هل اهتزت الثقة العربية في الالتزام الأمني الأميركي؟
من وجهة نظر واشنطن، الأزمة التي تفجّرت مع حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز لم تكن مجرد اختبار للقوة العسكرية الأميركية، بل كانت اختبارا لعمق العلاقة مع الحلفاء العرب، وتحديدا الخليجيين. وبينما يرى كثيرون في المنطقة أن الولايات المتحدة تراجعت عن التزاماتها الأمنية، فإن التفكير الأميركي يقدّم رواية مختلفة تعتبر أن واشنطن قامت بما يكفي في إطار أولوياتها العالمية المتغيرة، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في تضارب التوقعات أكثر مما تكمن في غياب الإرادة.
واشنطن واجهت إيران بقوة غير مسبوقة لكن الردع له حدود
في العقل الاستراتيجي للإدارة الأميركية، الرد على إيران لم يكن ضعيفا، وهذا التفكير يعتبر أن أميركا نفّذت واحدة من أكبر عمليات الردع العسكري المباشر منذ عقود، شملت ضربات دقيقة على بنى تحتية عسكرية استراتيجية، وتدمير أو تحييد معظم القدرات البحرية والجوية والصاروخية الإيرانية في الخليج ومحيطه. وهذا السلوك يثبت أن الولايات المتحدة لا تزال اللاعب الأمني الأكثر حضورا وقدرة في المنطقة، وأنها مستعدة لاستخدام القوة عندما يتطلب الأمر ذلك.
لكن داخل واشنطن نفسها ليس هناك إجماع كامل، فبعض الأصوات في البنتاغون والكونغرس ترى أن الرد كان محسوبا ومحدودا عمدا لتجنب حرب شاملة مكلفة، بينما يرى آخرون أنه كان غير كافٍ لمنع عودة الهجمات المتكررة. أما في الخليج، فيُنظر إلى آلاف الهجمات التي طالت منشآت حيوية في السعودية والإمارات والكويت والبحرين منذ فبراير 2026 على أنها دليل واضح على أن الردع الأميركي لم يكن كافيا لحماية الأمن اليومي. وهنا يظهر التباين الجوهري، حيث أن واشنطن تعتبر أن الردع الناجح يعني منع الحرب الشاملة والانهيار الاستراتيجي، لا منع كل صاروخ أو طائرة مسيرة، بينما دول الخليج تعتبر أن أمنها اليومي واستقرار منشآتها هو المعيار الحقيقي للالتزام.
إغلاق مضيق هرمز كشف فجوة التوقعات بوضوح
بالنسبة للأميركيين، إغلاق المضيق كان حدثا خطيرا ومكلفا، لكنه ليس انهيارا استراتيجيا كاملا. الأولوية كانت لاحتواء توسع الحرب ومنع مواجهة مباشرة أوسع مع إيران قد تجرّ المنطقة والعالم إلى دوامة لا يمكن السيطرة عليها. أي عملية واسعة لإزالة الألغام أو فرض فتح الممر بالقوة تحتاج وقتا وتحضيرا وتنسيقا، والتسرع قد يؤدي إلى خسائر أكبر. والرئيس ترامب يحاذر الوقوع في فخ الحرب الطويلة أن يصبح رهينة لحرب استنزاف.
أما في الخليج، فالمضيق شريان حياة اقتصادي حيوي، وإغلاقه أو تعطيله لأسابيع وأشهر يعني خسائر بمليارات الدولارات، وارتفاعا حادا في أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة، وتأثيرا مباشرا على الاقتصادات المحلية والعالمية. من هنا نشأت فكرة تراجع الالتزام الأميركي، لأن كثيراً من العواصم الخليجية كانت تتوقع تدخلا أميركيا أسرع وأكثر فعالية يحمي منشآتها ويعيد فتح المضيق خلال أيام لا أسابيع أو أشهر. غير أن هذا التوقع اصطدم بواقع أكثر تعقيدا حيث أن دول الخليج نفسها تدخلت مرارا للحد من التصعيد خوفا من أن يؤدي أي رد أميركي واسع إلى ردود إيرانية أشد تدميرا على أراضيها، مما يكشف أن فجوة التوقعات لم تكن فقط حول سرعة الرد، بل حول طبيعة الرد المقبول وتكلفته على الجميع.
واشنطن تعتقد أن على الخليج تحمّل جزء أكبر من العبء
صانع القرار الأميركي يرى أن دول الخليج تمتلك قدرات عسكرية ومالية ضخمة، وأنها لم تُستخدم بالشكل الأمثل خلال الأزمة، سواء في الدفاع الجوي أو التنسيق الإقليمي أو بناء منظومات ردع مستقلة. لذلك يعتقد الأميركيون أن على الشركاء العرب تطوير قدراتهم الدفاعية بشكل أعمق، وزيادة الاعتماد على التنسيق الجماعي، وعدم انتظار واشنطن في كل تفصيل عملياتي. غير أن هذا التشجيع يصاحبه حذر من أن يؤدي السعي إلى الاستقلالية إلى تنويع مفرط في مصادر التسليح نحو منافسين استراتيجيين.
هذا الطرح يصطدم بواقع سياسي وعسكري معقد، لأن دول الخليج تعتبر أن التهديد الإيراني بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والحرب غير المتماثلة يتجاوز قدراتها الفردية حتى مع التسليح المتقدم، وأن الولايات المتحدة تظل الضامن الوحيد القادر على ردع طهران بشكل موثوق. والتوتر هنا ليس فقط عسكريا، بل يتعلق بطبيعة التحالف نفسه، هل هو ضمان أمني شامل أم شراكة يتحمل فيها الطرف المحلي الجزء الأكبر؟
هل تغيّر واشنطن أولوياتها؟
الشرق الأوسط لم يعد الساحة الأولى في الاستراتيجية العالمية الأميركية، فالأولوية اليوم للصين كمنافس استراتيجي طويل الأمد، ثم روسيا، ثم الأمن التكنولوجي والاقتصادي والسيبراني. هذا التحوّل ظهر بوضوح في استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها البيت الأبيض في ديسمبر 2025، والتي تؤكد على ضرورة أن يتحمل الحلفاء جزءا أكبر من أعباء أمن مناطقهم.
هذا لا يعني التخلي عن الخليج أو الانسحاب الكامل، لكنه يعني إعادة تعريف الالتزام كدعم، وتنسيق، وردع، وليس تدخلا فوريا وشاملا في كل أزمة. في العالم العربي يُقرأ هذا التحوّل غالبا على أنه انسحاب أو تراجع، خاصة عندما يتزامن مع أزمات كبرى مثل حرب إيران وتعطيل المضيق. أما في واشنطن فيُنظر إليه على أنه تصحيح ضروري بعد عقود من الالتزامات المفتوحة التي استنزفت الموارد والقدرات الأميركية.
تحالف يحتاج إعادة تعريف
الالتزام الأميركي لم يتراجع بالطريقة التي يراها البعض، بل إن التوقعات العربية ارتفعت إلى مستوى أعلى مما تستطيع واشنطن، أو ترغب في تقديمه في مرحلة إعادة ترتيب أولوياتها العالمية. من منظور عربي، ما حدث في المضيق والهجمات الإيرانية كان دليلا على أن واشنطن لم تعد الضامن المطلق للأمن الإقليمي، ومن منظور أميركي، كان دليلا على أن التحالف يحتاج إلى واقعية أكبر من الجانبين.
بين الروايتين تتشكل أزمة ثقة تحتاج إلى حوار صريح يعيد تعريف العلاقة الأمنية بين ما يمكن أن تقدّمه واشنطن فعلا في ظل أولوياتها الجديدة، وبين ما يجب أن تبنيه الدول العربية بنفسها من قدرات وتنسيق إقليمي. الاتفاقات الإقليمية والدبلوماسية، بما فيها المبادرات مثل اتفاق مكة إن تطورت، قد تكون جزءا من الإجابة إذا ساهمت في تقليل الاعتماد الأحادي وتعزيز التوازن.
في النهاية، التحالف الأميركي الخليجي لم ينتهِ، لكنه لم يعد كما كان، والاعتراف بهذا التغير بوضوح هو الخطوة الأولى لبناء علاقة أكثر استدامة وأقل عرضة لصدمات الثقة المتكررة.
سعيد البستاني -الكلمة أونلاين
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|