عربي ودولي

كيف يعود المعتقل إلى الحياة؟... سوريون محرّرون يروون ما بعد الزنزانة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن فتح أبواب السجون السورية بالنسبة إلى المعتقلين الذين خرجوا منها نهايةً لسنوات الاعتقال، بقدر ما كان بدايةً لمرحلة جديدة، أكثر تعقيداً أحياناً: كيف يعيش الإنسان بعدما أمضى سنوات خلف القضبان؟ وكيف يستعيد علاقته بأسرته التي كبرت في غيابه؟ وكيف يتعامل مع جسده الذي يحمل آثار التعذيب، وذاكرته التي لا تزال عالقة في تفاصيل السجن؟

في مركز "ميد غلوبال" في حمص، يلتقي محرَّرون من سجون النظام السابق في محاولة لاستعادة ما سُلب منهم خلال سنوات الاعتقال. جلسات للصحة النفسية، وتأهيل جسدي، ومحاولات لإعادة دمجهم في المجتمع، ومساعدة للأطفال الذين ولد بعضهم داخل المعتقل أو أمضوا سنوات من طفولتهم خلف القضبان.

لكن شهادات المحررين تكشف أن الخروج من السجن لا يعني دائماً التخلص منه. فبالنسبة إلى بعضهم، قد يتحول ضوء مصباح أصفر إلى لحظة رعب، وقد يعيد صوت صنبور المياه ذاكرة التعذيب، وقد يصبح لون ثوب معين سبباً في استحضار سنوات الاعتقال. آخرون خرجوا ليجدوا أبناءهم وقد أصبحوا شباباً، أو فقدوا أزواجهم وأشقاءهم، أو وجدوا ممتلكاتهم لا تزال قيد الحجز. أما بعضهم، فلم يكن يصدق أصلًا أنه خرج.

يروي أن آثار آخر عملية خضع لها، إلى جانب آثار تكسير أضلاعه والتعذيب، لا تزال واضحة على جسده، وهو يتلقى العلاج حتى الآن. ويضيف أن ما تعرض له داخل السجن ترك إصابات لم تنتهِ بانتهاء سنوات الاعتقال.

ويقول: "مهما وصفنا تعذيب سجن صيدنايا، فلن يعبّر عن ربع ما عشناه داخل جدران السجن".

حتى لحظة دخول القوات التي حررت السجن، لم يكن المعتقلون يعرفون ما ينتظرهم. ويقول مدين إن المعتقلين اعتقدوا أنهم قد يكونون أمام تصفية جماعية، وظنوا أن ما سيحدث لهم قد يكون شبيهاً بما جرى عام 2018.

لكن الخوف لم ينتهِ فور فتح الأبواب.

ويقول إن الأمر احتاج إلى نحو شهرين حتى يبدأ هو وغيره من المعتقلين بالتأقلم مع فكرة أنهم خرجوا بالفعل، وأنهم أصبحوا قادرين على المشي "تحت سماء رب العالمين".

ويصف تلك اللحظات قائلًا إنه كان ينظر إلى والدته وأخواته ويسأل نفسه: "هل أنا حقاً معكم، أم أن هذا حلم؟".

لكن الحرية لم تُعد إليه كل ما فقده. فبسبب سنوات الاعتقال، لم يتمكن من متابعة تعليمه، كما أن الإصابات التي تعرض لها في السجن لا تزال تؤثر في قدرته على العمل، وهو ما يجعله اليوم بحاجة إلى فرصة عمل تتناسب مع وضعه الجسدي.

لذلك، يطالب بتأمين فرص عمل للمحررين حتى يتمكنوا من استعادة دورهم في المجتمع. ويشير إلى أن بعض الفرص المتاحة للتطوع في وزارة الدفاع أصبحت صعبة بالنسبة إليه بسبب تقدمه في السن مقارنة بالعمر المطلوب.

"المعتقل يقهر الرجال"
عاطف جحواني، معتقل سابق آخر، يصف تجربة الاعتقال بعبارة تختصر جانباً من قسوة ما عاشه: "المعتقل قاهر الرجال".

أما خالد جمال صطيف، المعتقل السابق في صيدنايا، فيرى أن كل ما قيل عن السجن في وسائل الإعلام لا يمثل سوى جزءٍ بسيط مما كان يحدث داخله.

ويقول إن ما عاشه المعتقلون داخل السجن كان أكبر بكثير مما استطاعت الصور والتقارير الإعلامية نقله إلى الخارج.

لكن معاناة خالد لم تنتهِ عند خروجه من السجن.

فالأملاك التي يقول إن النظام السابق حجز عليها خلال حقبة حكمه لا تزال، بحسب روايته، خاضعة للحجز.

ويطالب الجهات المعنية بفك الحجز عن تلك الممتلكات، حتى يتمكن هو وغيره من المحررين من التصرف بها واستعادة جزء من حياتهم التي تعطلت سنوات.

"لم يعد شيء كما كان"
على الجانب الآخر من هذه الشهادات، تقف قصص النساء اللواتي خرجن من المعتقلات محملات بسنوات من الفقد والصدمة.

خديجة عبد المعين مجرمش، التي اعتُقلت عام 2014 وحُكم عليها بالسجن 12 عاماً، تقول إن آثار الاعتقال لا تزال مستمرة حتى اليوم.

"لم يعد شيء كما كان"، تقول خديجة.

فقدت زوجها وشقيقها، وعندما خرجت من المعتقل وجدت أن بناتها قد كبرن؛ إحداهن تزوجت، والأخرى أصبحت شابة، بينما أصبح ابنها شاباً.

تقول إن السنوات التي قضتها خلف القضبان لم تتوقف آثارها عند لحظة الخروج، وإنها حتى الآن لم تتخلص من ذكريات المعتقل.

خلال وجودها في مركز المعالجة النفسية، تقول خديجة إن حالتها النفسية تحسنت، رغم أنها لم تكن مرتاحة في البداية.

لم تكن تتخيل أصلًا أنها ستخرج من السجن.

كان حكمها 12 عاماً، وزوجها قُتل، وشقيقها الذي كان معتقلاً معها استشهد، ولذلك تقول إنها تخيلت نفسها وهي تحمل القضية كلها حتى النهاية.

لكن سقوط النظام غيّر كل شيء.

تقول إنها عندما علمت بسقوط النظام أصبحت تمشي في الشارع وتصلي وتزغرد "مثل المجنونة"، من شدة الفرح.

وكانت فرحتها بخروج المعتقلين أكبر من أي شيء آخر. "حمدت الله أن المعتقلين خرجوا. لم يعد مهماً أن نعيش أو لا نعيش، وأن نملك بيوتاً أم لا. المهم أن المعتقلين خرجوا، لأنني أعرف مرارة السجن".

وتتحدث كذلك عن فرحتها بتحقيق العدالة بحق مسؤولين سابقين في السجون، وتقول إن فرحتها بالحكم على مدير سجن عدرا، الذي تتهمه بالاعتداء الجنسي على النساء، تفوق فرحتها بالخروج من السجن ورؤية أولادها.

مصباح أصفر يعيدها إلى الزنزانة
تحمل خديجة معها تفاصيل صغيرة من المعتقل أصبحت بعد خروجها قادرة على استعادة الخوف وذكريات السجن، بينها المصباح الأصفر.

تقول إنها لا تتحمل رؤية المصباح الأصفر حتى الآن، وإنها بمجرد رؤيته تكاد أن تفقد السيطرة على نفسها، لأنه يذكرها بالمعتقل.

داخل السجن، تقول خديجة، كانوا يعيشون في ظلام دامس، لكن عندما يضاء ذلك المصباح الأصفر، كان ذلك يعني أن إحدى السجينات ستذهب إلى التحقيق.

وهكذا تحول الضوء، الذي يفترض أن يكون علامة على الرؤية، إلى علامة على الخوف.

وحتى صوت الماء لم يعد صوتاً عادياً بالنسبة إليها.

تقول لـ"النهار" إنه عندما يتعطل أحد صنابير المياه في منزلها، تسارع إلى إصلاحه، لأن صوت تنقيط المياه يذكرها، بحسب روايتها، بأحد أساليب التعذيب النفسي التي عاشتها في السجن.

تفاصيل صغيرة في الحياة اليومية، لكنها بالنسبة إلى ناجين من الاعتقال قد تفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها.

"لم أتخيل أن أخرج وأرى السماء والشجر"
حنان سليمان،التي اعتقلها أمن الدولة بتهمة تمويل الإرهاب، تقول إن السلطات اتهمتها بتمويل مرهف الزعبي.

وتروي أن أفراد عائلتها حاولوا دفع المال لإخراجها مباشرة من سجون حمص، إلا أن القاضي رفض، وتم تحويلها إلى سجون دمشق.

وتقول إن عائلتها دفعت مبالغ طائلة، قبل أن تعاد إلى الاعتقال، لتعيش بعد ذلك سنوات من المعاناة.
وكغيرها من المعتقلات، لم تكن حنان تتوقع أن تخرج.

وتقول إن شقيقها وشقيقتها وابن شقيقها وابن شقيقتها وغيرهم من أفراد عائلتها رحلوا، وإنها لم تتخيل أنها ستخرج يوماً لترى السماء والشجر والناس.

حتى خلال نقلها من السجن المركزي إلى النيابة، كانت التفاصيل الخارجية تبدو بالنسبة إليها استثنائية.
"كنت أفرح عندما أرى إشارة المرور، والضوء، والشمس، والناس من خلف الشبك".

وتقول، وعيناها ممتلئتان بالدموع: "لا تتخيلوا الجرح الذي عانيته. لقد كبرت عشر سنوات، والحمد لله خرجنا بخير".

بالنسبة إلى حنان، لم يكن سقوط النظام حدثاً منفصلاً عن خروجها من المعتقل. "فرحتي بسقوط الأسد تساوي خروجي من المعتقل".

وتقول إن شقيقها توفي تحت التعذيب في سجون طرطوس، مؤكدة أنه لم يكن عليه أي ذنب.

"المريول الأزرق" أصبح جزءاً من الذاكرة

تتحدث السجينات عن جانب آخر من الحياة داخل المعتقل: المريول الأزرق الذي كن يرتدينه، والسخرية التي تعرضن لها من السجانين.

وتقول السجينات إن السجانين كانوا يسخرون منهن ويشبّهونهن بالمجانين.

لكن اللون لم يبقَ مجرد لون. تحول إلى ذاكرة نفسية مرتبطة بالسجن.

حنان، مثلاً، تقول إنها خضعت قبل مدة لجراحة، وعندما خرجت رأت نفسها ترتدي مريولاً يشبه لون المريول الذي كانت ترتديه في المعتقل.

تقول إنها فقدت السيطرة على نفسها إلى أن تم تبديل اللون.

هكذا يمكن لتفصيل بسيط في الحياة اليومية أن يعيد المحررة إلى سنوات قضتها خلف القضبان.

من الأمن العسكري إلى فرع الجوية ثم عدرا

عباس الخالد عاش مساراً طويلاً بين سجون وفروع أمنية مختلفة.

يقول إنه كان في سجن الأمن العسكري، ثم نُقل إلى فرع الجوية، وبعدها حُوّل إلى سجن عدرا عام 2016.

ومع كل عملية نقل من فرع إلى آخر، كان الأمل بالخروج يتراجع.

يروي: "عندما كنت أنقل من فرع إلى فرع، كنت أقول لنفسي إنه لم يعد هناك أمل في الخروج".
أصبح تفكيره محصوراً بفكرة واحدة: إذا كان سيملك عمراً آخر في هذه الدنيا، فإنه يريد أن يرى أولاده ووالدته وعائلته.

لكن عباس خرج وعاد إلى عائلته، ثم بدأت بالنسبة إليه رحلة أخرى: رحلة التعافي.

يقول إنه عندما تواصل معه مركز "ميد غلوبال"، شعر منذ الجلسات السبع الأولى بتحسن كبير. "في أول سبع جلسات، كنا نشعر في كل جلسة بأننا نتحسن مئة درجة".

يجد أن الرسالة التي بدأ يشعر بها كانت أن عليهم أن يعيشوا، وأن يحاولوا تجاوز الأسى والعذاب. "كانت نتيجة العلاج مئة بالمئة". 

اليوم، يقول إن أطفاله يحبونه كثيراً، وإنه سعيد بعائلته ومتصالح مع نفسه.

"الصحة النفسية عمود أساسي لحياة كل شخص"
تشرح الصيدلانية سامية سركيس، منسقة برامج "ميد غلوبال"، أن المركز يُعد من المراكز النوعية على مستوى الشرق الأوسط التي تقدم خدمات الصحة النفسية للمحررين من الاعتقال.

وبحسب سركيس، ساعد المركز نحو 850 محرراً، من خلال أكثر من 3500 جلسة فردية وجماعية. وتوضح أن البرنامج صُمم وفق معايير عالمية، من خلال أطباء سوريين وأميركيين، مع مراعاة عادات المجتمع السوري وتقاليده.

وتقول إن المركز ساعد الكثير من الأشخاص على العودة إلى حياتهم الطبيعية بعد التجربة الصعبة التي مروا بها في الاعتقال. "اليوم نلمس فرقاً نوعياً لدى المحررين في تعاملهم مع الذكريات، ومع الأهل والعائلة والمجتمع".

لكنها ترى أن العلاج لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الظروف المعيشية. وتقول إن المجتمع كله مطالب بالمساعدة في تأمين فرص عمل للمحررين، حتى يكونوا فاعلين في المجتمع كما كانوا قبل الاعتقال، إضافة إلى دعم صحتهم الجسدية وتأمين احتياجاتهم الطبية.

أما عن أهمية الصحة النفسية والوصمة المرتبطة بها في المجتمعات الشرقية، فتقول إن الصحة النفسية "عمود أساسي لحياة كل شخص"، فكيف إذا كان الشخص قد عاش تجربة الاعتقال؟

وتشير إلى أن الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية أصبحت أخف في المجتمع السوري، وأن المركز حاول دعم المحررين حتى في طريقة التواصل معهم والتعامل معهم، بعيداً من النظر إليهم باعتبارهم "مرضى نفسيين".

وتقول إنهم أشخاص مروا بضغوط نفسية شديدة، وإن المطلوب هو التعامل معهم باعتبارهم محررين، ومساعدتهم على استعادة دورهم. "نقول إنهم أشخاص لديهم ضغوط نفسية، ونقول إنهم محررون، وجميعنا نطالب بعودتهم الفاعلة، وأن تُرد إليهم الفرص التي حُرموا منها".

طبيب من حمص في شيكاغو... وبرنامج بدأ من 152 محرراً
الدكتور أحمد رضوان، الطبيب النفسي المتخصص بمعالجة الأمراض النفسية لدى البالغين، والحاصل على البورد الأميركي والعربي في الطب النفسي، ومسؤول قطاع الصحة النفسية في منظمة "ميد غلوبال"، كان من الذين شاركوا في بناء البرنامج.

يقول إنه بعد فترة وجيزة من تحرير المعتقلين، تلقى اتصالاً من أطباء في حمص أبلغوه بوجود مرضى تحرروا من صيدنايا ووصلوا إلى حمص سيراً على الأقدام.

ذهب بعضهم إلى أطباء العظام، الذين لاحظوا أنهم بحاجة أيضاً إلى مساعدة نفسية واجتماعية. وكان عددهم 152 شخصاً. يقول رضوان، الذي كان موجوداً في الولايات المتحدة حينها: "تواصلوا معي بصفتي طبيباً من حمص موجوداً في أميركا".

بالنسبة إليه، كان الموضوع صعباً جداً.

تواصل مع "ميد غلوبال"، كما تواصل مع جامعات عريقة ومتخصصة في موضوع الصدمات النفسية في شيكاغو، وبدأ بالعمل على برنامج مخصص للمحررين من سجون النظام السابق.

لم يكن الهدف علاج الأعراض فقط، بحسب رضوان، إنما أيضا إعادة التأهيل وإعادة دمج المحررين في المجتمع. "هذا المعتقل غاب عن الحياة مدة طويلة. هو تعوّد ألا يكون موجوداً خارج السجن، وأهله تعوّدوا مدى السنوات على ألا يكون موجوداً، فعملية دمجه ليست سهلة. إنها عملية صعبة جداً".

"جسور"... رعاية متدرجة بعيداً من الأدوية قدر الإمكان
يقول رضوان إن الفريق حاول الابتعاد عن الأدوية قدر الإمكان، ولذلك صمم برنامج الرعاية المتدرجة الذي حمل اسم "جسور".

يقوم البرنامج على جمع المحررين معاً ومناقشة الصعوبات التي يواجهونها، ثم البحث عن طرق للتعامل معها وحلها.

لكن بعض الحالات تحتاج إلى مستوى أعلى من الرعاية الدوائية والطبية.

ويقول إن برنامج "جسور" يتبع أعلى المعايير العالمية والتوصيات المخصصة للأشخاص الذين تعرضوا للرضوض النفسية والصدمات واضطراب ما بعد الصدمة، مع تعديله ليتناسب مع الثقافة السورية.

وبحسب رضوان، بدأ أول مريض في البرنامج خلال شهر أيار/مايو 2025. ومنذ ذلك الوقت، ظهرت قصص لمحررين تمكنوا من العودة إلى حياتهم.

يقول إن بعض المستفيدين عادوا إلى العمل، فمنهم من عاد إلى مهنة تصفيف الشعر، ومنهم من بدأ بيع الخضر، فيما تمكن آخرون من افتتاح مشاريعهم الخاصة.

هذه القصص، بالنسبة إلى القائمين على البرنامج، ليست مجرد عودة إلى العمل، بل جزء من استعادة الإنسان مكانه في المجتمع.

النساء... صدمة الاعتقال ووصمة ما بعده
يقول الدكتور رضوان إن علاج النساء كان "من أصعب جوانب العمل". "الحالات التي رأيتها في سوريا لم أرَ مثلها في قطر أو السعودية أو أميركا".

ويضيف أن ما يزيد صعوبة العلاج هو قلة الموارد.

لا يوجد تأمين صحي كافٍ، ولا دعم مالي، وكثير من المحررين خرجوا من بلد عاش سنوات من الحرب.

كما يشير إلى أن عدداً كبيراً من المحررين يعانون من مشكلات عضوية إلى جانب الصدمات النفسية. ويقول إن هناك أشخاصاً يعانون من رضوض في الدماغ، ومشكلات عصبية، ومشكلات في الأسنان، وإن الجميع تقريباً كانوا يعانون من مرض السل، بحسب الحالات التي تعامل معها.

أما النساء، فيواجهن تحدياً إضافياً يتمثل في الوصمة الاجتماعية التي قد تلاحق المرأة بعد خروجها من السجن.
لكنه يقول إن هذه الصورة بدأت تتغير مع الوقت، خصوصاً مع ازدياد عدد النساء اللواتي يتلقين الدعم وظهور قصص نجاح لنساء أصبحن مصدر قوة لغيرهن.

ومن بين القصص التي يتذكرها امرأة تبلغ من العمر 84 عاماً، يقول إنها كانت تساعد "الجيش الحر"، وعندما وصلت إلى المركز أصبحت هي نفسها تنصح النساء الأخريات بالمجيء وطلب المساعدة.

أطفال لم يعرفوا من العالم سوى السجن
ربما كانت الحالات الأكثر حساسية بالنسبة إلى الفريق تلك المتعلقة بالأطفال.

يقول رضوان إن هناك أطفالاً ولدوا داخل المعتقل، وإن بعضهم لم يعرف من البشر خارج عالم السجن سوى ضباط النظام السابق. وعندما وصلوا إلى المركز، أصبح الأطباء من الأشخاص الذين يتعاملون معهم. وكان بينهم أطفال في عمر 12 و13 عاماً.

لذلك، يقول الطبيب، جرى تصميم برنامج خاص لهذه الفئة، لأن الحالات كانت صعبة جداً. وكان الهدف الأساسي تقوية الطفل وإعادته إلى المدرسة.

لكن ذلك كان تحدياً كبيراً، بسبب وصمة السجن التي يحملها الطفل معه، فضلاً عن السنوات التي حُرم خلالها من التعليم والحياة الطبيعية.

ويقول إن الفريق حاول أيضاً تقوية العلاقة بين الأطفال وذويهم، وفي حال كان الأب أو الأم قُتلا، كان الفريق يتواصل مع الأقارب لمتابعة الطفل وتأمين البيئة التي تساعده على العودة إلى حياته.

من النجاة إلى الحياة

تكشف شهادات المحررين الذين التقيناهم في حمص أن التحرر من السجن كان لحظة فاصلة، لكنه لم يكن نهاية المعاناة.

مدين خرج من صيدنايا، لكنه لا يزال يتلقى العلاج من آثار العمليات والتعذيب وتكسير الأضلاع، ويبحث عن فرصة عمل تتناسب مع وضعه.

عاطف يلخص التجربة بالقول إن المعتقل "يقهر الرجال".

خالد خرج، لكنه لا يزال ينتظر استعادة حقه في التصرف بممتلكاته التي يقول إنها بقيت خاضعة للحجز.

خديجة خرجت، لكنها لا تزال ترى المعتقل في مصباح أصفر، وتسمعه في تنقيط صنبور المياه، وتحمل معها سنوات فقدت خلالها زوجها وشقيقها وأعواماً من حياة أبنائها.

حنان خرجت، لكن السماء والشجر والناس وشارات المرور ظلت بالنسبة إليها مشاهد تستحق الفرح والبكاء، فيما بقي لون المريول الأزرق قادراً على استدعاء ذاكرة المعتقل.

وعباس استطاع، عبر العلاج، أن يقول إنه عاد إلى عائلته وأصبح متصالحاً مع نفسه.

أما الأطفال الذين ولد بعضهم داخل السجن، فالمعركة بالنسبة إليهم مختلفة: عليهم أن يتعلموا كيف يعيشون خارج عالم لم يعرفوا غيره.

لذلك، فإن إعادة تأهيل المحررين لا تتعلق فقط بمعالجة صدمة الماضي. إنها تتعلق بإعادة بناء المستقبل.

الصحة النفسية جزء من ذلك المستقبل، وكذلك الصحة الجسدية، والتعليم، والعمل، واستعادة الممتلكات والحقوق، ودعم العائلة، ومواجهة الوصمة الاجتماعية.

فالحرية التي تبدأ بفتح باب الزنزانة تحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك الباب.

تحتاج إلى مجتمع قادر على استقبال من خرجوا، وإلى مؤسسات تساعدهم على استعادة ما حُرموا منه، وإلى علاج يجعل ذكريات السجن أقل حضوراً في حياتهم.

وربما تختصر جملة مدين المسافة كلها بين السجن والحياة: "أنظر إلى أمي وأخواتي وأقول لهم: هل حقاً أنا معكم أم هذا حلم؟".

بعد سنوات من الاعتقال، لم يكن أصعب ما واجهه هؤلاء هو الخروج من السجن. كان الأصعب أن يتعلموا من جديد كيف يعيشون أحراراً.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا