الشرع يعيد ترتيب أوراق دمشق… إسرائيل تراقب ولبنان يدخل الحسابات
اتفاق دمشق - "قسد": هل تخلى الأكراد في سوريا عن حلم الدولة الكردية؟
ثمة مشهدان يختصران انقلاباً سياسياً كبيراً في سوريا: في 25 آب/أغسطس 2026، أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) وحلّها كقوة عسكرية مستقلة بعد اكتمال اندماجها في الجيش السوري. وبعد ثلاثة أيام فقط، عيّنه الرئيس السوري أحمد الشرع مستشاراً له. وصار قائد القوة التي أدارت، طوال أكثر من عقد، كياناً شبه مستقل في شمال شرق سوريا جزءاً من دمشق.
السؤال البديهي اليوم: هل انتهى الحلم الكردي في سوريا؟ الجواب يحتاج إلى بعض التدقيق. فالأكراد السوريون، أو على الأقل القوى الرئيسية التي حكمت شمال شرق البلاد، لم يعلنوا رسمياً في السنوات الماضية مشروع دولة كردية مستقلة على غرار حلم "كردستان الكبرى". كان خطابهم أشدّ حذراً: حكم ذاتي، ثم إدارة ذاتية، ولاحقاً لامركزية وفيدرالية ضمن سوريا موحدة. وفي ربيع 2025 كانت القوى الكردية الرئيسية لا تزال تتحدث صراحة عن نظامٍ فيدرالي يضمن إدارة محلية وقوات أمن وخصوصية سياسية وثقافية للمناطق الكردية. اليوم، انخفض هذا السقف بصورة دراماتيكية.
قبل سقوط نظام بشار الأسد، كانت "قسد" تسيطر على نحو ربع سوريا. كان لديها جيش، وأجهزة أمن، وإدارة مدنية "ذاتية"، وموارد نفطية وغازية، ومعابر، وعلاقات مباشرة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي. لم تكن دولة بالمعنى القانوني، لكنها امتلكت كثيراً من أدوات الدولة. اتفاق آذار/مارس 2025 بين الشرع وعبدي بدأ بتفكيك هذه المعادلة، إذ نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في مؤسسات الدولة السورية وعودة المعابر والمطار وحقول النفط والغاز إلى سلطة دمشق. لكنه تعثر لأن الخلاف كان على من يحكم شمال شرق سوريا فعلياً. في كانون الثاني/يناير 2026، أجابت موازين القوى عن هذا السؤال: هجوم حكومي سريع انتزع مساحات واسعة من "قسد" وأعادها إلى المفاوضات من موقع مختلف جذرياً.
هنا تحديداً يكمن نجاح دمشق. فالشرع لم يقضِ على "قسد". فعل ما هو أكثر فائدة للدولة: أنهى استقلالها العسكري واستوعب كوادرها. لكن، القول إن الأكراد خرجوا مهزومين سيكون تبسيطاً آخر. فدمشق قدمت اليوم في مقابل إنهاء الإدارة العسكرية والسياسية المنفصلة تنازلات لم يكن النظام السوري السابق مستعداً حتى لمناقشتها. حصل الأكراد على اعتراف أوضح بهويتهم وحقوقهم الثقافية، وعلى مساحة لاستخدام اللغة الكردية وتعليمها، وتحول عيد نوروز إلى مناسبة وطنية، كما عولجت قضية أكراد حُرموا الجنسية السورية نتيجة إحصاء عام 1962. والأهم أن الإدماج لم يعنِ إقصاء النخبة الكردية. فقادة سابقون في "قسد" دخلوا المؤسسة العسكرية، فيما أصبح عبدي نفسه مستشاراً للشرع.
لم يكن القرار الكردي نابعاً من دمشق وحدها. فالمشروع الكردي في سوريا عاش أساساً داخل نافذة جيوسياسية استثنائية فتحتها الحرب على "داعش": احتاجت واشنطن إلى قوة برية محلية، فوجدتها في "قسد"، فنشأ كيان كان من الصعب تخيله قبل 2011. لكن الظروف التي أنشأته اختفت واحدة تلو الأخرى: سقط نظام الأسد، وعادت دولة مركزية تبحث عن استعادة سيادتها، وتحولت واشنطن باتجاه التعاون مع دمشق الجديدة، وبقي الفيتو التركي على أي كيان كردي مسلح قرب حدودها ثابتاً. ثم جاءت عملية التسوية مع حزب العمال الكردستاني وتحولاته الداخلية لتضغط أكثر على البيئة الإقليمية التي استند إليها المشروع الكردي السوري. وقد رحبت أنقرة علناً بحل "قسد" معتبرة ذلك خطوة لتعزيز وحدة سوريا. فكان أمام الأكراد، عملياً، خياران: الدفاع عسكرياً عن مكتسبات لا توجد قوة كبرى مستعدة لضمانها أو تحويل ما بقي من قوتهم العسكرية والجغرافية إلى مكاسب سياسية دائمة داخل الدولة. فاختاروا الثاني.
لذلك، قد يكون الأدق القول إن الأكراد السوريين لم يتخلوا عن هويتهم ولا عن تطلعهم إلى إدارة شؤونهم، لكنهم تخلوا، في المدى المنظور على الأقل، عن تحويل هذه الخصوصية إلى كيان سياسي وعسكري مستقل عن دمشق. وهنا تبدأ مسؤولية دمشق، لأن نجاح الشرع ليس مرهوناً بقرار حل "قسد" وقد قضي الأمر، إنما بقدرته على جعل الأكراد - بعد حلها - يشعرون أنهم لم يرتكبوا خطأ تاريخياً حين اختاروا دمشق بدلاً من الانفصال عنها. فالاعتراف باللغة والهوية والمشاركة السياسية ليس منّة تقدمها الدولة، بل هو الثمن الضروري لبناء دولةٍ سورية لا تحتاج كل جماعة فيها إلى جيش خاص كي تحصل على حقوقها.
أما الأكراد، فقد خسروا مشروع شبه الدولة، لكنهم قد يربحون شيئاً أكثر قابلية للبقاء: أن تصبح القضية الكردية جزءاً من النظام السياسي السوري نفسه، لا قضية على حدود سوريا. وإذا نجحت هذه المعادلة، فلن يكون اتفاق دمشق – "قسد" إعلان وفاة للحلم الكردي، بل انتقالاً له من حلم بالسيادة على الأرض إلى معركة من أجل الحقوق في الدستور.
وهذا، في سوريا الجديدة، قد يكون التحول الأهم.
غاندي المهتار-النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|