قطيش: من أربيل إلى بغداد... إيران تلجأ إلى الخشونة مع تراجع نفوذها
رفضاً لهامش المناورة الأمريكي.. طهران تقر استراتيجية التصعيد الاستباقي
كشف مصدر إيراني قريب من دوائر صنع القرار لـ"إرم نيوز" أن طهران دخلت مرحلة جديدة في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة، بعدما خلصت دوائر صنع القرار في إيران إلى أن سياسة "الصبر الإستراتيجي" والاعتماد على الوسطاء لم تعد كافية لانتزاع تنازلات من واشنطن؛ ما دفعها إلى الانتقال من نهج دفاعي قائم على الردع غير المباشر إلى سياسة هجومية أكثر وضوحًا واستباقًا.
ويقول المصدر: إن هذا التحوّل لا يمثل مجرد تغيير في الخطاب السياسي الإيراني، وإنما يعكس، بحسب تقديره، إعادة صياغة لقواعد الاشتباك مع واشنطن، في ظل استمرار الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية وتعثر تنفيذ التفاهمات السابقة بين الجانبين.
ويوضح المصدر، أن القيادة الإيرانية باتت ترى أن استمرار الاكتفاء بالرد على الضغوط الأمريكية يمنح واشنطن وحلفاءها هامشًا زمنيًّا واسعًا لتثبيت الحصار وإعادة ترتيب انتشارهم العسكري وتعزيز قدرتهم على التحكم في حركة الملاحة والطاقة، ولذلك قرَّرت طهران الانتقال إلى إستراتيجية تقوم على رفع كلفة استمرار الضغط الأمريكي بدل الاكتفاء بتحمل تبعاته.
وكشف أن المهلة التي حدَّدتها طهران لواشنطن، والمقدرة ببضعة أسابيع، تمثل جزءًا من هذه الإستراتيجية، إذ تريد إيران منح الوسطاء فرصة أخيرة لدفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ التزاماتها في مذكرة التفاهم، قبل الانتقال إلى إجراءات تصعيدية أكثر مباشرة.
ويشير المصدر إلى أن طهران لا تتعامل مع المهلة باعتبارها موعدًا نهائيًّا معلنًا لبدء الحرب، وإنما باعتبارها "نافذة زمنية" لإعادة تقييم الموقف الأمريكي، على أن تتحدَّد طبيعة الخطوة التالية وفق مدى استعداد واشنطن لتخفيف الحصار وفتح مسار تفاوضي جاد.
ويضيف أن الانتقال إلى السياسة الهجومية يعني توسيع نطاق الأدوات التي يمكن للأجهزة الإيرانية استخدامها، بحيث لا يقتصر الرد على العمل العسكري التقليدي، وإنما يشمل التصعيد السيبراني، والعمليات الأمنية، والضغط على حركة الملاحة، والتحركات العسكرية الميدانية، إلى جانب تفعيل أوراق النفوذ الإقليمي.
ويؤكد المصدر أن مضيق هرمز سيكون في قلب الإستراتيجية الإيرانية الجديدة، باعتباره الأداة الأكثر تأثيرًا في الضغط على واشنطن وحلفائها، موضحًا أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر الممر المائي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد العالمية.
ويقول إن طهران تدرك أن استخدام هرمز يحمل مخاطر كبيرة، خصوصًا مع الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة، ولذلك فإن الخيار المرجح في المرحلة الأولى هو التصعيد التدريجي والمحسوب، بهدف اختبار قدرة واشنطن على تحمُّل تكلفة الحصار دون الانزلاق مباشرة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ويرى المصدر أن الرسالة التي تحاول إيران إيصالها عبر الوسطاء إلى الولايات المتحدة هي أن "الحصار البحري لن يستمر إلى أجل غير مسمى من دون رد"، وأن بقاء الموانئ الإيرانية تحت الضغط سيجعل طهران أكثر استعدادًا لاستخدام أدواتها العسكرية والأمنية لفرض معادلة جديدة.
ويشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات إيرانية متدرجة تبدأ بتشديد القيود على الملاحة أو رفع مستوى النشاط العسكري في محيط المضيق، وقد تتوسع لاحقًا لتشمل أدوات ضغط أخرى، بحسب طبيعة الرد الأمريكي.
ويضيف أن القيادة الإيرانية تحاول في الوقت ذاته إبقاء باب التفاوض مفتوحًا؛ لأن الهدف من التصعيد، وفق تقديره، ليس الدخول في حرب شاملة، وإنما إجبار واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أكثر توازنًا بالنسبة لطهران.
ويخلص المصدر إلى أن إيران ترى نفسها أمام اختبار مزدوج: إمّا أن تتمكن الوساطة من دفع واشنطن إلى تنفيذ التزاماتها ورفع جزء من الضغوط، وإمّا أن تبدأ طهران في تنفيذ إستراتيجية هجومية تجعل استمرار الحصار أكثر كلفة على الولايات المتحدة والأسواق الإقليمية والدولية.
وتزامن الكشف الإيراني مع تصريحات لمسؤول إيراني كبير، أمس الاثنين، قال فيها إن طهران قرَّرت تحويل سياستها من دفاعية إلى "هجومية بالكامل".
ونقلت وكالة "رويترز" عن المسؤول، الذي لم تسمه، قوله إن "الضغط على أمريكا أو الاعتماد على الوسطاء للتوصّل إلى اتفاق دائم ليس أمرًا واقعيًّا".
وأشار المسؤول إلى أن طهران حددت مهلة بضعة أسابيع لتنفيذ الولايات المتحدة مذكرة التفاهم بالكامل، مشددًا في المقابل على أن "جميع الأجهزة الإيرانية ستكون على أهبة الاستعداد لتصعيد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة".
وأوضح أنه سيتم إبلاغ الولايات المتحدة ودول المنطقة بالإطار الزمني الذي حددته إيران عبر الوسطاء، مؤكدًا أن "طهران لن تنتظر أن تواصل أمريكا الحصار البحري إلى أجل غير مسمى".
من جانبه، يرى محمد ماهر، الباحث في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد تبدأ بخطوات تصعيدية تدريجية، مثل تقييد حركة الملاحة البحرية، أو رفع مستويات تخصيب اليورانيوم، أو زيادة وتيرة التوتر الإقليمي عبر أذرعها، مثل: حزب الله والحوثيين، بهدف دفع واشنطن وحلفائها إلى تقديم تنازلات دون الانزلاق مباشرة إلى حرب شاملة.
ويوضح الباحث في الشؤون الإيرانية لـ"إرم نيوز" أن رفع حالة التأهب القصوى وتداخل الأنشطة الميدانية قد يؤديان إلى احتكاك عسكري غير محسوب العواقب بين القوات الأمريكية والإيرانية، بما قد يفجر صراعًا إقليميًّا واسع النطاق في الشرق الأوسط.
ويؤكد ماهر أن التصريحات الإيرانية تعبّر عن مرحلة "كسر عظم" بين طهران وواشنطن، تستخدم خلالها إيران أدوات الضغط القصوى وورقة مضيق هرمز للخروج من مأزق الحصار المفروض عليها.
ويشير إلى أن نجاح هذه السياسة أو فشلها سيعتمد بدرجة كبيرة على مدى استعداد الطرفين لتحمُّل تكلفة المواجهة المباشرة في إحدى أهم مناطق التجارة والطاقة في العالم.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه المفاوضات المرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز متعثرة، بينما تبقى حركة الملاحة عبر الممر المائي عند مستويات منخفضة، في ظل استمرار الخلاف بين واشنطن وطهران بشأن شروط إعادة فتحه.
وتشير المعطيات إلى أن الأسابيع المقبلة قد تشكل اختبارًا حاسمًا لقدرة الوسطاء على منع انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة، خصوصًا مع تمسك واشنطن بسياسة الضغط والحصار، مقابل إعلان طهران استعدادها للانتقال من إستراتيجية الاحتواء والدفاع إلى سياسة أكثر هجومية في مضيق هرمز والمنطقة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|