محليات

رياض سلامة أمام القضاء الأوروبي: سنوات من التحقيقات لكن أين الحكم؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

حتى تاريخ 21 آب 2026، وعلى رغم من مرور سنوات طويلة على فتح تحقيقات قضائية ومالية متعدّدة بحق الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، لم يصدر، بحسب المعلومات والأحكام المنشورة والمتاحة، أي حكم جزائي يدينه في فرنسا، سويسرا، ألمانيا، لوكسمبورغ أو أي دولة أوروبية أخرى، في القضايا المالية الأساسية المنسوبة إليه. في هذا السياق، لا يعني غياب الحكم القضائي تبرئة الرجل، كما لا ينفي وجود شبهات أو تحقيقات جدّية بحقه، بل يضعه قانونياً في خانة الشخص الذي لم تثبت إدانته بعد أمام محكمة مختصة، مع استمرار خضوعه لإجراءات قضائية متعدّدة. مراجعجغرافية

في فرنسا، فُتح تحقيق قضائي يتعلّق بما عُرف بملف «الأموال اللبنانية المكتسبة بصورة غير مشروعة»، وصدرت بحق رياض سلامة عام 2023 مذكرة توقيف دولية. كما ثبّت القضاء الفرنسي حجوزات احتياطية طالت ممتلكات وأموالاً منسوبة إليه وإلى أشخاص مرتبطين بالملف.

لكنّ مذكرة التوقيف ليست حكماً بالإدانة، والحجز الاحتياطي لا يعني أنّ الأموال أصبحت، بحكم قضائي نهائي، متأتية من جريمة. إنّها تدابير قضائية تُتخذ خلال التحقيق، بهدف ضمان الحقوق ومنع التصرُّف بالأصول إلى حين انتهاء الإجراءات.

كذلك، وُضعت أطراف أخرى قيد التحقيق الرسمي في فرنسا، ومن بينها أشخاص ومؤسسات مصرفية. وفي أيار 2026، وُضع مصرف HSBC Private Bank Suisse قيد التحقيق الرسمي في باريس، للاشتباه بجرائم غسل أموال منظّم وتكوين جمعية أشرار. غير أنّ هذا الإجراء يخصّ المصرف المعني، ولا يشكّل حكماً قضائياً بإدانة رياض سلامة.

أمّا في ألمانيا، فقد أُجريت تحقيقات بشأن شبهات غسل أموال واختلاس وتزوير، وصدر أيضاً أمر بالقبض، كما حُجزت عقارات وحصص في شركات تُقدّر قيمتها بنحو 35 مليون يورو. إلّا أنّ النيابة العامة الألمانية أعلنت، وفق المعلومات المنشورة مطلع عام 2026، تعليق التحقيق موقتاً، لتعذّر العثور على المتهمين وإحالتهم إلى المحاكمة. وقد طلبت السلطات الألمانية مصادرة بعض الأصول بصورة دائمة، لكنّ طلب المصادرة نفسه لا يُعدّ حكماً جزائياً بإدانة صاحبها.

وفي سويسرا، فُتح تحقيق منذ عام 2020 بشأن شبهات غسل أموال مشدّد وتحويل مبالغ مالية مرتبطة بملف شركة فوري (Forry Associates). كما اتخذت هيئة الرقابة المالية السويسرية إجراءات إدارية بحق بعض المصارف بسبب أوجه قصور في تطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال.

وفي لوكسمبورغ، فُتح ملف جزائي، واستمرَّت التحقيقات والتنسيق مع السلطات الفرنسية والألمانية والسويسرية. كما طالت الإجراءات بعض العاملين السابقين في القطاع المصرفي. ومع ذلك، لم يصدر، بحسب المعلومات المتاحة، حكم جزائي نهائي يدين رياض سلامة هناك.

أمّا الغرامة الجمركية التي فُرضت عليه في فرنسا عام 2021، على خلفية عدم التصريح بصورة صحيحة عن مبلغ نقدي كان يحمله لدى وصوله إلى مطار لوبورجيه، فهي مخالفة جمركية منفصلة ومحدودة، ولا يجوز تقديمها على أنّها إدانة في ملفات الاختلاس أو الفساد أو غسل الأموال.

وهنا يبرز السؤال المشروع: بعد كل هذه السنوات من التحقيقات الدولية، لماذا لم تصل أي من هذه القضايا الأوروبية حتى الآن إلى محاكمة تنتهي بحكم واضح، سواء بالإدانة أو بالبراءة؟

هل يعود التأخير إلى تشعّب الملفات، وتعدُّد الدول والمصارف والشركات والأشخاص المعنيّين، وصعوبة تتبُّع حركة الأموال عبر الحدود؟ أم أنّ الأدلة المتوافرة لا تزال غير كافية لإثبات الاتهامات أمام محكمة جزائية؟ وهل تحتوي هذه الملفات بالفعل على أدلة حاسمة، أم أنّها ما زالت قائمة، في جزء منها، على شبهات وقرائن تحتاج إلى إثبات قضائي؟

هذه أسئلة مشروعة، لكن لا يمكن القفز منها مباشرة إلى الاستنتاج بأنّ الملفات «فارغة». فعدم صدور حكم حتى الآن لا يثبت فراغها، مثلما أنّ فتح التحقيقات وإصدار مذكرات التوقيف والحجز على الأموال لا يثبت وحده إدانة المتهم.

كما يحق للرأي العام أن يسأل إن كانت هناك إرادة سياسية، لبنانية أو خارجية، لجعل رياض سلامة المسؤول الوحيد عن انهيار مالي واقتصادي شاركت في صنعه، على مدى عقود، حكومات ومجالس نيابية وإدارات عامة ومؤسسات مالية وقيادات سياسية متعدّدة.

لكن لا تتوافر، حتى الآن، أدلة قضائية منشورة، تسمح بالجزم بأنّ قراراً سياسياً اتُخذ مسبقاً لضمان إدانته. يمكن طرح هذه الفرضية ومناقشتها، ولا سيما في ضوء الحملة السياسية والإعلامية الواسعة التي استهدفته، لكن لا يجوز تقديمها باعتبارها حقيقة مثبتة من دون أدلة موثقة.

فالعدالة لا تُبنى على الانطباعات، ولا على الرغبة في العثور على «كبش محرقة»، ولا على الأحكام الإعلامية المسبقة، كما لا يجوز لها أن تتحوَّل إلى وسيلة لحماية أي مسؤول إذا ثبت ارتكابه جرماً.

إذا كانت الأدلة موجودة، فعلى القضاء عرضها وفحصها وإصدار حكمه في مهلة معقولة. وإذا لم تكن كافية، فمن واجبه أيضاً أن يقول ذلك بوضوح، لأنّ إبقاء إنسان لسنوات تحت وطأة الاتهام العلني، من دون محاكمة نهائية، يضرّ بالعدالة بقدر ما يضرّ بالمتهم وبثقة الناس بالمؤسسات القضائية.

إنّ احترام قرينة البراءة لا يعني الدفاع عن رياض سلامة سياسياً، ولا تبرئته مسبقاً، بل يعني التمسك بقاعدة قانونية أساسية: لا يُعتبر الإنسان مذنباً لمجرّد اتهامه أو ملاحقته أو صدور مذكرة توقيف بحقه أو حجز ممتلكاته؛ وإنما تثبت إدانته عندما تُصدر محكمة مختصة حكماً قضائياً قائماً على أدلة خضعت للمناقشة وحقوق الدفاع.

وعليه، تبقى الصياغة القانونية الدقيقة حتى اليوم كما يأتي: «يخضع رياض سلامة لتحقيقات وملاحقات قضائية في لبنان وعدد من الدول الأوروبية، وقد صدرت بحقه مذكرات توقيف واتُّخذت تدابير احتياطية طالت بعض الممتلكات والأصول المنسوبة إليه. لكنه لم يُدن حتى تاريخ 21 آب 2026 بحكم جزائي أوروبي في القضايا المالية الأساسية المنسوبة إليه، ولذلك يبقى متمتعاً بقرينة البراءة إلى أن تثبت إدانته أمام محكمة مختصة».

بعد سنوات من الاتهامات والتحقيقات، بات من حق اللبنانيين أن يعرفوا الحقيقة كاملة: إمّا ملف متماسك يؤدي إلى محاكمة عادلة وحكم واضح، وإمّا إعلان صريح بأنّ الأدلة لم تكن كافية. أمّا بقاء القضية معلّقة إلى ما لا نهاية، وتحويل الاتهام إلى حكم دائم في الإعلام والرأي العام، فلا يحققان العدالة ولا يُعيدان الأموال ولا يساعدان لبنان على تحديد المسؤوليات الحقيقية عن انهياره. 

أنطوان منسى - الرئيس السابق مؤسس لمجلس رجال الأعمال اللبنانيين الفرنسيين في فرنسا HALFA

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا