الصحافة

جعجع يرفع السقف: شراكة في الحكم أم مقعد على الهامش؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

رفع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع سقف اعتراضه على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في توقيت لافت. فجعجع كان حتى الفترة الأخيرة يتعامل مع الرجلين باعتبارهما شريكين في مشروع إعادة الاعتبار إلى الدولة وحصرية السلاح، قبل أن يخرج بتصريحات صحافية عالية السقف تكشف أن الخلاف لم يعد محصوراً ببعض التفاصيل أو التباينات التكتيكية، بل بدأ يطال طريقة إدارة الدولة والملفات الأساسية فيها، وفي مقدمها موقع وزير الخارجية يوسف رجي ودوره.فبالنسبة إلى "القوات"، لا يمكن فصل تهميش رجي عن النقاش الأوسع حول كيفية إدارة السلطة، فوزير الخارجية يتولى حقيبة سيادية يفترض أن تكون في صلب الملفات الخارجية والتفاوضية. وبالتالي، إن إبعاده عن زيارات رئاسية أساسية أو عن مسارات تتصل مباشرة بعلاقات لبنان الخارجية يطرح، من وجهة نظر جعجع، مشكلة فعلية تتجاوز العلاقة بين معراب وبعبدا أو السراي.

واختار جعجع ملف رجي ليعبّر عن هذا الاعتراض، إذ استغرب تغييب وزير الخارجية عن الزيارات الرئاسية والمفاوضات الأساسية. وعن سبب التهميش الكبير لرجي من قبل رئيس الجمهورية وما إذا كان الامر يتعلق بمسايرة عون لحزب الله، أجاب أنّ "الخوف دائماً من القوي". وهذا الكلام يحمل اتهاماً سياسياً بأن بعبدا والسراي لا تعطيان وزير الخارجية المساحة التي يفترضها موقعه، ويعطي انطباعاً بأن إدارة بعض الملفات الحساسة باتت تتم ضمن دوائر ضيقة تحيط برئاسة الجمهورية والحكومة.

ومع ذلك، حرص جعجع على القول إن "القوات" تخوض مع عون وسلام "مواجهة سياسية كبرى"، وإنها تتغاضى أحياناً عن أخطاء تعتبرها أصغر من المعركة الأساسية، ما يفسر بعدم وجود نوايا للقطيعة.

لكن خطاب جعجع لا يخلو من مفارقة. فإذا كان الاعتراض الأساسي هو على تغييب المؤسسات، فإن التعامل مع موقع وزير الخارجية بوصفه امتداداً للحضور السياسي لـ"القوات" قد يضعف جزءاً من هذه الحجة. فرجي، في النهاية، وزير في حكومة مجتمعة وليس ممثلاً حزبياً داخل وزارة سيادية، وبالتالي فإن الدفاع عن صلاحياته يكون أكثر قوة عندما ينطلق من انتظام المؤسسات لا من موقعه في التوازن بين معراب وبعبدا والسراي.

رجي والتهميش الذي تحول إلى مشكلة سياسية

المشكلة بين رجي والرئيسين ليست جديدة. فمنذ أشهر ظهر تباين حول حدود حركة وزير الخارجية ومدى استقلاليته في الملفات الحساسة، وبرز بصورة واضحة في الأزمة مع إيران، عندما ثار سجال حول ما إذا كانت قرارات الخارجية منسقة بالكامل مع بعبدا والسراي.

وفي حين ظهر رجي في مواقف أكثر حدة في ملفات حزب الله وإيران، بدا أن عون وسلام يفضلان إدارة هذه الملفات بإيقاع أكثر حذراً، تجنباً لتحويل كل مواجهة دبلوماسية إلى أزمة داخلية. لكن عضو كتلة الجمهورية القوية النائب غياث يزبك يرفض، في حديث لـ"المدن"، تفسير المشكلة على أنها ناتجة من خروج رجي عن السقف المتفق عليه داخل الحكومة أو مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

ويؤكد يزبك أن "الأمر ليس كذلك أبداً، فمواقف رئيس الحكومة متقدمة أكثر"، معتبراً أن رجي، "بقي يتحرك ضمن الإطار العام للحكومة، ولم يحوّل وزارة الخارجية إلى منصة لمواقف منفصلة عنها". وبحسب يزبك، فإن "الوزير يتحدث من موقعه كوزير للخارجية ومن منطلق ضرورة أن يكون للدولة اللبنانية موقف واضح، لا انطلاقاً من أجندة حزبية خاصة".

وهنا يصبح التباين أكثر تعقيداً. فإذا لم تكن المشكلة، وفق "القوات"، في مضمون مواقف رجي أو خروجه عن السياسة الرسمية، فإن السؤال ينتقل إلى المساحة التي تمنح له داخل آلية اتخاذ القرار، وإلى الأسباب التي تجعل حضوره محدوداً.

هذا التباين عاد ليظهر بصورة أكثر حساسية في المفاوضات مع إسرائيل. فرئاسة الجمهورية هي التي تتابع مباشرة عمل الوفد اللبناني المفاوض، وقد اجتمع عون برئيس الوفد سيمون كرم بعد كل جولة وزوده بتوجيهاته للمرحلة المقبلة، فيما لم يكن وزير الخارجية في قلب إدارة هذا المسار.

لكن يزبك يحرص هنا أيضاً على التمييز بين أمرين. فهو يؤكد "أن القوات لم تكن يوماً حجر عثرة أمام تولي رئيس الجمهورية إدارة ملف التفاوض، انطلاقاً من إقرارها بأن للرئيس دوراً وحقاً دستورياً في هذا المجال، وأن الحزب تعامل مع هذا المسار من موقع وطني ولم يسع إلى تعطيله".

بالنسبة إلى يزبك، "المشكلة لا تكمن في أن يكون رئيس الجمهورية في موقع إدارة التفاوض، بل في تغييب وزير الخارجية عن العمل الدبلوماسي للدولة في أكثر من زيارة مهمة، مثل زيارتي تركيا والولايات المتحدة الأميركية، والجدير بالذكر أن الرئيس عون زار وزير الخارجية الأميركي ما يعكس أهمية الموقع" .

ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرحه جعجع يبقى قائماً، إذا كانت ملفات بهذا الحجم تدار خارج وزارة الخارجية، وإذا كان الوزير لا يشارك بصورة أساسية في الزيارات والمفاوضات التي ترسم موقع لبنان الخارجي، فما هو الدور الفعلي للحقيبة؟

الخلاف على إدارة الدولة

من هنا، يصبح ملف رجي جزءاً من خلاف أوسع على مفهوم إدارة الدولة نفسها. فجعجع لا يعترض فقط على إبعاد وزير محسوب على "القوات"، بل على ما يعتبره ميلاً إلى إدارة الملفات الحساسة ضمن دوائر ضيقة، بدلاً من إشراك المؤسسات المعنية وتحميل الوزراء مسؤولياتهم كاملة.

ويؤكد يزبك في هذا السياق أن "اعتراض القوات لا ينطلق من الرغبة في الدفاع عن حصة وزارية أو تعزيز نفوذ وزير محسوب عليها، مشدداً على أن الحزب يعض على الجرح باسم التضامن، ولا نفتعل أي إشكال يضع مصير الحكومة في خطر".

لكن هذا الموقف لا يعني، في المقابل، القبول بتحويل الوزير إلى مجرد واجهة. بالنسبة إلى يزبك، "رجي وزير خارجية بكل ما يعنيه هذا الموقع، ومن الطبيعي أن يمارس الدور الذي يفترضه موقعه، وأن يكون حاضراً في الملفات التي تقع ضمن نطاق عمل وزارته".

لماذا يفتح جعجع المواجهة الآن؟

الأرجح أن جعجع لا يريد إسقاط الحكومة، ولا الانتقال إلى المعارضة، بل يريد تعديل شروط مشاركته في السلطة وتصحيح مسار يعتبر أنه بدأ ينحرف عن التفاهمات التي قامت عليها المرحلة.

فخروج القوات من الحكومة الآن يعني التخلي طوعاً عن موقع مؤثر في مرحلة تعتبرها مفصلية، فيما الصمت عن تهميش وزير سيادي محسوب عليها يجعلها شريكاً في سلطة لا تشارك فعلياً في صياغة بعض أهم قراراتها.

وهنا يترك يزبك الباب مفتوحاً سياسياً من دون أن يذهب إلى حد التلويح المباشر بالانسحاب من الحكومة. فيقول "إنَّه على الرغم من تمادي الرئيسين عون وسلام قليلاً بالضغط علينا في ملف رجي، فهم يعلمون أن معدننا وطني، يغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة الا أن كل شيء له حدود".

وتفسر هذه الخلفية أيضاً استحضار جعجع التجربة العراقية ودعوته سلام إلى الاقتداء برئيس الحكومة علي الزيدي، الذي وضع ملف حصر سلاح الفصائل في صلب برنامجه، وحدد سقفاً زمنياً لمعالجته رغم الاعتراضات التي يواجهها، كرسالة إلى سلام، بأن المطلوب، الانتقال من إعلان مبدأ حصرية السلاح إلى ربطه بخطة ومهل وقرارات واضحة.

إلا أن استعارة التجربة العراقية لا تحسم النقاش اللبناني. فلكل من البلدين توازناته الداخلية وشروطه الأمنية والسياسية، ثم إنَّ تحديد المهل لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات تنفيذها. من هنا فإن رفع السقف ووضع مواعيد للحسم أسهل من إدارة النتائج التي قد تترتب على تعذر الالتزام بها.

لذلك، فإن الوزير يوسف رجي أحد أسباب الخلاف الأساسية، وأوضح تجلياتها، ولكن هذا لا يعني أن جعجع بصدد الخروج من المركب، لكنه يريد القول إنه لن يقبل بأن يكون راكباً من دون أن يكون شريكاً في تحديد الوجهة. وفي المقابل، فإن البقاء في المركب يعني أيضاً تحمّل جزء من مسؤولية مساره، لا الاكتفاء بانتقاد من يمسكون بالدفة.

إبراهيم الرز - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا