيّ إلى نفوذ تركيّ أو عربيّ أو غربيّ تبسيطاً مفرطاً. فالاحتمال الأكثر خطورة هو ألا يملأه أحد بصورة كاملة، بل أن يتحوّل إلى مساحة تنافس دائم، أو إلى فوضى مزمنة، أو إلى ولادة تنظيمات جديدة تتغذّى من ضعف الدولة، كما حدث في محطاّت سابقة.

وهنا تكمن العقدة الأساسيّة بالنسبة إلى لبنان. فهو لا يعاني من فائض النفوذ الخارجيّ فحسب، بل من عجز مزمن في بناء مفهوم الدولة. وكلّما ضعفت الدولة، تمدّدت المشاريع الخارجيّة، أيّاً كانت هويّتها. إيران كانت أحد المستفيدين من هذا الواقع، لكنّها لم تكن سببه الوحيد. وإذا لم يُعالج أصل المشكلة، فإنّ أي تراجع لنفوذها لن يؤدّي تلقائيّاً إلى قيام الدولة البديلة كمفهوم، بل قد يفتح الباب أمام نفوذ آخر، أو أمام فوضى جديدة.

لذلك، المطلوب ليس انتظار تبدّل موازين القوى الإقليميّة، بل بناء دولة قادرة على أن تملأ بنفسها أيّ فراغ قد ينشأ. دولة تحتكر القرار، وتحمي حدودها، وتدير مؤسّساتها، وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحة يتنافس عليها الآخرون.

وربما يكون السؤال كلّه خاطئاً. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى وريث لإيران، كما لم يكن يحتاج من قبل إلى وريث لقوى أخرى. ما يحتاجه هو أن تتوقّف دوله عن إنتاج الفراغ الذي يستدعي الورثة. فحين تكون الدولة قوّية وعادلة وطبيعيّة، لا يبحث أحد عن بديل لها. أمّا حين تضعف، فلا يعود السؤال من سيملأ الفراغ، بل كم مشروعاً سيتنافس على اقتسامه.

- أنطوان العويط -

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا